كنت أسمعهم أثناء إقامتي ببلاد الصعيد يقول أحدهم للآخر مزاحًا وإعجابًا: يا فرخ! كلما «ضبطه» في عمل من أعمال الخباثة والدهاء … والمعلوم أن أبناء الصعيد يقولون «الفرخ» ويعنون به الابن غير الشرعي أو ابن الحرام، فما هو معنى ذلك التعبير وما هي العلاقة بين الفرخ بمعناه في الصعيد أو بمعناه في اللغة على العموم، وبين كلمة «الفرخ» التي نطلقها على صحيفة الورق؟

أحمد زيدان، شبرا

في الصفحات الأخيرة من كتاب «الكنايات» للثعالبي تقرأ هذه القصة:

أهل المدينة يسمون اللقيط فرخًا، وهو عندهم فرخ زنا. فيحكى أن الرشيد كان يأكل يومًا مع جعفر فوُضعت لهما ثلاثة أفراخ، فقال الرشيد لجعفر يمازحه: قاسمني لنستوي في أكلها، فقال: قسمة عدل أم جور؟ قال: قسمة جور … فأخذ جعفر فرخين وترك واحدًا … فقال الرشيد: أهذا العدل؟ قال: نعم، معي فرخان ومعك فرخان … قال: فأين الآخر؟ قال: هذا! وأومأ إلى الفضل بن الربيع، وكان الفضل متهمًا في نسبه.

فالغالب أن استعارة الفرخ لابن الحرام سرت إلى بعض لهجات الصعيد من قبيلة عربية نزلت به وسُمعت منها هذه الاستعارة بهذا المعنى. ويجوز أن يكون الأصل فيها عند أهل المدينة أن الفرخ — وهو ابن الطير — تُعرف أُمهاته ولا تُعرف آباؤه، أو أن الولد من الحرام يطير عن العش فيُلحَق بالطير على هذه الكناية.

وليس أبناء الصعيد وحدهم هم أصحاب هذه الكناية في مقام المزاح عند الإعجاب بمن «يضبطونه» متلبسًا بعمل من أعمال الخبث والشيطنة. فإن القاهريين وأبناء الأقاليم البحرية، ومثلهم أبناء الصعيد يقولون عن الخبيث الماكر الذي يعبث أو يحتال: إنه «ابن حرام»؛ لأن مهد الحرام مقرون أبدًا بالمحاولة والحيلة والمراوغة والمداراة، والنسب المدخول أقرب إلى سوء الدخلة وسوء الطويَّة من النسب الصريح. وقد ينسب ابن الحرام إلى الشيطان؛ فهو إذن في ذكاء الشياطين.

بل الملحوظ في جميع الشتائم إذا خففت بين المتمازحين أنها تتحول من معنى الشتم إلى معنى التقريظ، ولا يندر في لهجات الحديث المتداولة أن يقال عن الرجال الموصوف بالمهارة والشيطنة: إنه «ابن كلب» أو إنه «زنديق» أو إنه بلوى، أو إنه مصيبة لا يقدر عليه. وقد كانت أندية القاهرة إلى زمن قريب تعرف رجلًا من الصعيد الأوسط باسم الشيخ «مصايب»؛ لأنه كان سليط اللسان بالنكتة الحاضرة، وهم مع هذا يتلقون ذلك «المصايب» بالضحك والترحيب.

أما الفرخ بمعنى صفحة الورق فلا نظن أنه مستعار من فواكه الشجر؛ بمعنى الثمر لمجاورته للورق على الشجرة، فإن الشبه بعيد بين الثمار وصفحات الورق. ولا نظن كذلك أنه مستعار من الفرخة بمعنى السنان العريض؛ لأن الأسنة ليست من المناظر المشهودة، وغيرها أولى بالاستعارة عند تسمية الصفحات والأوراق. ونستبعد كذلك أن تكون لفرخ الورق علاقة بفرخ الطير أو الفرخ المكني به عن ابن الحرام.

وأرجح التوجيهات عندنا لأصل هذه الكلمة أنها من بقايا لغة الدواوين التركية، وأنها محرفة عن كلمة ورق نفسها؛ لأن اللسان التركي ينطق الواو فاء وينطق القاف بين الكاف والخاء، فتسمع منه كلمة «ورق» قريبة من «فرخ» بفتح الراء، ثم تتعود الألسنة تسكين الراء لمشابهة الفرخ العربية. وقد راجعنا كلمة صفحة ورق في المعجم التركي فوجدنا أنهم يطلقون عليها كلمة «يبراك» كما يطلقون على ورق العنب. ولا يخفى أن الباء الثقيلة تنطق عندهم قريبًا من الفاء وأن القاف تتحول في نطقهم إلى كاف، فلا يبعد أن تكون «يبراك» محرفة من الورق عند إطلاقها على ورق الكتابة أو ورق العنب. وهذه على أية حال أقرب التوجيهات التي نعرفها لإطلاق كلمة الفرخ على ورق الكتابة.

في بريدٍ واحد تلقيت هذه الرسائل الثلاث من طلبة بالمدارس الثانوية:

يسأل الطالب «إبراهيم محمد علي خليل» بالثانوية العامة عن مفهوم عبارة السيد مصطفى لطفي المنفلوطي في مقاله عن الرحمة من كتاب «النظرات»: «إن منظر الشاكي منظر جميل جذاب، ونغمة ثنائه وحمده أوقع في السمع من العود.»

ويسأل الطالب «أنانيال عجايبي سداري» بمدرسة السويس الثانوية عن هذه العبارة بعينها، ثم يضيف إليها سؤالًا عن عبارة بعدها يقول فيها صاحب «النظرات»: «إن السماء تبكي بدموع الغمام ويخفق قلبها بلمعان البرق وتصرخ بهدير الرعد. وإن الأرض لَتَئِنُّ بحفيف الريح، وتصيح بأمواج البحر. وما بكاء السماء ولا أنين الأرض إلا رحمة بالإنسان.»

وسؤال الطالب الذكي: كيف يكون بكاء السماء وأنين الأرض رحمةً بالإنسان؟

وماذا يقصد الكاتب هنا بكلمتي البكاء والأنين؟

والرسالة الثالثة من «رشيد أحمد» الطالب الثانوي بالقاهرة يعجب فيها من استحسان منظر الشاكي وهو يشكو مما يؤلمه ويسوءه ويتساءل: هل من الشفقة أن يحب الإنسان رؤية الشكوى؟!

وواضح من أسئلة الطلبة الثلاثة أنهم جميعًا يطالعون مقال المنفلوطي في طبعة واحدة من «النظرات» ووقع فيها الخطأ المطبعي في كلمة «الشاكي»، وحقيقتها: «الشاكر» كما رأيتها في النسخة التي عندي من طبعة الجزء الأول من «النظرات».

ولا غرابة في معنى العبارة بعد هذا التصحيح؛ لأن سماع الشاكر جميل محبوب إذا دل على سرور المصاب أو المحتاج بعد حزنه وانفراج ضيقه، ولم يكن جماله في سمع المحسن المتفضل لاعتزازه بإحسانه إليه واستعلائه على من يستمع إلى شكره وثنائه. وكلمة الحمد في عبارة «النظرات» تدل على أن الكلمة التي تقدمتها من الشكر لا من الشكوى.

أما بكاء السماء وما تلاه من نسبة الصراخ والأنين والهدير إلى الرعد والريح والبحر من تشبيهات المجاز، والتي يلجأ إليها المنفلوطي — رحمه الله — في مقالاته العاطفية أو الوصفية الخيالية. ولعل الطالب سيعلم تفصيل ذلك من دروس البلاغة المقررة على المدارس الثانوية، إذا كانت لا تزال مقررة على تلاميذها مع دراسات النقد والمحفوظات. وليس أنفع في دروس المطالعة من تنبيه الطلاب إلى الفارق بين الصور الخيالية الصادقة والصور الوهمية الظاهرة في هذه التشبيهات، فإن المشابهة بين قطرات المطر وقطرات الدموع صورة من صور الواهم الظاهر؛ لأن السماء التي تهطل بالمطر لا تشبه الباكي في حالة من حالاته ولا في أثر من آثارها. ولكن الرعد المزمجر — مثلًا — قد يشبه الغاضب المتوعد المنتقم بصواعقه وضرباته. وهذا هو الفارق بين صور الخيال وصور الوهم التي توضحها أقسام التشبيهات في قواعد البلاغة العربية، ولا يهملها نقاد الأدب الغربيون بخاصة في باب التفرقة بين الخيال Imagination والوهم Fancy هو من فنون النقد التي عني بها واضعو البرامج الأدبية على النهج الحديث.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.