تناول بعض إخواننا الكتَّاب الدعوة التي دعوت لعقد مؤتمر يجمع المفكِّرين والأدباء من أهل بلاد الشرق العربي بالبحث؛ وكلهم محبِّذ لها مُتَمَنٍّ نجاحها. وجاءتنا كذلك رسائل خاصة تشجعنا على المُضي في هذه الفكرة، وكان من بين الاقتراحات التي طُرحت مطرح البحث تأليف لجنة لهذا المؤتمر والدعوة إليه، وفي رأي هؤلاء الداعين إلى تأليف لجنة أن تتألف في مصر من مصريين وشرقيين مقيمين في مصر ما دام المؤتمر الأول يراد عقده في مصر، وبهذه اللجنة يُناط البحث فيما يعرض له المؤتمر من شئون تحتويها الدعوة إليه وفي الوسيلة لتمثيل أمم الشرق العربي المختلفة فيه.

وحبذا لو فكَّر أصدقاؤنا أساتذة كلية الآداب في هذا الاقتراح، ودَعَوْا هم إلى تأليف اللجنة؛ فأحسب أنهم أَوْلى من غيرهم بالقيام بهذا العمل الجليل، وهم لا ريب واثقون من معاونة من يدعونهم لمعاونتهم في الرأي أو في التنفيذ، ويومئذٍ تخرج الفكرة إلى حيز الوجود الفعلي وتلقى من الباحثين في مختلِف أنحاء الشرق ما يزيدها قوة.

وأعتقد أن أية لجنة تُؤلَّف لهذه الغاية تَلقى أعظم التأييد من مفكري الشرق وعلمائه وأدبائه جميعًا؛ وتلقى إلى جانب التعضيد إمدادًا بالرأي يكفل وحده أن يخصب تفكير الشرق بما يبسطه أمام أبنائه جميعًا من شئون يختص اليوم بها أفراد أو جماعات خاصة منه لأنفسهم، فليس الكتَّاب والعلماء والمفكرون كلهم صحفيين إذا خطرت بنفسهم خاطرة أشركوا الجمهور معهم فيها، وطلبوا إليه أن يقتنع وإياهم بها أو أن يُقنعهم بالتحوُّل عنها، بل إن أكثر هؤلاء الكتَّاب والعلماء والمفكرين في الشرق لَيحرصون أكثر الأمر على أن يعكف كلٌّ منهم على نفسه، وأن يجعل بحثه وتفكيره خاصًّا به لا يُظهر أحدًا عليه حتى يصل منه إلى غاية يقف عندها ويطمئن لها، ولهم عن ذلك أبلغ العذر؛ فمن الخواطر والأفكار ما يكون فجًّا فلا يجدر بكرامة صاحبه ولا يتفق ومصلحة الناس أن يُلقَى به إليهم قبل إنضاجه، ومن الخواطر والأفكار ما يستغرق إنضاجه الشهور والسنين يقضيها صاحبها بحثًا وتنقيبًا، على أن هؤلاء الكتَّاب والعلماء والمفكرين كثيرًا ما يأنفون أن يُفضُوا بخواطرهم وأفكارهم أثناء بحثهم إياها لإنضاجها إلى حلقة من زملائهم في البحث والتفكير، عَلَّهم يجدون من هؤلاء الزملاء نقدًا يثقون أن يضارهم في البحث إذا هم لم يلتفتوا إليه، أو توجيهًا إلى ناحية لم يكن صاحب البحث متجهًا من قبلُ لها، وهذا هو ما يحدث في المؤتمرات، وهو ما يخصب التفكير العام، وهذا كذلك هو ما يحدث حين قيام اللجان بالدعوة إلى المؤتمرات حين تُطرح المسائل التي سيتناولها العلماء والمفكرون بالبحث أمام المؤتمر لتقوم اللجان بتنظيم أعماله.

ويستطيع الإنسان أن يدرك مدى هذا الخصب إذا عرض أمام ذهنه ما يرى هو أنه يصلح ميدانًا لمباحث مؤتمر شرقي عربي. فلو أن هذا المؤتمر كان مؤتمرًا تاريخيًّا صرفًا، لَوَجد المؤتمرون فيه من بحث صلات أمم الشرق بعضها ببعض في مختلِف العصور ومن أسباب هذه الصلات، ما يفيد العلم أجلَّ فائدة، وما يوجه ذهن جمهرة المتعلمين في هذه الأمم الشرقية إلى مسائل جديدة لم تكن موضع نظرهم من قبل، ولَوَجد المؤتمرون فيه مباحث كلامية يدعو إليها أن وحي الأديان جميعًا نزل على رسل من أهله ثم امتد بعد ذلك إلى الغرب وإلى الشرق، وتُلهم أصحابها الشيء الكثير عما تأثرت به المذاهب الدينية في البلاد المختلفة بعقائد أهل هذه البلاد وعاداتهم ومذاهبهم السابقة عليها، وعما أثرت هذه المذاهب في تلك العقائد والعادات، ولَوَجد المؤتمرون فيه غير هذين الميدانين الفسيحين من ميادين التاريخ كثيرًا غيرها تُعنَى به جماعة فقهاء اللغة وفقهاء الشرع والأطباء وكل مفكر في الناحية المنصرف إليها تفكيره.

ولو أن هذا المؤتمر كان مؤتمرًا فقهيًّا صرفًا لما كانت ميادين بحث المؤتمرين فيه أضيق منها في المؤتمر التاريخي، ولَرَأيت من المقارنات والمقابلات بين شرائع هذه البلاد الشرقية في الوقت الحاضر ومن المقارنات والمقابلات بين شرائعها في الأزمان المختلفة ما يفتح أمام رجال القانون المنصرفين بكلهم اليوم إلى بحث ما في الشرائع الغربية أبوابًا وميادين جديدة جديرة في اعتقادنا بأن تُلقيَ على شرائعنا الشرقية الحالية من الضياء ما يجعلنا حين التشريع أدق نظرًا وأقرب إلى تحري الفائدة الصحيحة. فالشرائع من الأمم مظهر ما ترجوه هذه الأمم من نظام في شئونها العامة وفي معاملات أهلها بعضهم مع بعض. والأمم يتصل حاضرها بماضيها اتصالًا دقيقًا إذا حاولتَ بَتره لم تدُمْ محاولتك إلا ريثما تستطيع الأمم أن تعود لصلة حاضرها بماضيها، والبحوث التي تتم في المؤتمرات هي بعض وسائل إعادة هذه الصلة.

ثم لو أن هذا المؤتمر كان مؤتمرًا لغويًّا لكانت ميادينه في مثل سعة المؤتمر الفقهي أو المؤتمر التاريخي. وبحسْب القراء أن يعودوا بذاكرتهم إلى ما كُتب عن المعجم والموسوعة وعن القديم والحديث، وأن يرجعوا إلى ما وضعه اللغويون أمثال تيمور باشا من تصانيف، وإلى ما ينشره المجمع العلمي السوري بدمشق في هذا الموضوع من بحوث، ليروا أن ذلك كله جدير بأن يتناوله مؤتمر شرقي عربي بالبحث، ليفتح فيه أبوابًا للنظر جديدة يتناولها الكتَّاب والمفكرون، ويفيد منها اللغويون أنفسهم أكبر الفائدة.

هذه الميادين وغيرها مما تتناوله المؤتمرات تُظهر القرَّاء على ما ينشأ من اشتراك عدد كبير من كتَّاب الشرق العربي وعلمائه فيها من حركة فكرية واسعة النطاق، متشعبة الأطراف، تتناول حياتها العقلية والنفسية من مختلِف نواحيها، وهي بعدُ حركةٌ لا يقتصر فعلها على المشتركين في المؤتمرات ولا يقف عند الخاصة، بل هو يحرك روح التفكير والشعور في الجمهور العام بما لا تحركه الكتب ولا المجلات ولا الصحف؛ ففضلًا عن كثرة عدد الذين سيستمعون إلى ما يُلقَى في هذه المؤتمرات من العلماء والمتصلين بالعلم ستكون عناية الجمهور بآثار هذه المؤتمرات ضِعف عنايته بما سواها من أسباب تبادل الفكر والبحث ونشرهما، وأضرب على ذلك دليلًا ماديًّا ما حدث فيما لم يكن مؤتمرًا ولم يكن موضع بحث علمي، وإنما كان حفلة تكريمية لأمير الشعراء شوقي بك؛ فإن الجمهور تناول ما تُلِيَ في حفلته وما نُشر بسبب الحفلة بولع وشغف لم يُعهَدا فيه في ظروف أخرى، وعدد هذه الجريدة الخاص بشوقي بك وتكريمه أُعيدَ طبعه وطُلب في أنحاء الشرق العربي جميعًا بأكثر ممَّا كنا نتوقع بكثير، ولم تقف حفلة التكريم هذه عند هذا الحد من زيادة ميل الجمهور لقراءة ما أُلقي فيها أو كُتب حول بَطَلها، بل لقد تناول الباحثون بعد ذلك الكلام في الشعر والنثر زمنًا، وبدأت نهضة التجديد تقوى وتهيأ لشاعر نابغة حديث يجعل ميدان الشعر مستمر الخصب في الأجيال المقبلة بدل أن يجدب إذا تركه فحول شعراء الزمن الحاضر. هذا، وتلك لم تكن كما قدَّمنا إلا حفلة تكريم، ولم يُقصد منها لأكثر من الاعتراف لشوقي بالمكانة الشعرية السامية التي له، ما بالك إذنْ بما يكون من أثر المؤتمرات العلمية يجتمع إليها رجال الشرق العربي من أطرافه المختلفة يُلقي كلٌّ منهم رأيه متأثرًا بالوسط والمناخ الذي يعيش فيه! إنه بهذا الرأي وما حوله من بحث لَيَنفخ روحًا من التفكير جديدًا في البلاد الأخرى المختلفة الوسط والمناخ عنه، ثم إنه لَيَدعو أهل إقليمه ليشتركوا بقلوبهم معه تدفعهم عاطفة الإعجاب أو النقد له، ويحفزهم الأمل في أن يكون فخارًا لوطنهم بين أهل هذه الأوطان الشقيقة جميعًا.

فليس جمهور مصر وحده هو الذي سيفيد ويتحرك إذا عُقد المؤتمر الشرقي العربي في مصر. ولو أن هذا المؤتمر عُقد في بلد آخر واشتركت مصر فيه، لكانت عناية الجمهور المصري بأثره هي بعينها عنايته بآثار المؤتمر الذي يُعقد هنا بين أظهُرنا، وإذنْ فسيمتد النشاط العقلي الذي ينبعث من المؤتمر إلى أمم الشرق العربي كلها، وسيدور هذا النشاط حول مسائل معينة مشتركة، وسيكون من أثر ذلك أن تقوى الرابطة العلمية والرابطة الفكرية بين أهل هذه البلاد المرتبطة في التاريخ بروابط كثيرة، والمتفقة الآمال للمستقبل اتفاقًا كبيرًا، وإذنْ فسيكون لهذه المؤتمرات من النتائج ما تُوجب على رجال الجامعة وغير رجال الجامعة من المشتغلين بالعلم والبحث القيام بها والدعوة إليها.

ولما كان للمؤتمرات كل ما قدمت من آثار، فليس يخامرني بعد ذلك ريب في أن أصدقاءنا أساتذة كلية الآداب بالجامعة المصرية سيُعنَوْن بالدعوة التي وجَّهتُها إليهم في فاتحة هذه الكلمة وسيعيرونها ما تستحقه من العناية. فعلى العالم واجب البحث العلمي قصد الوصول إلى الحقيقة، والبحث العلمي لا يكفي فيه أن يتوفَّر العالم على مكتبه أو معمله وعلى جهوده الخاصة لاستنباط الآثار العلمية نتيجة هذا التوفُّر، وإنما يقتضي البحث العلمي — فضلًا عن هذا — أن يُقوَّى بكل الوسائل، وأن تُفتح له كل الأبواب، والمؤتمرات هي بعض وسائل قوة البحث وبعض الأبواب التي تزيده عمقًا.

فهل لنا أن ننتظر عما قريب ثمرة هذه الدعوة؟ إن لنا في أصدقائنا الأساتذة المحترمين لَأكبرَ الأمل بأنهم مجيبونا إليها، ولهم من الساعة أن يثقوا بمعونة من يدعونهم لمعاونتهم في الرأي أو في التنفيذ.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.