من الحكايات الإنجليزية المروية: أن بنتًا من بنات الفلاحين وصلت إلى العاصمة فرأت جنودًا مصطفة، وزحامًا من الناس على جانبي الطريق، وشرطًا يذهبون ويجيئون، وخيلًا تعدو بفرسانها كوكبة بعد كوكبة، فعجبت لهذه الحركة التي لم تعهدها في قريتها، وسألت ما الخبر؟ فقيل لها إنه الملك يعود إلى قصره من هذه الطريق، فوقفت تنظر مع الناظرين حتى عبر بها الملك في مركبته فنظرت إليه وهي لا تصدق ما تراه، وصاحت بمن حولها: عجبًا! إنه إنسان مثلنا، فلماذا يجتمع الناس لينظروا إليه.

هذه البنت الريفية توجد في كل بلد وفي كل زمن؛ لأن الدنيا لن تخلو يومًا من أولئك الذين يغلو بهم وَهْم السماع فلا يعرفون الواقع حين يرونه، ويحسبون أن الأمور التي يتحدث بها الناس ينبغي أن تبدو للأنظار والأسماع على غير ما تألف وتعتاد.

وليس هذا بعجيب في أخلاق الجهلاء، ولكنه عجيب ولا شك حين يتَّصف به أناس يحكمون في الأدب والفكر ويقيمون الحدود بين الكتاب والشعراء، ويزعمون أنهم يعرفون ويعلمون المعرفة على الذين لا يعرفون.

ومن هؤلاء كاتب في صحيفة سورية تناول ما كتبته «الرسالة» عن بعض المدارس الأدبية، فقال كما قالت تلك البنية الساذجة: عجبًا! إن هؤلاء إلا أناسًا كسائر الناس، فكيف يكونون أصحاب مدارس في الكتابة أو الشعر كأولئك الذين نسمع عنهم من وراء البحار؟

وأظهر شيء تدل عليه تلك الدهشة أن «البنية الريفية» التي كتبت في تلك الصحيفة السورية لا تعرف مدرسة واحدة من مدارس الأدب في الغرب ولا في اللغة العربية، وإنما تعرف تلك المدارس على الوهم الذي يخيله إليها السماع، ولا يتمثل لها لحظة في صورة الفهم الصحيح.

ولو لم تكن «البنية الريفية» كذلك لأدركت أن الأدب الغربي — منذ أربعة أجيال على الأقل — لم تنشأ فيه مدرسة واحدة صنعت في أدب قومها بعض الذي صنعه أدباء العربية في الجيل الحاضر والجيل الذي سبقه؛ لأن الآداب الأوروبية تجري منذ ألف سنة في طريق واحدة يتقدم فيها السالكون خطوة بعد خطوة ومرحلة في إثر مرحلة، ولا ينتقلون فيها إذا انتقلوا فترة بعد فترة إلا من مقدمة محضرة إلى نتيجة منتظرة، تمشيًا مع الحركة المطردة من عصر اليونان إلى عصر النهضة التي جددت بعض مدارس اليونان، إلى عصر الإصلاح والثورة بلا انقطاع ولا انحراف، إلا في أيام الركود والجمود.

فقصارى ما تصنعه المدرسة الأدبية بين الغربيين أنها تزيد في المجاز أو تزيد في التعبير عن الواقع، وأنها تميل إلى الأسلوب المأثور أو تُدخِل عليه بعض التصرُّف والتعديل، وأنها تجمع إليها رهطًا من الزملاء بينهم تشابه في المزاج وتقارب في الموضوعات، أو تقارب في موضع الإقامة وفي المناظر التي يلتفتون إليها ويُعنَون بوصفها، ثم يرجع الناقد إلى أدب قومهم قبل ظهورهم وبعد ذهابهم فإذا هو متقارب متتابع لا وثبة فيه ولا جنوح عن الجادة التي مهدت من قديم الزمان.

ولا يستطيع أحد من أولئك السماعين أن يترجم شعر خمسين سنة متوالية إلا بدا له أنه كالحلقة بعد الحلقة في سلسلة واحدة، قلما تتباعد في أوساطها وإن تباعدت في أطرافها، وأنه على الإجمال نوع واحد من الأدب في الصميم.

أما أدباء العربية في الجيل الحاضر والجيل الذي سبقه، فقد صنعوا في تغيير مقاييس الأدب ما لم تصنعه مدرسة واحدة أوروبية في الأجيال الأخيرة.

لأن اختلاف المقاييس هنا هو اختلاف بين لغة ولغة، وبين طبيعة وطبيعة، وبين إقليم وإقليم، وبين زمن وزمن، وبين موضوعات وموضوعات.

كانت مقاييس الأدب عندنا هي المقاييس التي يقال فيها: هذا أغزل بيت قالته العرب، وهذا أهجى بيت قاله الإنس والجن، وهذا معنى لو تقدم صاحبه في الجاهلية يومًا واحدًا لكان أشعرَ الشعراء.

وكان الأديب العظيم معصومًا من النقد والملاحظة، فإذا نقد أو لُوحِظ عليه فإنما يجترئون عليه؛ لأنه متأخر لا يستشهد بكلامه في العربية، ولا يكون اجتراؤهم عليه لحرية فكر أو صدق نظر إلى القول والموضوع.

وكان البيت وحدة القصيدة، وكانت القصيدة شتيتًا لا يشبه البنية الحية ولا يقبل الاسم والعنوان، إلا أن يذكر في صدرها أنها نظمت في تهنئة زيد أو رثاء فلان.

وكانت الدواوين كراسات مملوءة بالقصائد من حرف الهمزة إلى حرف الياء بغير تفرقة في معارض الكلام ومعانيه، إلا ما تعودوه في التفرقة بين باب المديح وباب الهجاء وباب الوصف، وما شاكل ذلك من الأبواب.

وندع المنظوم والمنثور وننظر إلى الشعراء والكتاب أنفسهم فإذا هم قد كانوا في عرف العلية والسفلة متسوِّلين أو ندماء يغشون المجالس للتسلية والترفيه، ولا تعرف لهم رسالة مرعية في عالم الفكر أو عالم الروح.

كل أولئك قد تغيَّر في جيلين، أو تغير معظمه في جيل واحد، ثم لا يقال عن الذين غيروه إنهم جاءوا بمدرسة من مدارس الأدب، أو بدَّلوا حالًا بعد حال، ولا يزال كثيرًا عليهم أن يشبهوا بأولئك الأدباء الأوروبيين الذين تنسب إليهم المدارس؛ لأنهم كانوا يقيمون عند بحيرات الجبال، ولا يقيمون في الحواضر والعواصم، أو كانوا يفصلون في مسائل الجنس والغرام ولا يجملون، أو كانوا من أهل التصريح في العبارة ولم يكونوا من أهل الكتابة والإيماء.

جاء أولئك الأدباء الذين تستكثر «بنيات الريف» أن تنسب المدارس إليهم فاستطاعوا في مدى قصير أن يغيِّروا النظرة إلى الأدب، وأن يغيروا النظرة إلى الأدباء.

فليس أدباء العرب اليوم مسترقدين ولا ندماء أسمار، ولكنهم أصحاب صناعة مكرمة يضارعون في الكرامة أولئك الذين كانوا يمدحونهم ويتزلفون إليهم، ويقفون على أبوابهم في انتظار جوائزهم قبل جيلين أو ثلاثة أجيال، وإذا استُطِيع في الغرب تعظيم شأن الأدباء على هذا النحو، فليس في ذلك من عجب، وليس فيه كبير فضل للأديب ولا لأحد من أفراد الناس؛ لأن استغناء الكاتب أو الشاعر بأعماله بين أمم محيت منها الأمية وتعودت مطابعها أن تخرج من الكتاب الواحد عشرات الألوف من كل طبعة أمر غير عسير.

أما المعجزة حقًّا فهي تعظيم شأن الأدباء في بلاد لا يزيد قراؤها على عشر أهلها، ولا تملك مطابعها أن تعمم نشر الكتب بين القراء القليلين وهم موزعون هنا وهناك بين شتى الأقطار.

وهذه المعجزة صنعها أولئك الأدباء الذين يكثر عليهم أن تنسب المدارس إليهم! ولم يصنعها الأدباء الذين تسمع بهم «بنيات الريف»، ولا يعقلون عنهم شيئًا وراء السماع.

صنعوا هذا وصنعوا معه أنهم غيروا النظرة إلى الأدب كما أسلفنا، فانتقلوا من عصر إلى عصر، ومن موضوع إلى موضوع، ومن مقياس إلى مقياس، ولم يكن هذا الأمر ليتيسر في البلاد الشرقية كما تتيسر نشأة المدارس في البلاد الأوروبية؛ لأن تقرير المقاييس الحديثة هنا نقلة بعيدة من القديم إلى الحديث مع اختلاف اللغة والمزاج والفكرة ونماذج التفكير والتعبير، وما كان هناك إلا حلقة صغيرة في سلسلة متشابكة الحلقات.

وسبيل المقابلة بين جهود الأدباء في الشرق وجهود نظرائهم في الغرب قريب جدًّا لمن يسمع ويعقل، وإن كان بعيدًا جدًّا عمن يسمعون ولا يعقلون … أو يعقلون وقصارى عقلهم أن يصيحوا كما صاحت بنية الريف: يا عجبًا! إنه لإنسان كسائر الناس.

سبيل المقابلة أن تُخْتَار خمسون سنة من تاريخ الأدبين، ثم يرى الناقد من ذلك مبلغ التفاوت بين البداية والنهاية في كل من الفترتين، ومبلغ الجهد الذي كان لازمًا لا غنى عنه في أحوال الأمتين.

وإلى جانب هذا يختار كاتب أو شاعر من أصحاب المدارس هناك، ثم تعرض له صفوة أعماله التي تتخذ للموازنة والمقابلة وتبنى عليها المناقشة والمفاضلة، فلعل الكفة التي ترجح في هذا الميزان غير الكفة التي ترجح في ميزان السماع، ولعل السالك في الطريق المعبد لا يبلغ شأن نظيره الذي يعلو ويهبط بين النجاد والوهاد، ويفتح طريقه قدمًا قدمًا وهو مدلج فيه منقطع عن الرفيق.

تلك هي الحقيقة السهلة لمن يبصر الحقيقة إذا وقعت عينه عليها، ولا ينتظرها كما ينتظر شيئًا يسمع به أبدًا ولا يراه أو يدري كيف يراه.

فإذا خفيت هذه الحقيقة البينة على من تصدمهم ولا يدركونها، فليس الخطأ في ذلك خطأ الكتاب والأدباء، ولكنه خطأ الحظ الذي رزقهم من القراء من يشبه تلك البنية الريفية البلهاء، وما أكثرهم في الشرق على قلة القراء!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.