كل شيء مستعجل في هذه الأيام متى وصل إلى البرلمان! كأن قوة خفية عنيفة تدفع سادتنا الوزراء والنواب والشيوخ إلى أن يَمْضُوا أمامهم مسرعين لا يقفون عند شيء، ولا يَلْوُون على شيء، ولا يتفكرون في شيء …!

فمن أحب منهم أن يتفكر أو يتدبر، أو يصطنع الأناة، فهو كَلِيلٌ حَسِيرٌ! قد فقد أسباب السبق، وعجز عن إتمام الشوط! فلا بد من أن يتخَلَّف، ولا بد من أن يرد عن المضي في الطريق! ولعل هذه السرعة في العمل، وهذا الميل إلى خطف الأعمال خطفًا، كما يخطف الناس خطفًا! غرض من الأغراض التي من أجلها استحدث رئيس الوزراء الانقلاب الدستوري الخطير منذ أكثر من عامين …!

فللأناة منافعها، وللتفكير فوائده، لكنَّ الأناة في الأعمال العامة تكشف في أكثر الأحيان عن تقصير، وشر كثير، والتفكير في الأعمال العامة يظهر أشياء لا بد من أن تُخفى، ويجلو أمورًا لا بد من أن تظل غامضة …!

والتفكير والأناة يؤديان في أكثر الأحيان إلى ما لا يُحْمَد ولا يُحَبُّ؟! فمن يدري أي شيء كان يحدث لو لم يخطف رئيس الوفد من قنا؟ ومن يدري أي شيء كان يظهر لو لم تخطف ميزانية وزارة الأشغال من مجلس النواب أمس؟ لنصطنع إذن الأناة والروِيَّة في أعمالنا الخاصة؛ فلا نُقْدم على شيء حتى نقتله بحثًا ودرسًا وتفكيرًا. فأما الأعمال العامة فلنمسَّها مسًّا رفيقًا، ولنمرَّ بها مرًّا سريعًا، ولنخطفها خطفًا لبقًا بديعًا! وكذلك تجري أمورنا على وجهها لا يظهر فيها عيب، ولا يتبيَّن فيها فساد واضطراب!

وكذلك نقيم الدليل على أن الأمة تحبُّ الحكومة! وتتولاها بالود والنصح والإخلاص، حين نخطف منها رئيس الوفد خطفًا! أو نلقي بينها وبين رئيس الوفد حجابًا كثيفًا من الجند الكثيف!

وكذلك نقيم الدليل الواضح والبرهان القاطع على أن وزارة الأشغال قد بلغت الكمال، وحققت الآمال، حين نعرض ميزانيتها على مجلس النواب، ونأخذ هذا المجلس بأن ينظر فيها ويناقشها، ويقرها، ويتخفَّف منها في جلسة واحدة، لا تزيد عن ساعتين أو عن ساعات.

وكذلك يشهد العالم المتحضر بأن الانقلاب الدستوري الذي أحدثه صدقي باشا قد آتى ثمره حلوًا شهيًّا! فأقام في مصر إدارة منظَّمة حازمة سريعة لبقة! وأقام فيها برلمانًا متقنًا فطنًا بصيرًا حريصًا على مصالح الأمة، دقيقَ الإشراف على ما يُنفَق من أموالها، سريعًا على ذلك كله سرعة لا تعرفها البرلمانات الأوروبية التي بَعُدَ عهدها بالحياة النيابية والإشراف على أعمال الحكومات …!

قدمت الحكومة منذ حين إلى مجلس النواب قوانين الجامعة، واستعجلت نظرها؛ فتعجَّل المجلس نظرها، وأقرَّها في أقل من ساعة! وقدَّمت الحكومة منذ حين إلى مجلس النواب قانون التخصص في الأزهر، وتعجَّلت نظره؛ فأسرع المجلس في ذلك، وفرغ من القانون في جلستين! وقدَّمت الحكومة أمسِ إلى مجلس النواب ميزانية وزارة الأشغال، وتعجلت نظرها؛ ففرغ منها المجلس في جلسة واحدة!

وفي قوانين الجامعة مستقبل التعليم الحديث كله، فينظر في أقل من ساعة! وفي قانون التخصص مستقبل التعليم الديني كله، فينظر في جلستين، وفي ميزانية الأشغال أكثر من ستة ملايين من الجنيهات، وفيها خزان جبل الأولياء، وفيها مستقبل الري، وفيها مرافق أقل ما توصف به أنها تمسُّ حياة الأمة في أدقِّ فروعها، فتنظر هذه الميزانية ويقرها المجلس في جلسة واحدة! ويقال بعد ذلك إن الانقلاب الدستوري الذي أحدثه رئيس الوزراء لم يحقِّقْ منفعة مصر، ولم يَصُنْ مصالحها كلها من العبث، ولم يعصم منافعها من الضياع. اللهم جنبنا العناد في الحق، ووفِّقنا إلى الإيمان بالخير …!

ماذا تبتغي مصر أكثر مما وصلت إليه؟! هذه قوانينها تشرَّع في دقائق، وهذه ميزانياتها تُقَرُّ في ساعات، وهذه وزارتها تستمتع بثقة البرلمان، وهذه إدارتها تستأثر بحب الناس جميعًا، كلُّ شيء يجري على وجهه، مستقيمًا لا عوج فيه ولا اضطراب، فماذا نريد؟ وماذا نبتغي؟ وما لنا لا نرضى؟!

ولكنْ ما هذه الأزمة التي أُثِيرت أمس في مجلس النواب؟ وما بال فريق من النواب قد أخذهم هذا الغضب المتأخر فسخطوا وطالما رضوا، وثاروا وطالما هدءوا واستقروا، وخرجوا من الجلسة وطالما لزموا كراسيهم لزومَ الغريم؟! زعموا أن هؤلاء السادة كانوا في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، رفعوا إلى مجلس النواب استجوابًا عن خزان جبل الأولياء؛ فأهمل، ثم أجل ليردَّ عليه رئيس الوزراء حين يمنُّ الله عليه بالشفاء، فلما كان أمس وجاءت ميزانية الأشغال أرادوا أن يؤجلوها كلها أو بعضها، حتى يكون الاستجواب وتكون المناقشة فيه؛ فضاق بهم وزير الأشغال، وضاق بهم رئيس المجلس، وضاقت بهم كثرة المجلس نفسها، وظهر لهؤلاء السادة أنهم مبطئون والدنيا من حولهم مسرعة، وأنهم مقصِّرون والدنيا من حولهم مشمِّرة، وأنهم يريدون الجِدَّ والدنيا من حولهم تُؤْثِر الهَزْل، وما هذا الجد الذي جاء بعد إبَّانِهِ، وتأخر عن أَوَانِهِ؟!

ظن هؤلاء السادة أن الوزارة كانت جادة حين طلبت تأجيل الاستجواب، وقد قيل لهم مع ذلك إن الوزارة إنما تؤجل لتخرج بهذا التأجيل من التأويل والتعليل، ولترجئ هذا الاستجواب إلى الفصل الذي ينضج فيه التِّين والعنب، كما يقول الشاعر القديم؛ فلما أحسَّ هؤلاء السادة ضيق الوزير والرئيس والكثرة غضبوا واحتجوا وانصرفوا! فماذا كان؟ دار الفلك كما كان يدور، ومضى المجلس كما كان يمضي، وانتهى إلى أقصى الشوط، وأُقِرَّت الميزانية، وفيها خزان جبل الأولياء، وسيعود النواب المحترمون مساءَ اليوم إلى المجلس كأنْ لم يكن شيء بالأمس، وقد برئت ذِمَمُهُم، ورضيت ضمائرهم، ولِمَ لا؟ لقد غضبوا، وأنكروا، وخرجوا، وامتنعوا من إقرار ما لم يكونوا يريدون، ما أسهل هذه البراءة! وما أيسر هذا الرضا! وما أسهل أسباب الفكاهة واللعب في مصر!

ثم ينهض وزير الأشغال فيعلن أنه كان يرى في الخزان رأيًا، ثم بدا له فرأى فيه رأيًا آخر؛ كان ينكره فأصبح يُكْبِرُه، وأي حرج في ذلك؟ وأي بأس؟ كل شيء يدور حتى الحق والباطل، وحتى الخطأ والصواب، وحتى الرفض والقبول، وسواء أرضي وزير الأشغال عن الخزان أم غضب عليه، فسيقام الخزان! لقد قَبِلَه مجلس النواب منذ عام، وأقر له الأموال أمس ليغضب وزير الأشغال وليرضى كما غضب النواب ورضوا، فلن يغيِّر ذلك من الأمر شيئًا. ويأبى الله إلا أن تكون في المجلس فكاهة أمس؛ فقد اعترف وزير الأشغال في صراحة ظريفة بأن وزارته لم ترسم لنفسها سياسة بعدُ! وإذن فهي لا تستطيع أن تقدم هذه السياسة إلى المجلس؛ لأنها لا تحبُّ أن تقدم إليه إلا الكامل الشامل الذي قد يكمل غدًا أو بعد غد، ولكنه سيكمل بعد أن يتمَّ إقرار الميزانية على كل حال؟

ويؤخذ الرأي على الميزانية جملة، ولم تناقش تفصيلاتها؛ فإذا أنكر النواب غضب الرئيس، وإذا غضب الرئيس وجب أن يرضى النواب. وقد رَضُوا؛ فَمَرَّت الميزانية كما يمر البرق. قالت الأهرام: وكان الأعضاء الباقون خمسة وثلاثين عضوًا؛ عدد يكفي ليقر أكثر من ستة ملايين، ثم يزعم المصريون أن أمورهم لا تجري على ما يُحِبُّون. وهل إلى ما يحبون من سبيل؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.