() (النساء: ١٣٥).

قد استفحلت اليومَ المناقشاتُ والمجادلاتُ، وتكاثرت المنازعات والمحاورات بين أرباب الأقلام في الجرائد المصرية بشأن الاحتلال الأجنبي، وعَظُمَ القال والقيل في المجالس، وانحصر حديثُ الخاصِّ والعام في ذلك. وكل فريق يتشيَّع لرأيه ويشيد بفكره، لا يطاوع إلا فيما يُمْلِيه عليه لسان الغَرَض الكامن في النفس، ويشير به مُشِير الهوى المتسلِّط على الضمير. فالحجة الدامغة عندهم، والبرهان الساطع لديهم، والقول الفاصل في مسائلهم، التقريع واللوم والتنديد بما يأتي به أحدهم في أقواله، حتى أشكل الأمر، واختلف الشأن، فانخذل سلطان الحقيقة، وضلَّت الأحلام، وتخبَّط سير العقول. وظل المصري بينهم حيرانَ مبهوتًا، لا يدري على أي طريق يعرج، وبأي نجم يهتدي، وأي سبيل يقصد. فوجب إذن على الوطنيِّ الصادق في وطنيته أن يغضَّ النظر عن تلك المنازعات، ويطرح الأغراض الذاتية برهة، وأن يضع بينه وبين حرب الأهواء هدنة، وينظر إلى ضوء الحق فيقرِّره، ويهدي إليه من لم يملْ كلَّ الميل إلى تلك المنازعات، ومن كانت في نفسه بقية من حبِّ الحق وإن كان مرًّا، فنقول: فأوجب واجب طبيعي يسعى نحوه الإنسان إن أراد أن تنطبق عليه صفة الإنسانية هو الحصول على حرية اللسان الذي هو ترجمان الضمير المفصح عن الأغراض، وإعدام العوارض والمؤثِّرات التي تَحُول بينه وبين هذه المزية. وبخلاف ذلك يكون الإنسان في درجة ساقطة عن درجة الإنسانية والحيوانية أيضًا.

ولما لهذه الحرية من الشأن الجليل والمقام الأول، قد وجدنا صحفَ التاريخ مشحونةً بذكر من مَضَى شهيدًا في ميدان الحصول عليها. وما زالت الأنفس الشريفة تعرِّض نفسَها للأخطار، وتلقي بأرواحها في نيران المهالك، لا هَمَّ لها إلا أن تعيش حرةً بين قوم أحرار، حتى تأصَّل هذا الفكر في كثير من أفراد الأمم على توالي الدهور، فقاموا على الظَّلَمَة الذين يُغْلِقون أمامهم أبواب تلك الحرية، فانتصروا يومًا وانهزموا آخر، وسفكت الدماء، وهلكت النفوس، إلى أن وصلت الأمم الغربية إلى ما هي عليه الآن من نوالِ تلك الحرية والتمدن، بعد أن تصارعت أرواحها مع جيوش الظَّلَمَة قرونًا عديدة. ثم تدرَّعَت بعد ذلك بدروع التهذيب والعلوم، وتحصَّنَت بالاتحاد والتآلف والاتفاق والتحالُف بين أفرادها لحماية ما في يدها من الحرية أن تَعبَثَ به أيدي رؤسائها وحكامها، فقيَّدتهم بقيود النظام والقانون، ووقفت أمامهم بالمرصاد، وتيقَّنوا منها القوة والعزم والشهامة والثبات، فغلَّت أيديهم، ومحا هول هذا الموقف ما تركَّب في النفس من حبِّ الاستبداد والاستئثار، حتى صار نسيًا منسيًّا.

وبقي الشرق مندمجًا في جهالاته منغمسًا في ضلالاته لا يَدرِي ما تلك المزية وما مقدارها، حتى اختلطت الأمم الغربية بأهله، فلحظوا من خلال اختلاطهم وتداخلهم شعاعَ تلك الحرية، فانبهرت عيونهم واندهشَ لبُّهم، ولم يقفوا على حقيقتها وحقيقة الطرق التي توصِّل إليها، فعَظُم شأن الأجنبي في أعينهم، وصار بالنسبة إليهم في درجة أرقى من درجتهم؛ (لأنه توصل إلى تلك المزية التي تجعل الإنسان إنسانًا كاملًا كما تقدم)، فأهملوا البحث عن الأسباب التي ارتقت بها تلك الأمم إلى مراكزها، والطريقة التي أنالتهم تلك الحرية، ولما في ذلك من عظيم التكاليف وتعريض الأنفس للتلف، فاستسهلوا تقليد الأجنبي فيما لا تثقل تكاليفه عليهم، فعمدوا إلى ظواهر التمدُّن فتحلَّوا بها وأحسنوا التقليد له في الزيِّ والمعاملات البسيطة والتكلم بلغاته والتمسك بتقاليده.

حتى صار الأجنبي عندهم الإمام الذي يهتدون به ويقتدون، فتعالت مرتبته بينهم، وانتهز هذه الفرصةَ لسلب أموالهم واستعبادهم وتنفيذ أغراضه ومآربه، مستبشرًا مسرورًا بكونهم تعلَّقوا بظواهر التمدن دون بواطنه، وأنهم لم يلتفتوا إلى سلوك الطريق التي أوصلته إلى الحرية والتمدن الحقيقي، واهتداؤهم لذلك مما يعطل عليه أغراضه وأطماعه، فامتلأ الأجنبي ثروةً من جهة ما ينتزفه من دم الأهالي بسطوته وعلوِّ كلمته، ومن جهة ما يسحبه من ثروة الحكَّام المستبدين جزاءَ معاونته لهم على ظلمهم بالأهالي.

وقد مضى على مصر خاصة زمن ليس عهده ببعيد منا، كان فيه أهلها أسوأَ أهل الشرق حالًا. لم تُنبئنا بذلك صحف التاريخ، ولا تلقَّيْنَا علمَه عن أفواه الرواة، بل شاهدنا تلك الحال بأعيننا، وقاسينا أهوالها بأنفسنا. ويكفي لأحدنا أن يرجع النظرةَ كرة إلى الحال التي كنَّا فيها قبل اليوم بمقدار سنِّ المراهق، فيرى الأموال منهوبة، والأعراض مهتَّكة، والبيوت مخرَّبة، ومكان الأنفس بين السيف والنطع والشنق والصلب والنفي والضرب والتعذيب، أهوالًا ولا كأهوال القيامة. واطمأنت على ذلك النفوس واستأنست به. وكانت تخلو فما تتناجى بالأماني، حتى تخيَّلت أن هذا هو من موجبات نظام الهيئة الاجتماعية ومقتضيات المدنية. كل ذلك والأجانب عون عليهم لا يرشدونهم إلى طريق نجاحهم، ولا يهدونهم إلى معرفة حقوقهم.

وكانت أمنية الوطني الوحيدة أن ينسلخ عن جنسيته ووطنيته، ليخلع عليه الأجنبي خلعة الحماية، بعد أن يستفرغَ منه جميعَ ثروته في سبيل الحصول على ذلك، حتى يمكنه أن يعيش متحفِّظًا على هذه الحياة الدنيئة بين أولئك الذئاب الطلس، ثم ينظر من جهة أخرى إلى الحكومة فيرى شرَّ ما رأته عين، يرى السلطان والقوة فيها للأجنبي، والرياسة والإدارة في يدِ قبضة من الرجال قد سبكتهم يد الاستبداد فأخلصتهم جسمًا طائعًا متحركًا تُدِيره كيف شاءت، ليس له فكر يخشى منه التبصر في عواقب ما يصفه من الفظائع، ولا علم يهذب من قبيح أفعالهم، بل هو مسخَّر، آلة، لجمع المال، فيدلي دلوَه في بئر ثروة الأهالي، فيستنبط منها أموالهم معكرةً بدمائهم وأحشائهم، ثم يصبُّ بها في حوض الاستبداد المتخرِّق. فإذا نضب البئر ولم يمتلئ ذلك الحوض بالطبع، أخذ الظالم ما في يد المستقي مما اختلسه من المال أثناء انتهابه من الأهالي فاستوفاه منه، فقتل أو نفي أو طرد أو ألزم بيته.

أين كانت تصرف هذه المبالغ؟ هل كانت تصرف في تنظيم نظام أو تأسيس مدنية أو نشر للعلوم أو تقدم للعمران؟ هل صرفت في حروب للمدافعة عن الوطن، أو في فتوحات البلاد، أو في إصلاح للأراضي وتعميم للري لتنصلح المزارع وتتزايد ثروة البلاد؟ هل أنفقت في تنظيم للمحاكم أو تأييد للشرع أو في إنشاء فابرقات ومعامل وغير ذلك من المنافع العمومية؟ كلا ثم كلا. كانت هذه القناطير المقنطرة من الذهب والفضة تُصرَف في سبيل الشهوات خاصة، وقفًا محتبسًا عليها دون سواها، فيبذل جانب منها لإرضاء هذه الدولة ورفع غضب الأخرى، وترتيب الدسائس للوصول إلى غرض معلوم، مضرَّة بمصرَ ومداراة لأرباب الجرائد الأوربوية، خيفة أن تنشر شيئًا مما يصل إليها من أنواع تلك المظالم.

كان يكفي لمن رام الغنى والثروة من الأجانب أن يشهل عزمه على تأليف كتاب في حالة مصر، فتنتثر أمامه الألوف من الدنانير وتهال عليه فيسقط القلم من يده، وربما عمد إلى عكس ما أراده فينشر تأليفه محتويًا على أنواع المفتريات التي تشهد بحسن الحالة المصرية. ثم ينفق جانبًا آخر منها لتشييد القصور التي تضل في ساحاتها الصافنات الجياد، فيفرشونها بالسندس، ويموِّهون بنيانها بالذهب، ويجعلون فيها لأنفسهم سقفًا من فضة ومعارج عليها يظهرون، ثم يستجلب لسكانها الآلاف من الجواري الكاعبات، والقيان المعزفات، من أقاصي البلدان وشاسع الأقطار، فيتقلَّدن الجواهر ويطأن الدرَّ والمرجان، ويُؤْتَى لهنَّ بالعبيد الخصي حراسًا ورقبًا، فلا يلبثون أن يصيروا ساداتنا وأشرافنا وأمراءنا، حتى كأنما كان الشاعر ينعى علينا تلك الحال بظهر الغيب في قوله:

سادات كل أناس من نفوسهمُ

وسادة المسلمين الأعبد القُزُمُ

والعزيز الكريم فينا صاحب الهمة الشامخة والنظر العالي من كان متصلًا بحبل من عبيد أولئك الخصي. ولم يقتنع طائر الشهوات بما لديه من الآلاف المؤلَّفة من الغواني، بل كان يترقَّب الدقائق والساعات للوقوع على الزانية الفاجرة، والورهاء العاهرة، فيكال لها الذهب كيلًا في مبيت ليلة، ويُهْدَى إليها العقد من اليواقيت، تجمَّعت قيمته مما انتُزِعَ من أقوات مئات ألوف من المصريين. وايم الله لو علمت الفاجرة بشناعة الطرق والوسائل التي استعملت لجمع ثمن ذلك العقد، وبكمية الأنفس التي هلكت جوعًا والتي سُفِكَ دمها، وأن ذلك الياقوت الأحمر إنما هو الدم المتجمِّد من أنفس الضعفاء والمظلومين والدمع القاني المنسكب من أعين الأرامل واليتامى لعافته وأنفته، ولأحسَّت به منظومًا من رءوس الأفاعي وأذناب العقارب.

كيف كان شأن الوطنيين إذ ذاك وحالهم؟ هل كانوا ساخطين على تلك الهيئة؟ هل فَزِعَ منهم فازع يطلب رفعَ الظلم ونَوَالَ الحقوق الطبيعية؟ هل قام قائم منهم في وجه الاستبداد يدفعه أو يخفض من سَوْرَتِهِ؟ هل أظهر أحد منهم شكواه؟ هل تألَّفت لهم قلوب يتعاونون بها على احتمال المظالم؟ كلَّا. بل كانوا بُكْمًا لا ينطقون ولا يتحركون، كانوا ظالمين مظلومين، عونًا للظالم على أنفسهم، يتهلَّلُون بمظاهر الاستبداد المزخرفة، كأن ذلك لم يكن مأخوذًا من دمائهم وأموالهم، وكانت ألسنتهم لا تنطق إلا بالثناء، وأقلامهم لا تطرز إلا المدائح، وإشاراتهم لا تصدر إلا بالاستحسان، وأمعنوا في هذا الباب حتى سئمت نفوس المستبدِّين ذواتهم من ذلك وابتذلوه، وأذلهم مذلة من لا يقبل منه صرف ولا عدل.

فحدَّثَنا محدث أن أحد الولاة السابقين زار مدينة طنطا في مولدها، فتشرف عمد الغربية بالمثول بين يديه، وخطر له أن يسألهم عن أحوال مديرهم وإدارته للأعمال، فأطنبوا وأسهبوا كعادتهم في امتداحه، وأفرغوا جعبة الثناء، وأقسموا أن المديرية لم تتزيَّنْ في دهرها بمثل عدله ورأفته وحسن إدارته، وخرجوا من عنده فتشرفوا بحضرة المدير فنقلوا إليه ما حصل تزلُّفًا له وتقربًا منه، فتركهم ودخل على الوالي مكتئبًا حزينًا يغيض من دمعه فوقع على قدميه يقبلهما، فاندهش الوالي لذلك، وسأله عن حاله، فقال له وهو مختنق بالدمع: هل بلغ من هوان أمري على مولاي وازدرائه بي أن يسأل العمد عن أحوالي؟ وكيف يتسنَّى لي أن أحكمهم وأدير شئونهم، وقد رأوا أنهم صاروا أهلًا في نظر مولاي للسؤال منهم عن أعمالي؟ … بخ … بخ …

وقد كان من ضمن الوسائل التي تفنَّن فيها الاستبداد أنه اتخذ من العمد وأعيان المديريات مديرين وحكامًا؛ لأجل أن يتوصَّل بهم إلى سلب ما بقي لدى الأهالي من ثروة أو قوت؛ لكونهم أدرى بأحوالهم من بقية الحكام، وأعلم بمواضيع الثروة، فرأيناهم أشدَّ وطأةً على المصريين، وأنفذ سلاحًا في جلودهم، وأجرأ يدًا في استلاب أموالهم من سواهم، ولم يقتصروا على نزع أقوات الأهالي وأملاكهم وإهدائها للحاكم، وابتلاع جانب منها لأنفسهم، بل كان أكبر همهم الإيقاع والبطش بأفراد عائلتهم وإيذاء أهلهم، فكان فيهم الضارب لابنه، والسالب لأبيه، والقاتل لأخيه، والمانع ماءَ الري عن أطيان أهله ليموت زرعهم وتخرب بيوتهم، ثم هم بعد ذلك معزولون مسلوبون.

فكانت رجال الحكومة والإدارة عبارةً عن سلسلة من النهب والتعدِّي تظلم الحلقة الكبرى منها الحلقةَ الصغرى بالتدرج. وهكذا إلى أن تصل إلى الفلاح المسكين، فتنطبق على عنقه حتى تسوخ قدماه في الطين، ليستخرج لهم منه ما يريدونه من ذهب الأرض ممزوجًا بدمه ودمعه وعَرَق جبينه، فينتقل ذلك من الحلقة الصغرى إلى الحلقة الكبرى، وهلمَّ جرًّا، حتى يَصِلَ إلى يد الحاكم القابض على أطراف السلسلة.

ولو استرسلنا في هذا الباب لما وسعته المجلدات التي لا تسعها الكتبخانات، وإنما أردنا أن نذكر قطرةً من بحور تلك المظالم وسوء الأحوال؛ ليتنبَّه إليها المصريون وليتذكَّروا ما كانوا فيه؛ إن الذكرى تنفع المؤمنين، فيخجل بعض أولي الأغراض منهم من التبجُّح بامتداح تلك الحالات الماضية، والتأسُّف من تجاوزها إلى ما نحن فيه اليوم، وتسميتها بأيام الرواج وأزمان السعادة، ويتمنون أن لو عادوا إليها وعادت لهم، ولهم شبه العذر بأن يعدوها أيام رواج؛ لأن تداول مئتيْ مليون جنيه تقريبًا في مدى ثماني عشرة سنة، وتنقلها من أجزاء تلك الحلقات، حتى خرجت عن مصر، يعده البسيط الساذج وذو الغرض رواجًا، فضلًا عن مبلغ المائة مليون جنيه من الدَّين الذي استدانته الحكومة من الأجانب، وما لبث أن عاد إليهم، وما سلَّم على مصر حتى ودَّعها، فإن صحَّ أن الصرَّاف الذي تتداول على يده الألوف من الجنيهات يوميًّا فيقبضها ثم يصرفها، أنه غني وذو ثروة من أثر ذلك، صحَّ أن تلك الأيامَ كانت أيامَ سعادة ورَوَاج.

وما الذي يؤمِّنهم إن عادت لهم تلك الحال أن يكونوا هم أولَ مسلوب وأولَ مقتول؟ هل اتخذوا عقدًا وميثاقًا من الظالم أن يكونوا سالبين غير مسلوبين مرتفعين غير متَّضِعِين؟ فالظالم لا عَهْدَ له. وقد رأوا بأعينهم من كان أعظم منهم مرتبة وأعلى منزلة لم يحلموا بنوالها في نومهم، كيف أخذ في ليلة واحدة فقتل ثم سلب وكان أعزَّ صديق وأكبر معين. فأولى لهم ثم أولى لهم أن يحمدوا الخالق على خروجهم من تلك الحال سالمين، وليتمتعوا بما بقي لهم من ثروتهم، وليخفضوا على أنفسهم، ويتركوا هذه الأوهام والخيالات، ولا يكونوا حجة للأجنبي علينا.

تلك كانت حالنا في الزمن الماضي، أقمنا عليها نقبِّل اليد التي تَذْبَح، ونلثم الذيل الملوَّث بدمائنا، حتى غاضت ثروة البلاد، وأُثْقِلَت بالديون، فوجد الأجانب لهم حقًّا شرعيًّا للتداخل في أمورنا وإدارة شئوننا حفظًا لأموالهم، إلا أنهم كانوا مقتصرين على هذا الباب فقط، ليس من غرضهم ولا من مآربهم إصلاح حال المصري ونواله للحرية وارتقاؤه في المدنية، بل كان عامة سعيهم في ازدياد نفوذهم ونَوَال حقوقهم، فاشتدَّ الضنك، ووصلنا للنتيجة الناشئة على ذلك الإسراف في الظلم والتبذير في الأموال، واستُجِيبت دعوة المظلوم والضعيف.

خَفْ دعوة المظلوم فَهْيَ سريعةٌ

طلعت فجاءت بالعذاب النازلِ

عزل الأمير عن البلاد وما له

إلا دعاء ضعيفها من عازلِ

وما كدنا نخطو خطوة في طريق التنبُّه لأحوالنا، والنظر في لَمِّ شعثنا، وما كاد أولو النباهة منا يجرءون على الحاكم فيلتمسون منه إجراء الإصلاح، وتشييد الحرية، كأن ذلك هو الطريق الوحيد لنوالها، وكأن حاكمًا مطلقًا يعطي الحرية للأمة من تلقاء نفسه. إنما تتشيَّد الحرية بيد الأمة لا بيد الحاكم، كما قدمناه. وما زال ذلك ديدننا حتى قامت الثورة العرابية.

ومَنْ وَقَفَ على حقيقة تلك الثورة علم أنها لم تكن من الثورات المرتبة على طلب الحرية وتنظيم الحكومة، وإنما دفع إليها أربابها اندفاعًا على غير استعداد لها ولا تروٍّ في أمرها. وكان منشؤها أن جماعةً من الضباط غضبوا لما استحسُّوا بوجوب توفير في الجيش، وفقد مراكزهم فيه، وتقديم خلافهم عليهم، فساعدتهم ظروف تلك الأحوال على المجاهرة بنفورهم، فطلبوا عدم التوفير في الجيش أولًا، فردعتهم الوزارة، وضيَّقت عليهم، ولكنهم وجدوا معينًا لهم من طرف آخر يحاول أن ينتفع من حركتهم، فطلبوا عزل الوزارة ثانية، ثم تورطوا في الأمر، وأحبوا أن تدخل الأهالي في زمرتهم، فطلبوا تشكيل مجلس للنواب ثالثًا، وما زالت دسائس أولي الأغراض، وسيال الحوادث ومجراها، وأحكام الصدفة تدفع بهم وتجذبهم بأصابعها، حتى عظم أمرهم، وقويت شوكتهم، فاجتمع عليهم الجانب العظيم من المصريين، بعضهم لغرض شخصي، وبعضهم لملل من تلك الحالة، وبعضهم لمجرد الميل إلى الجانب الأقوى، والبعض الآخر لأملهم في حصول أيِّ تغيير في الأحوال كما يتولَّع بذلك أكثر أفراد الأمم.

وساروا في طريقهم تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتَّى، لا يعلمون لهم مبدأً يحاولون تأييده، ولا ترتيبًا هم عازمون على حصوله، ولا شكلًا للحكومة التي يريدون إقامتها على أنفسهم. وكلهم لا يدرون ماذا يفعل بهم. فتارة يطلبون واليًا مكان آخر، وتارة يرومونها جمهورية مركَّبَة من أرباب السلاح قائمة على ذباب السيف، وطورًا يبتغونها حكومة مقيَّدة، وحينًا يجعلونها ولاية عثمانية، وآخر يريدونها مستقلة. فلم يكن لهم رأي ثابت ولا مقصد معيَّن، بل كانت أعمالهم وأفكارهم بنت الساعة وربيبة الدقيقة، ولم يكونوا يعرفون للحرية التي يصيحون بطلبها تحديدًا، ولا يعلمون لها تكييفًا، وإنما كان بينهم فئة قليلة من المصريين قد أحسنت تربيتهم، وعُلموا ماهية الحرية ومادة الحقوق الوطنية، وتحلوا بالعلوم والفضائل، وحلب الدهر أشطرهم، وصقل التهذيب أفكارهم، بما كانوا يتلقونه ويدرسونه من ذلك على إمام أستاذ فاضل، أقام بينهم مدة من الزمن كان مشربه رفع الظلم عن المسلمين، وبسط العدل فيهم، وإحياء السنة وإماتة البدعة، وإعادة المجد القديم للإسلام، ولم يزل مشردًا في البلاد مطرودًا لا ينثني عن عزمه ورأيه. فانتهزوا فرصة تلك الحادثة هم ومن استفاد منهم، واختلط بهم لنوال الحقوق الوطنية، وانضموا إلى تلك الحركة.

ولكن لم يكن ليتيسر لهم انتصار رأيهم وتعزيز مبدئهم في لجج ذلك التهور وتيار تلك السطوة، فانتثرت دولة الأحلام، وفازت صولة الخرافات والأوهام، ورفع السيف فوق الأعناق، فخضعت الرقاب، وأسلست في القياد وذلت النفوس والْتَوَت الألسن، فكان حال المصريين أنهم يطلبون الحرية بواسطة الاستبداد، ويحاولون نوال الرحمة من طريق القسوة، كمن يحاول استخراج الأرى من الحنظل، والشهد من العلقم. وكان شأن تلك الفئة في تورطها كشأن كاتون الروماني، وهو فيلسوف وطني حرٌّ كان أوقف حياته على نوال حرية وطنه، وكانت انقسمت الأمة الرومانية إلى قسمين: قسم يحاول قلب الحكومة إلى ملكية تحت قيادة قيصر، وقسم يريد بقاءها جمهورية تحت رياسة بومبيه، فانضم كاتون إلى القسم الأخير مع علمه بأن بومبيه وأشياعه لهم أغراض خصوصية، وليس يرجى منهم نوال الحرية التي يطلبها لبلاده إن هم انتصروا، فخرج مع ذلك في حزبهم متسلحًا للحرب، فقال له بعض أصحابه: كيف حالك ورأيك في نفسك؟ قال له: شرُّ حال، إن انتَصَرَ قيصرُ قتلني، وإن انتصر بومبيه قتلتُ نفسي. قال له صاحبه: وكيف ذلك ولك من علوِّ المكانة بين حزب بومبيه ما يضمن لك أن تكون في منزلة عظيمة إذا انتصروا؟ فأجابه الفيلسوف: إن غرضي أن أعيش حرًّا بين قوم أحرار، لا أن أعيش عزيزًا بين قوم أذلَّاء.

ثم انحاز قسم من المصريين إلى الحاكم تعلُّقًا بأسباب حفظ الحالة التي كانوا عليها، والتمسك بمراكزهم التي نالوها، وطلب من دولة الإنجليز أن تساعد على إطفاء الثورة، فحضرت عساكرها، وحصلت الحرب التي ليس هنا موضع تفصيل أحوالها، فهزمت العساكر المصرية، وفرَّ رئيسها من ساحة الحرب استبقاءً للحياة مع عدم الثقة بذلك، ودخلت الإنجليز بعد أن سفكت دماءها وأنفقت أموالها، ولم تفعل ذلك إنجلترا محبة في سواد عيون المصريين، بل لأغراض لها دفعتها إليها.

ولما دخلت رجال الإنجليز حقنت الدماء وأغمدت سيف الانتقام، وأخذت تباشر ما في نيتها من الإصلاح، وإقامة منار الحرية على مقتضى ما نالته أمم أوروبا بأتعاب جسيمة، وتكاليف شاقة، في مسافة قرون عديدة كما تقدَّم في صدر المقدمة. ولكنها وجدت المصريين مختلفي الرأي ومتفرِّقي الكلمة، ووجدت بينهم علوَّ كلمة الأجنبي والدخيل، ووجدت مصر أشبه شيء بمدينة بابل يوم تبلبلت الألسن، فلم تتمكَّن من الوقوف على حالة المصريين واستعدادهم ولياقتهم، بالنسبة إلى ما تقدم، وبالنسبة إلى جهل رجالها بلغة البلاد وعوائدها.

واشتبه عليها الأمر فلم تجد أمامها رجالًا تنشر الإصلاح بواسطتهم إلا من وجدتهم قابضين على أَزِمَّة الإدارة والحكومة، ولم تجد من المصريين نفورًا منهم وانحرافًا عنهم، وهم من علمت لم تسلم يدُ أحد منهم من انغماسها في غمار الأزمان السابقة، وأزمان الظلم والاستبداد، شَبُّوا عليها وشابوا فيها وذاقوا لذتها ونالوا من فائدتها، فلم تَرَ الإنجليز بُدًّا من مباشرة الإصلاح على أيديهم، ولم يوقفها المصريون على طريقة أخرى سوى هذا السبيل. فكانت تسعطهم أسباب الإصلاح في أنوفهم كما يتسعط المريض الدواء، وكانوا ينتقمون لأنفسهم، فما كان من خير وإصلاح جبروا على فعله وقهروا عليه نَسَبُوه أمام المصريين لأنفسهم، وما كان من شرٍّ وخلل وتقصير تمكنوا من إبقائه ودوامه نسبوه إلى الإنجليز. والمصريون يسلمون ذلك لهم ببساطتهم، وبما بقي في نفوسهم من أثر الطاعة العمياء لأولئك الحكام، ويشتركون معهم في التسخُّط من هذه الحالة، حتى توهَّم المصريون في حكامهم وفي أنفسهم استعدادًا كافلًا لإجراء الإصلاح وتأييد الحرية، وتخيَّلوا أنهم نالوا بأنفسهم ما هم فيه اليوم من الحرية الشخصية وإصلاح المالية وتحسين أحوال الري وسلطة القانون وحفظ الأموال والأرواح، وتنظيم الجيش، وحرية الجرائد والأفكار، حتى بلغت مصر في مدى تسع سنوات ما لم تبلغه أمة أجنبية في مسافة مائة عام مع سفك الدماء وبذل الأرواح.

ومال المصريون إلى جانب الأجانب الذين لا يهمهم من حال المصري إلا أن يكون فريسة نفوذهم وقربانَ سلطانِهم، كما تعوَّدوا عليه من زمان بعيد يمتصُّون دمه بأنبوبة الامتيازات الأجنبية. وكلما حاولت إنجلترا أن تساوي بين المصري والأجنبي، وتخفض شيئًا من سورة تلك الامتيازات قامت قيامة الأجنبي الذي يموه على المصريين أنْ لا غَرَضَ له إلا مصلحتهم خدمة للإنسانية، وأن بقاء حالته متمتعًا بانتزاف ثروة البلاد خارجًا عن حكم القانون غير متساوٍ بالمصري في شيء من تكاليف الحكومة التي تحفظ له ماله وروحه، مطلق اليد في هدر دم المصري، لا يتكلَّف لذلك أكثرَ من أن يتغيب عن مصر مدة يتمتع في أثنائها برؤية وطنه وإظهار أثر النعمة التي نالها من المصريين بواسطة الامتيازات، ثم يعود إلينا ثانية في زيٍّ غير زيه وتمويه لهيئته، يقيم بيننا على ما كان عليه. كل ذلك ضامن لراحة المصريين وحسن مستقبلهم كما يزعمون، ثم يطلب منا بعد ذلك أن نتابعه على رأيه ونسايره في طريقه ونعضِّد شوكته ونفوذه لثبات تلك الحالة حتى لا تبتلعنا الدولة الإنجليزية.

ليت شعري وأيُّ ابتلاع يكون أبلغَ من ابتلاعه لنا؟! مثال ذلك أن تجتمع جماعة من الذئاب وقع بين أيديهم ظبي في طريقه أسد، وله طريق آخر للنجاة من الفريقين، فيقولون له بعد أن يخفوا عليه طريق النجاة: إن الأصلح لك والأنفع أن نقطعك أقسامًا ونقسمك إربًا ونشترك بأجمعنا في افتراسك، تحفظًا عليك من أن يبطش بك الأسد دفعة واحدة. فيسرُّه ذلك ويساعدهم عليه، ويقدِّم لهم أعضاءه واحدًا فواحدًا تسهيلًا لهم وفرارًا من الأسد، ويضلُّ عن طريق نجاته من الطرفين، وإن سلط الأسد الذئاب.

فخفي على بعض النبهاء منا طريق النجاة للمصريين، وأخذوا يصيحون مع الأجنبي المشروح أمره، وانتهزوا فرصة حرية الجرائد للقدح والطعن والصراخ والعويل، وكل ذلك ينحصر في أمرين: طلب الجلاء، وتقصير الإنجليز في مباشرة الإصلاح. أما الجلاء فهو أول واجب على كل مصري وطني أن يسعى في الحصول عليه من أبوابه وفي أوقاته، ولا ينثني عنه إلا كل ساقط النفس في مراتب الاجتماع البشري، بل هو من الأمور الطبيعية ألا يقبل أحد حكومة الأجنبي عليه. ولكن ينبغي أن نسعى لذلك بالوسائل الفعالة المؤدية إليه، وبدون أن ينشأ عن ذلك ضرر، وأن يكون في الوقت المناسب، فإن الأمور مرهونة بأوقاتها.

والبرهان قائم بأننا لم نبلغ درجة الحرية التي نتمتَّع بها الآن وما تبعها من الإصلاح إلا بواسطة الإنجليز دون سواهم، وهم لم يستطيعوا ذلك إلا بوجود جيش الاحتلال بيننا، ولولاه لما رَضَخَ حكَّامنا لإشارة الإنجليز في إجراء الإصلاح المذكور، ولولا دخول الإنجليز لما تيسَّر لنا أن ننال شيئًا من ذلك بأنفسنا بدليل أننا أقمنا نحتمل الهوان والذلَّ ولم نتفادهما، فضلًا عن أننا كنا مساعدين للظالم على أنفسنا كما تقدم. ونحن نحن لم تتغير أرواحنا ولا أجسامنا، ولم تدخل في أنفسنا يد المعجزات فتغيِّر نقصها كمالًا وجهلها علمًا في مدة تسع سنوات. والنبهاء المهذبون فينا جزء ليس بعظيم. غاية الأمر يمكن لنا أن نقول: إن الذين لم يتربوا على الظلم، ولم تدخل في نفوسهم سجية الامتثال والهوان، ولم يدركوه، ولم يتفرجوا في ملاعب الجبروت والعظموت هم صبيان الآن في سنِّ التعليم الابتدائي.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    ناهض الرفاتى ·٢٥ أغسطس ٢٠١٦، ١٠:٣٢ ص

    كم نحن بحاجة لمجددين فى هذا الظرف العصيب مثل محمد عبده