قليل من الناس يستطيع أن ينصرف عن حديث اليوم إلى حديث أمس، وقليل جدًّا من الناس يستطيع أن ينظر إلى أحداث اليوم فيتبيَّن منها أحداث غد؛ ذلك لأن الحوادث الحاضرة التي تحيط بنا تشغلنا عن الماضي والمستقبل جميعًا، وتحدُّ أعمالنا وآمالنا وتفكيرنا، فإذا نحن مثلها مؤقَّتون في كل ما نأتي وما نقول، ولو قد أُتِيح لكثير من الناس أن يفكِّروا في أمس، لاعتبروا بما كان فيه، ولجنبوا أنفسهم شرًّا كثيرًا، ولو قد أُتِيح لكثير من الناس أن يتبيَّنوا ما ستتكشف عنه غدًا أحداثُ اليوم، لأعرضوا عن كثير من الأعمال، ولجنَّبوا أنفسهم آلامًا كثيرة، وضروبًا من الخيبة لا تُحصَى …

هذا كلام نقوله دائمًا، ولكننا لا نتَّعِظُ به، ولا نعتبر بما فيه، وكأنه قد كثر حتى أصبح مملولًا، وكأننا قد أسرفنا في ترديده حتى زهدنا فيه كما نزهد في الحديث المعاد. وليس كل حديث معاد خليقًا أن يُمَلَّ ويُزهَد فيه، بل من الحديث المعاد ما تستطيع أن تعيده وتعيده دون أن تستقصي ما فيه من عظة، وتستوعب ما فيه من حكمة، وتنتفع حق الانتفاع بما فيه من عبرة. والظاهر أن الوزراء ورجال الحكم هم أشد الناس إعراضًا عن أمس، ونفورًا من غد! وهم لذلك أشد الناس تعرُّضًا للخطأ، وتورُّطًا في الشر والإثم! وكأن الوزارة كما صوَّرتها جريدة الشعب منذ أيام في تشبيه بديع، خمر معتقة لا يكاد يذوقها شاربها حتى تنسيه كلَّ شيء! فتمحو من نفسه أمس وتلقي بينه وبين غد حجابًا صفيقًا! ولو قد ذكر رئيس وزرائنا ما كان من الأحداث ذات الخطر أمس القريب أو أمس البعيد، لاتَّعَظَ واعتبر، وصدَّ نفسه عن أشياء، وكف عزيمته عن أشياء. فما أكثر الذين ضاقوا من قبله بالديمقراطية فنصبوا لها الحرب، وبحرية الشعوب فدبَّروا لها الكيد، ثم باءوا بالهزيمة المنكرة والخذلان المبين؛ لأن الديمقراطية أقوى من أن تغالب، وأصلب عودًا من أن تُحطَّم، لأن الديمقراطية صورة لإرادة الشعب ومظهر لقوته. ومن العسير، إن لم يكن من المحال، أن يستطيع الفرد مهما تعظم قوته، ويبلغ شأنه من الارتفاع والعلو، أن يقهر شعبًا كاملًا أو يذله فيطيل إذلاله، ولو قد فكَّرَ رئيس الوزراء في غدٍ لرأى هولًا بشعًا ونكرًا عظيمًا، فقدر قبل أن يخطو، وتدبَّرَ قبل أن يعمل، ولكن الحكم — وهو هذه الخمر المعتقة — قد ألهى رئيس الوزراء، فأنساه أمس وصرفه عن غد، ودفعه إلى ما أتى من الأعمال، وورَّطه فيما تورَّطَ فيه من شرٍّ، فهو يجني اليوم ثمار هذا النسيان لأمس، والإعراض عن غد، ويذوقها فإذا هي فجة مرة!

نهض بالحكم وهو مؤمن بقوته، معتزٌّ بكفايته، واثق بذكائه، مطمئن إلى سعة حيلته! لا يشك في أنه سيبلغ من هذا الشعب ما يريد! ولم يذكر أن قومًا آخَرين كانوا مثله أقوياء أعزاء، وكانوا مثله أذكياء، وكانوا مثله أكفاء بارعين، قد نصبوا الحرب للشعب فلم يبلغوا منه ما كانوا يريدون، بل بلغ الشعب منهم ما أراد، بل لم يذكر أنه هو قد وقف قوته وعزته وذكاءه وكفايته، على حرب الشعب، والكيد له، فصالَ وجالَ، وقال فأطال، وأذاق الناس ضروب المحن وألوان الفتن، ثم لم يبلغ منهم شيئًا، وإنما انتهى به الأمر إلى أن أذعن لما كان الشعب يريد، فعمل تحت لوائه، وتقرَّبَ إلى زعمائه، وأسرف في تملُّقهم، والتقرُّب إليهم، حتى انصرفوا عنه، وزهدوا فيه!

لم يذكر رئيس الوزراء ذلك، ولم يفكِّر فيه، فجدَّدَ في عهده الحاضر ما اقترَفَ في عهده القديم! وأنا زعيم لك بأنه إن يسبغ اللَّه عليه الصحة، ويمتِّعه بالحياة الهادئة، فسيرى فوز الشعب وانتصاره، وسيرى ظفر الديمقراطية وتفوُّقها، وسيحاول الانضواء تحت اللواء! وسينفق كثيرًا من حيلته الواسعة، وكفايته الرائعة ليتقرَّب من الزعماء الذين يسرف الآن في الإساءة إليهم، والإغراء بهم، والتحريض عليهم، وسيودُّ بجدع الأنف لو شملوه بالعطف، ولكن الحكم — وهو هذه الخمر المعتقة — قد ألهى رئيس الوزراء! فأنساه أمس، وصرفه عن غد، وشغله باليوم!

ولو أن الأمر وقف عند ما يتعرض له رئيس الوزراء من خيبة الأمل، ومرارة الخذلان، لَكان احتماله يسيرًا؛ فرئيس الوزراء رجل من الناس يجب أن يتعلم كما يتعلم غيره من الناس، ويجب أن يستفيد من الدروس القاسية التي يلقيها الزمان على أبناء الإنسان، ولكن الأمر يتجاوز رئيس الوزراء إلى وطنه كله وأمته كلها، فرئيس الوزراء حر في أن يسيء إلى نفسه، ويعرِّضها للمكروه، ولكن رئيس الوزراء لا يملك، وما كان ينبغي له أن يملك الإساءةَ إلى أمته وتعريضها كلها للمكروه، ورئيس الوزراء يعرِّض أمته لخطر ليس بعده خطر، ويدفعها إلى شر ليس مثله شر، ولو قد تمَّتْ له الآن في هذه الراحة التي يضطره إليها المرض أداة الروية والتفكير، فنظر وراءه، ونظر من حوله، ومدَّ بصره قليلًا إلى أمام، لَاستيقنَ أنه قد أشرف بأمته على هُوَّة بعيدة القرار.

لم يصل رئيس وزارة قطُّ بمصر إلى ما وصل بها إليه صدقي باشا من ترغيبها عن قوة الحكومة، وإساءة الصلة بينها وبين الحاكمين، وإفعام قلوبها بالشك والريب في إخلاص الذين يشرفون على أمورها، ورئيس الوزارة أذكى عندنا من أن يصدِّق أنصاره الذين يزعمون له أن الناس يحبونه، ويميلون إليه، وأن يصدِّق نفسه حين تخيِّل إليه أن الناس يحبونه ويميلون إليه! فلم يرغب الناس قطُّ عن وزير كما يرغب المصريون عن صدقي باشا! ولم يَضِقْ الناس قطُّ بوزير كما يضيق المصريون بصدقي باشا! ورئيس الوزراء يعلم حق العلم أن ليس أخطر على حياة الأمم، من أن يسود البُغْض بين الحاكمين والمحكومين …

ولم يصل رئيس وزارة قطُّ بمصر إلى ما وصل بها إليه صدقي باشا من سوء الحال الاقتصادية، وهو يعلم من هذا أكثر مما نعلم، ولعله يقدر من هذا مثل ما نقدر، وهو واثق بأن في مصر آلافًا وآلافًا من الناس يؤذيهم الجوع، ويلذعهم الحرمان، ويعذِّبهم ذِكْر ما كانوا فيه من نعمة، ويروعهم انتظار ما يتعرَّضون له من شقاء! وهو يعلم كما نعلم أن هذا البؤس المتصل، وهذا الإعدام المحيط، أخطر الأشياء على استقرار النظام الاجتماعي، فضلًا عن النظام السياسي.

ولم يعجز رئيس وزارة قطُّ كما عجز صدقي باشا عن إقرار النظام وتثبيت الأمن. وهم يقيم لنفسه بنفسه في كل يوم الأدلة القاطعة، والبراهين التي لا تَدَع سبيلًا إلى الشك على أنه محتاج دائمًا إلى الجيش كله، وإلى الشرطة كلها، وإلى المكر كله، وإلى الكيد كله، ليحمي النظام، ويضمن هذا الهدوء المصطَنَع المتكلَّف! ذلك ولم نذكر هذه القوة الخفية الظاهرة الغائبة الحاضرة التي يسمُّونها الاحتلال!

ورئيس الوزراء يعلم كما نعلم أن ليس أخطر على حياة الأمم من هذا النظام الذي يقوم على دعائم من القش، والذي لولا الجيش والشرطة والكيد والمكر لَانْهَارَ في ساعة من نهار!

عجز عن توثيق صلة الحب بين الحاكم والمحكوم، عجز عن حماية الشعب من الفقر والجوع، عجز عن إقرار النظام إلا بهذه، بالقوة الخارقة التي لا يلجأ إليها إلا في أوقات الخطر الداهم.

هذه هي الحالة التي تورَّط فيها رئيس الوزراء؛ لأن الحكم — وهو هذه الخمر المعتقة — قد ألهاه، فأنساه أمس وصرفه عن غد! وهو مع ذلك قائم في الحكم، مُصِرٌّ على أن ينسى أمس وينصرف عن غد، مهملٌ لهذه الكوارث العظام، التي قد تتردَّى فيها مصر إذا استمرت هذه الحال زمنًا طويلًا أو قصيرًا.

ولكن رئيس الوزراء ليس وحده الذي يجب أن يذكر أمس، ويفكِّر في غد، ويقدِّر هذا الخطر الذي ينتظر وطنه، بل هناك قوم آخَرون لعلهم حراص أشد الحرص على ألا تتردَّى مصر في هذه الهوَّة السحيقة، التي أشرفت عليها، ولعلهم حراص على أن تظل مصر كما كانت من قبلُ بلدَ الأمن والنظام، واللين والرخاء. فما أجدر هؤلاء الناس أن يأخذوا أنفسهم بما لا يريد رئيس الوزراء أن يلمَّ به، فيذكروا أمس ويفكِّروا في غد …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.