وفي مقابل التطرف، وردًّا عليه ارتفع صوت آخر، هو صوت العقلانية والعلمانية، وهو ليس بالجديد في حياتنا المعاصرة، ولكن ارتفاعه في هذه الآونة صاحبته شجاعة أدبية فائقة تشهد لأصحابه بالصدق والأمانة، والشعور بالمسئولية، وهو في أصله لا يضمر للدين أي عداء، ولكنه يبغي الفصل بينه وبين السياسة؛ تحريرًا للإرادة في مواجهة مشكلات العصر، ولا شك أنه حقيقة لا افتعال فيها من حيث إنه يعبر عن تيار موجود له حجمه، ولكنه كعلاج للتطرف يعتبر — في رأيي — غير ناجح، وهيهات أن ينتزع من تيار التطرف شابًّا ليضمه إليه بما هو متهم في الجانب الآخر بالإلحاد والعداء للدين، وزاد من موقفه حرجًا من يتسللون إليه من أعداء الدين ممن تجري أقلامهم بكلمات استفزازية خليقة بأن تضاعف حدة التطرف بدلًا من أن تهدهده، كلا، ليس هو العلاج المنشود، ولعل العلاج يوجد في الإسلام الحقيقي كما تدعو إليه جماعة عرفت بالإيمان والاستنارة معًا، وأخلصت للقيم الخالدة إخلاصها للعصر والتقدم، وترى في الإسلام روحًا تصلح لكل زمان ومكان، إذا استغل وسائله القيمة من الاجتهاد والعقل واتساع الأفق، ولم أجد في هذا الفكر ما يهدد سلامة الجماعة في مسيرة تقدمها ونظام حكمها، واقتصادها، ووحدتها الوطنية، واحترام إنسانية المرأة فيها، إنه يَعِد بشق طريق مستقيمة إلى حضارة حديثة مؤيَّدة بقيم ربما تفتقدها الحضارة الغربية نفسها في حاضرها، ويمكن أن يشحن الأبناء بقوة جديدة تهيئ لهم انتماءً صادقًا، وتمدهم بطاقة للعمل والخلق والإبداع، هذا هو الفكر الذي يصلح أساسًا للحوار والدعوة والتربية، وعلينا أن نمكن هذه الجماعة المستنيرة المؤمنة من الهيمنة على التربية الدينية في المدارس والمساجد وأجهزة الإعلام، إنها صوت الإسلام، إسلام العقل والرحمة والعدل والحضارة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.