في عهود السلام، حين لا يمر خاطر الحرب بخلد إنسان، تتوارى أسماء الساسة وتبرز أمام العالَم أسماء رجال العلم والفلسفة والفن والأدب والشعر، فيتداول الناس هذه الأسماء في إكبار وإعجاب، ويصبحُ اسمُ موسيقيٍّ بارعٍ أعظمَ رنينًا من أسماء رؤساء الوزارات والمشتغلين بالسياسة في بلاد الأرض جميعًا. فأما في عهود القلق والاضطراب؛ فإن أسماء الساسة هي التي تبرز إلى الصف الأول، بينا تتراجع أسماء العلماء ورجال الفن ومن إليهم، ويصبح أكثر هؤلاء في خدمة السياسة حرصًا على أمتهم وتأمين وطنهم، وعلى حريتهم وحرية وطنهم.

والعالم الآن يتخطى عصرًا من أشد العصور قلقًا واضطرابًا، ومن أبعدها عن أن يعتبر من عصور السلام؛ لذلك برزت أسماء الساسة في الدول المختلفة، فإذا كان في أحد منهم موهبة غير السياسة نسيها الناس أو كادوا ينسونها، فلا يذكُر إلا الأقلون موهبةَ ونستون تشرشل كاتبًا، ولكنهم جميعًا يذكرونه سياسيًّا. فأما الساسة الذين لم يوهبوا غير موهبة السياسة فيذكرهم الناس معجبين، بل مُقدِّسين، وإن بلغ عبثهم أعظم مبلغ.

ولا أريد أن أذكر ما حدث في بولونيا من عبث السياسة، ولدينا المثل حاضرًا في هذا الشرق الأوسط؛ فعلى أثر الحرب العالمية الأولى وهزيمة ألمانيا وتركيا فيها، اقتسم المنتصرون — إنجلترا وفرنسا — الإمبراطورية العثمانية، وقسموا بلاد الشام إلى دويلات هي العراق ولبنان وسوريا وشرق الأردن وفلسطين، وخُصَّت فرنسا بالانتداب على سوريا ولبنان، ودخل الباقي نفوذ إنجلترا. ولما هزمت فرنسا في الحرب العالمية الثانية طمعت إنجلترا أن تمد نفوذها إلى سوريا ولبنان؛ ولبلوغ هذا الغرض أعلن وزير الخارجية البريطانية أنه إذا فكرت الدول العربية في رابطة تجمعها نظرت إنجلترا إلى هذه الرابطة بعين العطف.

وتألفت جامعة الدول العربية، وكان أول موضوع نظرته وأول قرار اتخذته أن أعلنت استقلال سوريا ولبنان، ولكن هذه الجامعة لم تبق الأداة الطيعة في يد إنجلترا، بل أخذت تناهض الاستعمار في مختلف صوره، وعند ذلك برزت فكرة تقسيم فلسطين وإنشاء دولة إسرائيل.

وأعجب الأمر أن روسيا السوفيتية لم تتفق على شيء مع الدول الديمقراطية غير تقسيم فلسطين وإنشاء دولة جديدة لليهود هناك، ومع ذلك لم تفكر الدول الديمقراطية في التراجع عن موقفها من فكرة التقسيم، بل اندفعت فيها رغم تحذير الدول العربية إياها من نتائجها المحتملة. ومن يوم أقرَّ تقسيم فلسطين وأنشئت دولة إسرائيل والشرق الأوسط مصدر القلق في العالم كله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.