كان في نضرة من عيشه المادي والمعنوي، يبسم للحياة والأمل، وتبسم له الحياة والأمل … يغدو مع الصبح إلى تلاميذه؛ فيُعلمهم مما علمه الله، وكان الله قد علَّمه من رائع الأدب وبارع الفن ما غذَّى قلبه وعقله، فجعله إنسانًا كريمًا وديعًا، كأكرم ما يكون الناس، وكأودع ما يكون الناس … كان ذا نفس راضية، وخُلق سمح، وقلب نقي، وضمير كأصفى ما يكون الضمير.

كان لا يحب الأذى، ولا يتصور أن يؤذي بعض الناس بعضًا، وكان إذا سمع ما يمتلئ به الجو المصري من كيد الناس للناس، ومكر الناس بالناس، وقسوة الناس على الناس، تلقى هذا كله في شيء من السذاجة يُشبه البله … كان يرى الحياة قصيرة، والخير بين الناس قليلًا … وكان يحرصُ أشدَّ الحرص على ألا يُبدد الناس حياتهم القصيرة في الشرِّ والإثْمِ، وعَلى أن ينتهز الناسُ فرصة هذه الحَياة ليَسْتَكثروا من الخَيْرِ ما استطاعوا أنْ يستكثروا من الخير، وليشيعوا المعروف بينهم ما وجدوا إلى إشاعة المعروف بينهم سبيلًا.

كان باسم القلب والثغر، وكان عذب النفس واللسان، وكان يأبى على الحياة أن تشيع من حوله المرارة أو العبوس، وكان لا يَلْقى أصحابه إلا سرَّهم وبَرَّهم، وحَبَّبَ إليهم البر والسرور، وكان يروح إلى داره إذا أقبل الليل فيرى فيها ابتسامًا حُلوًا يتلقاه، فيُضيف في قلبه رضًا إلى رضا، وغبطة إلى غبطة، ونعيمًا إلى نعيم: زوجة صالحة، وطفلين وديعين يملأ قلبيهما الفرح والمرح والابتهاج.

أخلص قلبه للأدب، وأخلص نفسه للمُثل العليا، وصفَّى ذوقه للفن الرفيع، وأنفق ما أنفق من حياته ينفع ما استطاع أن ينفع، ويصلح ما استطاع أن يُصلح، ويكره أن يتعلق عليه أحد بما يحزن أو يسوء … جد في طلب العلم حتى أخذ منه حظًّا موفورًا، وراض نفسه على حب الخير حتى أصبحت خيرة بطبعها، ومضى في حياته لا ينتظر إلا أن يكون آخرها كما كان أولها سَمْحًا يسيرًا لا عوج فيه ولا التواء.

وأقبل ذات ليلة باسم الثغر، مُنشرح الصدر، موفور الرضا، فنعم بأهله، ونعم أهله به، ولكنهم أصبحوا فلم يجدوه …! اختطف نفسَهُ الموتُ أثناء الليل، لم يشعر هو ولم يشعر أهله بالموتِ حين أقبل على الدار … ولم يشعر هو ولم يشعر أهله بالموت حين انصرف عن الدار … ولكن الزَّوج أصبحت أيِّمًا … ولكن الطفلين أصبحا يتيمين … ولكن الأصدقاء أصبَحُوا مَحْزُونين مَكروبين، قد تركت الكارثة في نفوسهم كُلومًا لا تؤسى، وآلامًا لا تزول.

***

وانقضت الأيام الأولى بما فيها من مراسم الموتْ، وأقبلت أيام أخرى فرضت على الأم البائِسة اليَائسة أنْ تُفكر في حياتها، وفي حياة طفليها، وفرَضَتْ على الأصدقاء أن يُعينوها على هذا التفكير، وأن يُدبِّروا من أمرها ومن أمر ابنيها ما يعجز النساء عن تدبيره، فسعوا عند رئيسه في أن يلتمس من الدولة — التي أنفق شبابه في خدمتها وتعليم أبنائها — معونة لهذه الأيِّم وابنيها اليتيمين … وسمع الرئيس لهم، وفهم عنهم، وسعى معهم، فكتب يطلب إلى الحكومة أنْ تشمل بعطفها وبرها هؤلاء البائسين الذين فقدوا عائلهم قبل أن يَدَّخر لهم من المال ما يُقيم الأود … ومتى استطاع المُعلمون أن يدخروا لأزواجهم وأبنائهم ما يقيم الأود؟!

وكان الفقيد قد مات قبل أن يُثبَّت، وقبل أن يَكفل لأبنائه ولأهله المَعاش، وليس في مصر نظام «التأمين الاجتماعي» الذي يَفْرِض على الدولة أن تكفل حياة الأيامى واليتامى حين يُختطف عائلوهم من بينهم، فلا بدَّ إذن من أن يُطلَب إلى الدولة عطفها وبرها بالأيامى واليتامى، الذين لا يجدون ما ينفقون … لا بُدَّ من أنْ يطلب إليها هذا العطف، على أنه «استثناء» لا على أنَّه «حق»؛ لأنَّ مصر لم تشعر بعد بأن من حق أبنائها عليها أن تعصمهم حين لا يستطيعون أن يعصموا أنفسهم من الفقر والجهل والمرض!

سعى أصدقاء الفقيد، وسعى رئيس الفقيد معهم في التماس هذا العطف من الدولة، ولكنَّ هذا الرئيس لا يستطيع أن يكتب مُباشرة إلى مجلس الوزراء، بل لا يستطيع أن يكتب مُباشرة إلى وزارة المالية، بل لا يستطيع أن يكتب مُباشرة إلى وزير المعارف، وإنما ينبغي أن تمُرَّ كتبه برؤساء آخرين يتوسطون بينه وبين الرئيس الأعلى، الذي هو وزير المعارف … وقد وصل كتابه إلى المرتبة الأولى من مراتب الرؤساء، وهنا كانت العبرة التي تدفعني إلى إملاء هذا الحديث!

وصل الكتاب إلى موظف كبير، له — من غير شك — زوجة وأبناء، وقد بَلَى من تجارب الحياة ما علَّمه — من غير شك — أنَّ الفقر مُرٌّ، وأنَّ الجُوع أليم، وأنَّ المرضَ مِحنة، وأنَّ هذه الآفات خليقة أنْ تُخرج الناس عن أطوارهم، وأنْ تدفعهم إلى الذلة والهوان، وأن تُغريهم بالإثم والنكر، وأن تورطهم فيما لا ينبغي أن يتورط فيه الإنسان.

وقد علمته تجارب الحياة أيضًا أنَّ الموت قد يُقبل دون أن يستأذن ضحاياه، ودون أن يُنذرهم، ودونَ أن يعطيهم من المُهلة ما يُتيح لهم أن يُدبروا أمور أزواجهم وأبنائهم قبل أن يُفارقوا الحياة، وقد عَلَّمته التجارب أيضًا — من غير شكٍّ — أنَّ من الخير أن يعطف الأحياء القادرون على الأحياء العاجزين، وأن يكون بين الناس هذا التضامن الاجتماعي الذي يشيع بينهم الحب والبر والتراحم؛ لأنَّ الأيام دُول، ولأنَّ المال والسلطان والجاه والمقدرة … كل هذه أعراض تذهب وتجيء، وتغدو وتروح، وتلم بالإنسان اليوم لتنتقل عنه غدًا!

علمته التجارب هذا كله، ولكنه لم يتعلم … وليس كل الناس ينتفع بالتجارب، وليس كل الناس يستطيعُ أن يضع نفسه مَوضِعَ البائسين وأصحابَ الحَاجات … وكانت بين هذا الموظف الكبير وبين هذا الفقيد هنة من الهنات في يومٍ من الأيام، مما يكون بين الناس حين يدفعهم العمل إلى ما يُرضي ويُسخِط، وإلى ما يَسُرُّ ويَسُوء، فلم يذكر للفقيد إلا هذه الهنة، ولم يسمع إلا لما تركت في قلبه من الموجدة، ولم يلتفت إلى الأيم ولا إلى اليتيمين، ولا إلى نفسه ولا إلى الناس من حوله، ولا إلى التضامن ولا إلى التعاون، ولا إلى أنَّ الموت يمحو ما قبله، ولا إلى أنَّ من يفعل الخير لا يعدم جوازيه، ولا إلى أنَّ العُرف لا يذهب بين الله والناس، ولا إلى أن العفو عند القدرة أجمل بالرجل الكريم … لم يلتفت إلى شيء من هذا، وإنَّما التفت إلى أن في قلبه موجدة على الفقيد لم يستطع الموت أن يمحوها، فلم يرسل كتاب الرئيس المُباشر للفقيد إلى السُّلطات العُليا، وإنما أرسل إلى هذه السلطات يطلب إليها تنفيذ القانون بإعطاء هذه الأيم وابنيها ما يُستحقُّ للفقيد من مُكافأة … مكافأة تقيم أودهم أشهرًا، ثم تُسلمهم بعد ذلك إلى الشيطان، وإلى جنود الشيطان — وهي المرض والفقر والجهل — تصنع بأجسامهم وعقولهم وأخلاقهم ما تشاء!

***

هذا حديث أسوقه إلى الوزراء جميعًا، وإلى الشيوخ والنواب جميعًا، وإلى المِصْريينَ الذين يُقدرون للإنسان كَرَامته وللوطن حَقَّه، فقد يَجِبُ عليهم أن يفكروا في هذه المِحْنَة وأمثالها؛ قبل أنْ يُفكروا في كثير من هذا السخف الذي يشغلون به أنفسهم. وقد ينبغي أنْ يفكروا قبل كل شيء في أن أوجب ما يجب على مصر أن تتخذ من الوسائل ما يحمي الأيامى واليتامى من الشيطان وجنود الشيطان، ومِنْ هذه القُلوب القاسية التي تستجيب للبغض أكثر مما تستجيب للحب، وتسمع لداعي القسوة أكثر مما تسمع لداعي الرَّحمة والمعروف والإحسان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.