حضرات النواب المحترمين:

إنني إذا تكلمت الليلة تعقيبًا على ما أشير به إلى دراسة الآداب في الجامعة المصرية، فإنما أفعل ذلك غيرة على العقيدة الصحيحة، وعلى الدين الصحيح، وعلى الإسلام الذي هو دين الحرية والأمر بالنظر في ملكوت الله.

ما كان الإسلام قط حربًا على الفكر، وما كان الإسلام قط إلا عونًا للفكر حيثما ظهر، في عهد العباسيين، وفي عهد بني أُمية بالأندلس، وفي عهد الفاطميين بمصر، وفي كل عهد من عهود الإسلام، إنما الخطر الأكبر على الدين والمتدينين هو من أولئك الذين ينتحلون الكلام باسم الدين ليحرِّمُوا أشياء أثبتت الأيامُ صِحتها.

إن الخطر الأكبر على الدين والمتدينين أن يقال: إن هذا حرام باسم الدين، ثم تُظهر الأيام أن ما قيل: إنه حرامٌ هو حقيقةٌ ثابتةٌ لا تقبل الطعن.

سمعتم يا حضرات النواب المحترمين مَنْ حرَّموا القَول بِكَرَوِيَّةِ الأرض، وعدُّوا مَن يقول ذلك كافرًا، فما العمل لو صَدَقَ هذا الكلام؟ كم يبقى من المسلمين؟ وماذا يبقى من عقائد المسلمين لو صدقنا أولئك الذين حرَّموا تعليم الأبناء في المدارس؛ لأن تلك المدارس تقول بِكَرَوِيَّةِ الأرض؟

وُجِدَ في عصرنا أو في القرن الأخير مَنْ حرَّم تشريح الجثث باسم الإسلام، وقد ثارت ثائرة بعض من ينتسبون إلى الإسلام على مدرسة الطبِّ، حينما أنشئت في مصر، وحين قام كلوت بك — ذلك العلامة المشهور — يدرس فيها عِلم التشريح، وبلغ من هذه الحملة باسم الدين أن اعتُدِيَ على حياة هذا العلامة مَرتين، فماذا يبقى من أجسامنا نحن — الموجودين هنا — إذا قيل هذا الكلام باسم الإسلام؟ وماذا يبقى من عقائد المسلمين لو صدَّقَ أبناؤهم أن الإسلام يحرم عِلم التشريح؟!

ولا أذكر ما هو أقرب من ذلك من تحريم التلفون والنور والكهرباء وإذاعة القرآن في الراديو باسم الدين، والدين منه براء.

فنحن حين ندعو إلى إطلاق حُرية الرأي لا نعني أن نطلق الحرية للإضرار بالدين؛ بل أن يكف أمثال هؤلاء عن التعرض للعِلم باسم الدين؛ لأنهم يضرون به قبل إضرارهم بالعِلم والتفكير.

تكلم حضرة النائب المحترم الأستاذ الشيخ عبد الوهاب سليم عن رواية برنارد شو وبعض الكتب الأخرى، فمن هو برنارد شو؟ إن برنارد شو أُمَّةٌ في رجل. إنه كاتب حين يصدر كتابًا تسرع الأمم إلى تلقف ذلك الكتاب فيترجم مع صدوره باللغة الإنجليزية إلى اللغات الأخرى، فهو رجل يهمنا أن نكسبه، وأن نبقيه من أنصارنا، فلا يجوز أن ننفره منا، في الوقت الذي نبذل فيه ألوف الجنيهات لبعض الصحف في سبيل الدعاية عن مصر، وكلمة من برنارد شو أقوى من عشر من تلك الصحف التي تنشر الدعاية.

برنارد شو، حين امتنعت الأصوات في العالم عن مناصرة مصر كان هو القلم الوحيد الذي جهر بالحملة على الإنجليز، وشن الغارة على مأساة دنشواي، وكتب تلك الرواية التي نقرأ في جوانب الأرض دفاعًا عن المصريين، وحملةً على الاستعمار. هذا الرجل ليس في نفسه عداوة للمصريين ولا للمسلمين. أما العبارة التي أشار إليها حضرة النائب المحترم الشيخ عبد الوهاب سليم، فقد جاءت على لسان رجل من رجال الدين، فرد عليها رجل من رجال النبل والحرب وقال له ما فحواه: يا هذا الأسقف، لست دينيًّا ولا من رجال الكنيسة، بل إني من رجال الحرب، وقد عرفت المسلمين وعاشرتهم في بلادهم، فوجدتهم قومًا كرماء يمجِّدون ويبجلون السيد المسيح، ووجدتهم لا يعيبون بطرس الرسول بأنه كان صيادًا كما تعيبون أنتم محمدًا بأنه كان راعيًا (تصفيق).

أمن أجل هذا نسجل على أنفسنا ما نسجل حينما نصادر كتابًا مثل هذا الكتاب منتشرًا في مشارق الأرض ومغاربها، أصدَره صديق لنا ولم يقل في كتابه ما يزري بنا؟!

إن برنارد شو هو الرجل الذي وقف أخيرًا يدافع عن فلسطين مُخَطِّئًا بلفور؛ لأنه وعد أن يعطي بيت المقدس وهو لا يملكه. لماذا نخسر هذا الرجل بغير سبب ونحن نبحث عن الأصدقاء والمدافعين؟

أما من عدا برنارد شو، فأعتقد أن ما جاء في كلام «سفدج لندور» ليس من التوقير للنبي الكريم، ولكن من الخطأ أن يقال: إن هذا الكلام مدسوس من مبشرين مسيحيين يريدون أن يحوِّلوا عقائد المسلمين؛ لأن الزميل المحترم لو قرأ هذا الفصل بالذات لوجد فيه من المساس بالكثلكة أضعاف ما فيه من مساس بالإسلام، فليست هناك نِيَّة سُوء من التبشير، ولا غرض سيئ مدسوس كما يقال، وإنما هي مصادفة من المصادفات التي لا نضيق بها ما دمنا قد علمنا أن النية السيئة فيها معدومة.

أما ما عدا ذلك من الكتب، فإذا أردنا أن نطلق عليه اسمًا واحدًا، فهو اسم «الآداب الأجنبية». وهنا نقف بين أمرين: هل دراسة الآداب الأجنبية واجبة أم لا؟ فإذا كانت واجبة فنحن عارفون قبل كل شيء أن الأجانب هم أجانب، وأنهم لا يدينون بالإسلام، ولا ننتظر منهم بطبيعة الحال أن يقولوا كلامًا يطابق عقائدنا تمام المطابقة، ونحن نقرأ كلامهم على هذا الأساس، فإن قيل: لا تقرءوا الآداب الأجنبية ولا الأفكار الأجنبية، ولا تقرءوا شيئًا للأقلام الأجنبية، فماذا نقرأ إذن؟

لا يوجد حتى الآن — مع الأسف — في اللغة العربية تاريخ واحد للعالم مثل تاريخ «ويلز»، الذي سمعنا أن مُحَرِّمًا مِن المُحرِّمِين يريد أن يصادره، كما لا يوجد في اللغة العربية كتاب واحد في المذاهب العصرية التي تهتز لها الدنيا، وتدور حولها المعامع السياسية بين أنصار الاشتراكيين والفاشستيين والفوضويين والديموقراطيين لشرح هذه المذاهب العصرية. ماذا نعمل إزاء هذه الحالة؟ إما أن نسلم أن هناك آدابًا أجنبية تقرأ، وإما أن نمنع كل ما عدا المكتوب باللغة العربية، فبماذا يشير حضرات المعترضين على الآداب الأجنبية وهي إما تكون هكذا أو لا تكون؟

لقد سبق للأمم الإسلامية أن ترجمت فلسفة اليونان، وتناولت أقوالهم في إثبات وجود الله وإنكاره، ولقد نقلت إلينا كتب الفرس والهند، وليس فيها ما يؤيد عقائدنا، بل فيها أحيانًا ما يشكك وما يوجب علينا أن نقابله بالرد.

ماذا ينتظر من طالب الجامعة الذي يتعلم في أرقى معهد للثقافة إذا تخرج وهو يجهل كل شيء عن دينه إلا ما يسمعه من المسلمين؟ هل هذا يسمى مسلمًا؟ وهل يشرفنا إن هو ذهب إلى بلاد الغرب — ونحن نريد أن يذهب — فإذا به يجهل كل ما يقوله أعداء دينه وبلاده؟ وهل مثل هذا الطالب يؤتمن على عقيدته، أو يثبت على إيمانه، أو يشرفنا بين أناس نريد أن نقنعهم بالإسلام وشرف الإسلام؟ (تصفيق).

حضرات النواب المحترمين:

إن آخر مكان يتصور فيه طلب مصادرة كتاب من الكتب هو مجلس نيابي (تصفيق).

إن المجالس النيابية، يا حضرات النواب المحترمين، لو اتبعت الأمم سياسة المصادرة والحجر والتقيد لما وجد مجلس واحد منها في أنحاء العالم.

إن المجالس النيابية هي وليدة الحرية، وهي وليدة الهجوم على القيود، هي وليدة الطلاقة، فمن أعجب العجب أن يتحدث عن كتاب يصادر وعن كتاب يحارب من على منبر مجلس النواب. إن الكتب لم تخلق للمصادرة والمحاربة، بل خلقت لتقرأ ويرد عليها، فمن لم يعجبه كتاب من الكتب فأمامه يقينه وقلمه وقراؤه؛ فليفند هذا الكتاب بسلاح الحجة، أما الحجر عليه فهل يقنع أحدًا! إن الحجر هو بمثابة إبقاء العقول مهيأة للتأثر به عند ظهوره، كما هو بمثابة ترك الأجسام بدون لقاح ليفتك بها الميكروب حين تتعرض له هذه الأجسام، وإنما يؤمن بعقيدته من يرحب برأي غيره، وإنما يرحب برأي غيره من هو قادر على إثبات حجته، وكما قلت: إن الموضع الذي جعل للمناقشة، وقرْع الحجة بالحجة، وتصاوُل الأحزاب ليس هو المكان الذي يقال فيه: تعالوا أيها النواب؛ فصادروا هذا الكتاب.

إن هذا المجلس هو نصير حرية الرأي، ونحن أبناء حرية الرأي، ومجالسنا وليدة حرية الرأي، وبقدر ما يكون عندنا من الغيرة على حرية الفكر يكون عندنا من حرية العقيدة والإيمان والإسلام.

أطلقوا الكمائم وارفعوا الستر، واجتنبوا كل ما يقال عن المصادرة والضغط على الآراء، فإننا نخشى أن يقال: إننا نتأخر ولا نتقدم، وإننا ننظر إلى الكتب التي كانت تظهر قبل عشرين أو ثلاثين سنة، ثم ننظر الآن إلى ما يحجر عليه، فنخشى أن يقال: إننا تأخرنا في زمن الاستقلال، وإننا استقللنا لنفقد الحرية والتفكير وكرامتنا العصرية، ولنرتد إلى العصور الوسطى. ومعاذ الله أن يكون هذا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.