فركة كعب

لعلها كانت إجازة من تلك الإجازات القهرية التي يفرضها علينا القدر فرضًا حين نحتاج إليها، ثم لا نسمح بها لأنفسنا بمحض اختيارنا.

لعلها كذلك، ولعلها ليست كذلك …

فما ينبغي أن ننزلق في الدعوى على القدر ونحن لم نفرغ بعد من حديث الانزلاق. وليس من شأننا نقحم القدر في حكاية خطوات نمشيها أو نقعد عن مشيها، أو حكاية أيام نقضيها في سكون، فما نظن أن سجل المدَّعين على الأقدار قد بقي فيه من البياض في عصرنا هذا ما يتقبل المزيد …

إن عثرات الدنيا كلها قد تتلخص اليوم في هوستين اثنتين من هوسات الدعوى على الأقدار الإلهية والأقدار الكونية: هوسة الخبيث المخبول هتلر، وهوسة الخبيث الشرير كارل ماركس، وكلاهما ممن احتكر مشيئة الغيب لدعايته ودعواه.

مجنون برختسجادن كاد أن يجعل العناية الإلهية مكتبًا من مكاتب السكرتيرية الخاصة في ديوان الفوهرر ببرلين، وكاد أن يوظفها في رسم الخطط واستطلاع أخبار الدول ونيات المحاربين والمسالمين.

والعاقبة بعد كل هذا ما هي؟

وللعاقبة بعد كل هذا ما هي؟

العاقبة خراب العالم وخراب الدولة الألمانية وخراب بيته هو والانتهاء به إلى مصيرين، أرحمهما أنه مسخ ملامح وجهه وعاش حيث يعيش الآن فيما زعموا بغير وجه المليح، أو وجهه الذي تلقى اللعنة من القضاء.

أما الخبيث الآخر فلم تكن له قلعة في «برختسجادن» تتلقى الوحي من السماء، ولم يكن له نَجِيٌّ من الحكمة الإلهية يناجيه خفية أو على مسمع من ذوي الآذان الطوال والقصار، وإنما كان له ركن في المتحف البريطاني يجمع فيه الأرقام ويضرب فيه الرمل ويخرج منه بدعواه على الكون كله من يوم كان إلى يوم لا يكون، ثم يقرر له خطة أبدية سرمدية لا يحيد عنها ولا يجسر على اتباع خطة سواها، ولا يسمى بالكون حقًّا إن أذن لنفسه ولمخلوقاته بغير ما أذن به الخبيث الشرير في تقريره، وفي ماضيه وحاضره ومصيره …

والعاقبة أيضًا ما هي بعد هذا التقدير والتقرير؟

العاقبة طوفان من الشر يطغى على المظلوم قبل الظالم، وعلى المحروم قبل المغتصب ولا يستفيد منه أحد غير الدجاجلة المفسدين والأبالسة الجَهنَّميِّين.

وتبقى بقية بعد هاتين الهوستين لرسل الديمقراطية «الصادقين» في العالمين القديم والحديث، ولكنهم لا يتهوسون ولا يتشبهون بالخبيث المجنون ولا بالخبيث الشرير، بل يزعمون بلسان الواثق المطمئن أنهم وكلاء العناية الإلهية على الأرض، يصلحون فيها ما أفسده الخبيثان، وما هم بمصلحين …

ثم تسومنا سقطة في الطريق، أو تسومنا سقطات الطريق كله، أن نقحم القدر فيما نمشيه ولا نمشيه من خطوات معدودات؟!

معاذ الله … نعم، معاذ الله إلى مائة سنة على الأقل حتى يستريح العالم من الهوستين وممن يصلح عقابيل الهوستين.

وأما نحن فلا لزوم عندنا للإحالة على العناية الإلهية في دعوى من دعوانا، فإن الحكاية كلها أن الإجازة التي «نعمت» بها كانت ضرورية لا غنًى عنها، وإنني لم أكن لأنعم بها إلا على اضطرار وإكراه …

وأي اضطرار وإكراه؟

لقد كان محصولي من المشي في اليوم الواحد لا يقل عن ميلين، وهما بحساب الخطوات يبلغان ستة آلاف خطوةٍ في اليوم.

ثم مضت أربعون يومًا لم يبلغ فيها محصولي من المشي خطوة واحدة؛ لأنني قضيتها وكأنني أقضيها بغير قدمين.

فرصة

وليقل ما شاء أنها فرصة لعمل من الأعمال لم يكن ميسورًا مع شواغل الحركة وتكاليف الحياة.

ولكنها — كيف كانت — ليست بالفرصة للقراءة وليست بالفرصة للكتابة، وهل من فرصة لعمل غيرهما في حياة أصحاب الأقلام؟

فلم يكن لوقت القراءة عندي حدٌّ محدود من قبلُ غير طاقة النظر بالليل أو بالنهار، فلم تعطني الإجازة القهرية متسعًا من الوقت لم يكن عندي في جميع الأيام.

أما الكتابة فإن كانت تأليفًا فلا سبيل إليه في موضوعات المراجع الكثيرة بغير حركة اليدين والقدمين، وإن كان غير ذلك فقد كانت النفس في شاغل عنه بحكم الراحة التي لا تريح.

إنما كانت فرصة حقًّا للتفكير، وما أكثر حركات الرءوس حين تكف الأقدام عن الحراك!

ذلك العصفور

لو كنت مصورًا لاستطعت أن أصور ذلك العصفور غيبًا بعد عشر سنوات.

ذلك العصفور الذي رأيته على نافذة الحجرة يطير منها ويعود إليها على الأثر لغير قصد معلوم غير المتعة بالجناحين الطليقين.

ذلك العصفور الذي كنت أراه وأنا أسمع أن كشف الأشعة يقضي بالمقام في موضعي أربعة أسابيع، وقد تمتد إلى ستة أسابيع.

ونظرت إلى ذلك العصفور فحسبت عليه جناحيه نعمة لا يظفر بها الإنسان؛ لأنه يتحرك بهما وإن خذلته القدمان.

ولكنني نظرت بين ذلك إلى عالم الفكر الذي انطلقت فيه فكدت أرحم العصفور «الكسيح» في هذه الأجواء، لولا أن الفكر نقمة يشقى بها من يعرفها فلا يغبط عليها من يفقدها، وهانت على من يجهلها كما يهون كل مجهول.

الإنسان الشكور

والواقع أن الإنسان آخر مخلوق يحق له أن يغبط حيوانًا على مزية من مزايا الحركة، وإن كانت حركة أجسام وأعضاء.

ما سبيل المقارنة في هذا المجال بين النصيبين؟

ليست سبيلها أن تفتح للإنسان وللحيوان مضمار السباق في العدو والطيران والغوص والروغان، فلا نكران أنه سيأتي لاحقًا بعد عشرين أو ثلاثين من فصائل الأحياء، ولا خسارة عليه في هذا التخلف بالغًا ما بلغ مداه.

ولكنما السبيل أن نقارن بين جهاز الحركة في بنيته وأجهزة الحركة جميعًا في عالم الحياة من أعلاه إلى أدناه. واليقين الذي لا شك فيه أن عالم الحياة بما رحب لم يعرف جهازًا يضارع الجهاز الإنساني في دقته وإحكامه وتنوع وظائفه وأغراضه، فليس بين الأعضاء الحيوانية جميعًا عضو يقارب يدا الإنسان — مثلًا — في حركاتها المقصودة وغير المقصودة، فإنها والدماغ مزيتان من المزايا الإنسانية لا مشاركة فيهما لحي من الأحياء.

فاليد في ذوات الأربع قائمة كسائر القوائم لا تكاد تعمل شيئًا غير عمل الرجلين إلا إن كانت من المتسلقات، وهي إذن لا تحسن العدو والانطلاق.

والجناح الذي يسمونه يد الطائر إنما هو يد تمشي به في الهواء.

ومن نظائره في سائر الأحياء ما قد تعطل وضمر، ومنها ما يثبت كزعانف السمك ولا يبالي السمك أن يستغني عنه كل الاستغناء، أو بعض الاستغناء.

وكلها على العموم معقولة بغير دماغ تفكر وتريد، إلا يد الإنسان التي لا يعقل لها وجود بغير الدماغ وبغير الملكات والمطالب الذهنية التي خلقت الصناعات والفنون، وخلقت معها الأكف والأصابع على أحسن تكوين.

ولك أن تقول إن رأس الإنسان لازم ليده، كما تقول إن يده لازمة لرأسه، فإنهما قرينان متلازمان.

وفي كل لغة من لغات العالم العالمية دليل على هذه الأصالة في عمل اليد وعلى هذه الرابطة بين تدبير الأيدي وتدبير العقول.

فما خلت لغة عالمية من كلمة ترد وظيفة التدبير إلى براعة التصرف باليدين. ونحن في العربية نثني على الرجل الكَيِّس الأريب فنقول: إنه يحسن «تناول» الأمور. وهم في اللغات الأوروبية يسمون المدير «مانيجر» Manger من كلمة «مانوس» Manus بمعنى اليد باللاتينية، ويتكلمون عن التناول بمعناه الفكري كما نتكلم عنه في لغة الضاد. وأحدث الآراء في مذهب النشوء والتطور أن الإنسان لا يمكن أن يتطور من القردة العليا مباشرة؛ لأن أيديها لم تبلغ من الدقة أن تكون «بروفة» لليد الإنسانية … كما نقول في لغة الطباعة والتفصيل. فلا بد من «تجربة» بعد تجربة تعلو على متناول الشمبانزي والغورلا والأرانج أتانج والجبون، وتليق بمكانة ابن آدم وحواء.

ونعود فنقول: ما أكثر حركات الرءوس حين تكف الأقدام عن الحراك … فقد تركنا ذلك العصفور مغبوطًا محسودًا من النظرة الأولى، ثم عدنا إليه محرومًا مرثيًّا له بعد جولة في عالم الحركة، كأنه فيه مخلوق كسير الجناح.

والحمد لله

والحمد لله أولًا وآخرًا على هذا العزاء، فإن المرء ليتعزى بالوهم فيستريح إليه عند الحاجة إلى العزاء، فإذا كان من حظنا أن نستمد عزاءنا من علم التشريح وقوانين النشوء والتطور، فذلك خير من الوهم على كل حال، فالحمد لله أولًا وآخرًا على هذه الحال.

راحة لا تريح

واسترحنا بحمد الله إلى العزاء، وشرعنا بمعونة الله في الراحة أربعة أسابيع، وقيل: ستة أسابيع … ولا مفر من القولين على الأقل في كل «ارتجال».

ونقول: إننا شرعنا في الراحة؛ لأنها أصبحت «مشروعًا» بكل معاني الكلمة منذ اصطبغت الواجب المحتوم واتخذت صورة الإجراءات المرتبة التي ترجى لها نتيجة وتنتظر لها عاقبة، وتقاس درجة بعد درجة وأسبوعًا بعد أسبوع.

وكان مشروعًا ناجحًا من وجوه شتى أردنا بعضها وجاءتنا بعضها من حيث لا نريد.

وكان مشروعًا ناجحًا؛ لأننا أردنا منه عشرين جرامًا من العظم فجاء بها وزاد عليها من مادة اللحم خمسة آلاف جرام.

وكان مشروعًا ناجحًا؛ لأنه علَّق في ذهني جميع الشواغل والهموم دفعة واحدة وبغير مبالاة، إذ كانت كل المبالاة عبثًا ضارًا مع انقطاع العمل قبل الفراغ من «المشروع».

وكان مشروعًا ناجحًا؛ لأنه أفادنا كثيرًا في توكيد معنًى من المعاني التي أحب أن أؤمن بها، وأن يؤمن بها الناس، وأرى أن الإيمان بها يحل طائفة من المشكلات القائمة بين الخلق ودنياهم أو بين الخلق والأقدار.

أفادنا مشروع الراحة في توكيد الحقيقة التي لا ريب فيها، وهي أن الراحة لا تريح وأن الإنسان لا يشتهيها ويحرص عليها وهو مختار يعلم ما يبغيه.

فبعد يومين سلبتني الراحة لذة النوم، فلا رغبة في النوم ولا قدرة عليه مع طول الرقاد ومصاحبة الراحة ليل نهار.

وقد قيل في مناقضات الراحة والتعب كلام متشعب يجمعه قول أبي تمام في بيته المشهور:

أبصرت بالراحة الكبرى فلم أرها

تُنال إلا على جسر من التعب

إلا أن أبا تمام يشير في بيته إلى نوعين من الراحة ولا يعني به راحة واحدة؛ فإنه يشير إلى راحة الجسد وراحة الضمير، وإن راحة الضمير لا تتم بغير تعب الأجسام.

ولكننا نريد هنا أن الراحة — كائنة ما كانت — تحرم المستريح منها … وأن البنية الحية لم تركب في طبيعتها على أساس الراحة والاستقرار.

فلسفة التعب

ومن فلاسفة العصر الحديث فيلسوف معروف ببساطة المقدمات وضخامة النتائج في النفس الإنسانية وفي مجتمعات الأمم وفي مجرى التاريخ على التعميم.

ذلك الفيلسوف هو وليام جيمس صاحب الفلسفة المشهورة بالبرجمية وله من قبيل هذه الفلسفة رأي يقول: إن طاقة الحي الآدمي طبقات متعاقبة تنكشف واحدة منها بعد أخرى — عند الطلب — إلى آخر مداها.

يتعود المرء أن يعطي العمل اليومي جهدًا معلومًا فإذا استنفده تعب وسئم وجنح إلى ترك العمل، ولكنه إذا اضطر إلى مضاعفة الجهد لم يلبث أن يشعر بزوال التعب وتجدد النشاط والقدرة على المثابرة شوطًا أو شوطين آخرين دواليك إلى غاية المستطاع.

هذه الملاحظة البسيطة تفسر لنا حكمة الشدائد في حياة الآحاد وحياة الأمم، وتفسر لنا القوة التي نستمدها من الحزن أو الفجيعة ونستمدها من العقيدة حين تتقاضى العزيمة جهدًا فوق جهد وتدفع بها شوطًا وراء شوط، وتفسر لنا كيف كانت شدائد الأمم حافزًا على الاختراع في سبيل الدفاع وفي سبيل الآمال التي تسوقنا إليها المغالبة على المجد والسيادة وتتقاضانا من خزائن الشعور والتفكير عناءً فوق عناء ومحاولة وراء محاولة.

وإذا كان هذا فعل التعب في استكشاف طاقات النفوس فالراحة تفعل نقيض فعله، وتغطي قوى النفس بطبقة فوق طبقة من الكسل والوخامة والاستسلام، وكلما طالت عجز المرء اليوم عما كان قادرًا عليه بالأمس في غير عناء.

ولمن شاء بعد ذلك أن يتعب، ولمن شاء أن يستريح، وليس له بعد الاختيار أن يشكو مغبة الراحة ويندم على فوات المتعبات.

وهذه العثرة

وأظن أننا قد بلغنا موقع العثرة التي مهدنا لها كل هذا التمهيد المتعب أو المريح.

لقد كانت عثرة، أو كانت فركة كعب، في «عز الظهر الأحمر» في أكبر ميادين الثغر الإسكندري، وأخلقها أن يكون سليمًا من العثرات.

كانت عثرة نهضت بعدها — أو أُنهضت — برجل مصدوعة ويد مكدومة: قسمة عادلة بين اليدين والرجلين.

وهي لا شك قلة احتراس.

ولكن قلة احتراس ممن يا ترى؟

أود أن أقول «أولًا»: إن فرط الاحتراس لم يكن قط من الفضائل التي أدعيها أو أحب ادعاءها، وأن كل احتراس يزيد عن دواعيه في نظري إنما هو ضرب من الجبن والوسواس.

ولكنني مهما يبلغ اتهامي لنفسي لن أنصفها إذا ادعيت أنها كانت قلة احتراس مني؛ لأنني عبرت هذا الطريق بعينه ألف مرة منذ قدمت إلى الإسكندرية لأول مرة قبل الحرب العالمية الأولى، إلى أن أقمت فيها سنة أو تزيد في إبَّان تلك الحرب وما تلاها من القلاقل والثورات إلى أن زرتها هذه السنة بعد ثلاثين أو أربعين زيارة متفرقة … ولو أن حذاءً يتعلم السير وحده من صحبة القدمين لقد كان في وسع أحدث حذاء لبسته أن يمشي منفردًا من أول ذلك الطريق إلى نهايته، لا يحيد يمنة ويسرة من زحام الأحذية والأقدام.

طريق قليل الاحتراس

فإن كانت ثمة احتراس فهي من الطريق لا مراء. وهكذا ينبغي أن يقال عن كل حفرة تترك على إفريز مرصوف في ميدان التحرير على مدرجه من ملتقى السابلة ومواقف السيارات، وفي إبان موسم الاصطياف.

على أنني لا أنوي أن أقتص من المجلس البلدي بذنب طريق، وليس في نيتي أن أطالبه بالتعويض مبالغًا فيه كما هي العادة أو في حدود الاعتدال، وربما زدت على ذلك فرويت له وللقراء قصة يتعلل بها ويستند إليها إذا ادعى أن العثرة كانت تدبيرًا مبيتًا من الغيب المجهول.

نذير الغيب

قبل أن أبرح القاهرة إلى الإسكندرية كنت أراجع التجارب المطبعية لمجموعة القصص الصغار التي نشرتها مؤسسة فرنكلين بالقاهرة، وكنت أتناوب المراجعة مع الأستاذ إبراهيم الجزيري جارنا في السكن بمصر الجديدة.

وعلمت في الأسبوع الأخير أن مكتب المؤسسة تلقَّى خبرًا فحواه أن القصص التي ترجمتها لم يتم الاتفاق على حقوق ترجمتها جميعًا، وأن خمسًا منها أو ستًّا لا تزال محل المفاوضة بين المؤسسة والناشرين أو المؤلفين.

قلت للأستاذ الجزيري: إنني لا آسف على هذه القصص إذا خلصت لنا منها قصة واحدة وهي قصة «مارجوري داو» لصاحبها توماس أُلدريخ.

وجاء الأستاذ الجزيري بعد يومين مبتسمًا يبلغني أن هذه القصص قد أجيزت وتم الاتفاق عليها بين قصص أخرى لم يتيسر الاتفاق على حقوقها، ومنها قصة للمؤلف دريزر، وقصتان لمؤلفين آخرين.

فشكرت للأستاذ بشارته ووكلت إليه مراجعة تجاربها في المطبعة؛ لأنني سأكون بالإسكندرية عند طبعها.

وإنما حرصت على هذه القصة دون غيرها لأسباب أدبية فنية لا شأن لها بالغيبيات والرمزيات وما إليها.

ومن هذه الأسباب أنها مثال حسن للمزاج الأمريكي الذي يهيم بالمجهول، ويغري صاحبه بالسفر من بلد إلى بلد غرامًا بفتاة لم تقع عليها عيناه، وليس لها وجود.

ومنها أن القصة تؤيد اعتقادي في عوامل الحب؛ لأنني أعتقد أن العامل المهم فيه «شاغل» يلهج النفس بأحد من الناس، فيبدأ الحب متى امتلأت النفس بهذا الشاغل، وإن لم تقع المشاهدة بالعيان.

ومنها أنها كانت من أسبق القصص إلى شرح الحوادث بأسلوب الرسائل المتبادلة بين أشخاصها.

ومنها أنني أحب المؤلف وأشعر بأنه مغبون بين نظرائه فهو مستحق للتنويه به والالتفات إليه.

وكل هذه أسباب نهارية شمسية لا شأن لها بالأسباب الغبشية أو القمرية.

فالآن يمكن أن يضاف إليها سبب يهلل له أنصار الغيبيات والدلالات الرمزية؛ لأن القصة تدور على رجل وضع برنامجه على قضاء الصيف بأحد الشواطئ البحرية الحافلة فزلقت قدمه وقضى الموسم طريح الفراش، وقد أرخ المؤلف موسمه من أواخر يوليو إلى أوائل سبتمبر سنة كذا وسبعين.

نبوءة حرفية بما حدث لكاتب هذه السطور …

لعلها وليس لعلها

ونعود في ختام المقال إلى «لعلها كذلك، ولعلها ليست كذلك» … فإنني مع قوة الإغراء هنا لا أروي هذه المصادفة النادرة لأثبت نذيرها بالغيب أو أنفيه، ولكنني أرويها لأثبت أمرًا لا يصح أن يتردد فيه أحد، وذلك أن المصادفات عارض متكرر في الحياة كعوارض الأسباب المعلومة، فليس لناظر في حقائق الحوادث والنيات أن يسقطها من الحساب.

وهكذا نواجه كل مجهول.

وهكذا نمضي على بركة الله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Ghada Nour ·٦ سبتمبر ٢٠١٤، ١:٤٠ ص

    لكتابات العقاد أثر على النفس لا يمكن تجاهلهلذا من الجيد إحياء كتاباته