قضى خالد الأثر جورج بك زيدان منذ سنواتٍ خمسٍ تقريبًا، ولو وقع «الهلال» بين يدي من جهل ذلك لظل واثقًا بأن مُنشِئَ «الهلال» حيٌّ، وظنَّ أنه أوقف نشر رواياته التاريخية حينًا لغرض مقصود، إن محل زيدان الكبير قد ملأه نجله الفتى حتى لم يترك فيه قيراطًا خاليًا، وهذا أحسن ما يقال في وصف الكاتب الذي نقل إلى العربية كتاب «خلق المرأة».

الكتاب مختصر مفيد يبحث في صفحات المرأة وعيوبها، وكأنما مؤلفه مسيو ماريون ينسب كلًّا من سجاياها الحسان إلى طبيعتها النسائية، أما العيوب فيعترف بأنها نتيجة ما ذاقته من ضغط واستبعاد، وقاسته من امتهان وألم، حجب الرجل عنها النور كل هذه القرون فضعف منها الجسم والعقل، ونمت الأنانية وتطرفت قوة الشعور حتى كادت تكون داء، عقلها لا ينفذ إلى ما وراء الظواهر، وذكاؤها «وثاب» لا يصبر على التعمق والاستقصاء، وإدراكها لا يحفل بغير الأشياء السطحية القريبة التي لها بها علاقة ماسة، أما حبها لذاتها فقد ربَّى فيها عيوب الكذب والتضليل والخداع والتظاهر بعكس ما في نفسها لتهدئة غضب الرجل واكتساب رضاه ومحبته، وبعد تقرير ذلك يقول الكاتب إن كل هذه العيوب نتيجة تربيتها الماضية، ويؤكد أن الرجل لو كان مكانها وقاسى ما قاست من امتهان الحقوق والعبودية لكان اليوم دونها منزلة معنوية.

لمَّا قرأت هذا شعرت بأن مسيو ماريون رجل بلا أقل ريب، وأن هذه العيوب التي وجدها عالمنا هذا في المرأة حتى كادت تصبح جزءًا من خلقها، موجودة كلها في خلق الشعوب المستعبدة، فمن ذكاء سطحي لا يتناول إلا القريب المحسوس، ومن تَظَاهُر بما ليس في النفس للمخادعة والتضليل إلى ثرثرة دائمة كانت وستظل أبدًا شعارًا للفكر الضيق والعقل القليل، كلُّ ذلك في أخلاق العبيد، وكيف يُنتَظَرُ غير ذلك من رجال لم يرضعوا إلا لبن العبودية؟ المرأة التي تتربى الشعوب على ركبتيها تطبع الشعوب بطابع نفسها، فإذا كانت عبدة كان ذووها عبيدًا محتقرين، وإذا كانت سيدة حُرَّة قامت أمَّتُها عالية الجبهة بعيدة الغاية؛ لأن الأم أنضجتها لحياة الحرية والفخار.

ومن العجيب أن بعض الرجال يخافون أن تفقد المرأة عيوبها إذا نالت من العلم والتربية نصيبًا، يخافون على ثرثرتها التي دفعت بهم إلى هجر منازلهم إلى البارات والحانات، يخافون أن تتسع مداركها فتوفر عليهم نصف المسؤولية وتساعدهم على قضاء حاجاتهم مُخفِّفَةً عنهم عبء الحياة، يخافون أن تفقد قوة الغش والمخادعة والتظاهر بالبكاء والخوف، كأنَّما هم ينهلع منهم القلب إذا كانوا محبوبين حقيقة لذاتهم ولا يريدون إلا حبًّا ولطفًا وخضوعًا وطاعة بالتمثيل والتخييل، فلذلك يكرهون «النساء العالمات ذوات الشخصية البارزة»، كأنما ليس للمخادع الكاذب من شخصية بارزة!

إن هذه الكلمة التي أراد بها مسيو ماريون التعبير عن شعور بعض المتقهقرين، لا يقولها إلا فئة مخصوصة، وهي التي تكره العالم ولو كان رجلًا مثل مسيو ماريون نفسه، ومن النساء كثيرات يشعرن بمثل ذلك، اقرأ كتب قاسم أمين وأمثاله تعلم أي نوع منهن يكره العلماء، أما أكثرية الرجال فإنها ينشرح منها الصدر وتطرب النفس لارتقاء المرأة ويرضيها باب المسابقة المفتوح، وجهاد المرأة التي كانت بالأمس «شيطانًا جميلًا» و«حيوانًا لطيفًا» يخلق عند أكثر الرجال قوة جديدة للجهاد بينا هو يحبو الحياة معنى أنيسًا ويسكب عليها البسمات فينسى الرجل الكد والتعب ولا يَجِدُ في الجهاد إلا سرورًا، وإذا كان الرجل راقيًا جدًّا قال ما قاله بالأمس جون ستيورت مل، وما يقوله اليوم لويد جورج والدكتور ولسن، وما قاله مسيو ديولا فوا ومركز زوجته العلمي لا يقل عن مركزه، ومسيو كوري الذي عرف الشرقُ والغربُ تفوُّقَ زوجته، الرجل الراقي يسعد بالمرأة العالمة كما سعد أدمون روستان بامرأته، ومكانتها بين شاعرات المغرب تضاهي مكانته بين شعرائه، وكما سعد هرشل الفلكي الشهير بشقيقته كارولينا هرشل التي كانت أكبر مساعد له في أبحاثه وأرصاده، وقد اكتشفت مثله نجومًا وأقمارًا، ويعترف بفضلها اعتراف پول آدم بفضل والدته الشهيرة جولييت آدم التي بثَّت فيه حب الأدب ورفعته إلى مركزه السامي بين كُتَّاب فرنسا، ثم إن النوابغ بين الرجال قليلون جدًّا، فلماذا يخشى الرجال أن تملأ نوابغ النساء الشوارع والمنازل؟ والحقيقة أن اعتراض الرجل ما زال مبهمًا ولو تعمده ناقد لهدمه حرفًا حرفًا.

وأعتقد أن اختلافهما يزول مع الزمن يوم يرتقيان معًا فيريان معاني الحياة متسعة أمامهما، أما الأناقة والكياسة التي يخاف الرجل أن تفقدهما المرأة في العلم والدرس فهو أمر مضحك، تُرى هل يعدم المرء طبيعته إذا قلَّ جهله؟ المرأة تظل امرأة دائمًا سواء كانت متعلمة أو جاهلة، غير أنها إذا ارتقت ارتقت منها مظاهر الأنوثة، وقد لاحظ ذلك كُتَّاب فرنسا في المؤتمر النسائي المنعقد في باريس قبيل الحزب فقالوا إن أجمل أثواب ذلك الفصل وجدت في ذلك الاجتماع، وأفخر البرانيط كانت على رأس الخطيبات اللائي تكلمن مطالبات بحقوق النساء، وأكثرهن من المتزوجات المشهورات بمساعدة أزواجهن وإسعاد ذويهن، إن مسيو ماريون يقول بتعليم المرأة وتثقيفها وفتح جميع أبواب العمل أمامها لأن عندها لذلك الأهلية الكافية، وقال إن صفاتها وملكاتها الفكرية والعلمية تنمو بالاستعمال ولكنه أراد إقفال باب السياسة في وجهها مع أنه اعترف في فصل سابق بوجوب اشتراكها في التشريع وسن القوانين المنوطة بجنسها، يهمنا كثيرًا أن ينال الجنس النسائي حظوة في عين مسيو ماريون وفي عين أترابه العلماء، وأن تحوز المرأة اهتمامهم ورضاهم، ولكن ما العمل وقد شاءت الحياة غير ما يبتغون! فقد فتحت الأمم مجالسها النيابية للنساء وما ارتفعت المرأة في أمة وتبوأت كراسي العلم والقضاء والحكم والنيابة إلا ظهر في ذلك القطر تحسُّنٌ محسوس في حالة الشعب وقلَّ عدد الجرائم وبرزت آثار الإصلاح الذي لا تقدر عليه إلا يد المرأة، فما أسف شعب لارتقاء المرأة الذي حدا به إلى السعادة، وسوف تنال المرأة في المستقبل أكثر مما هي اليوم نائلة.

ولما نطبق كتاب «خلق المرأة» وما يتبعه من تاريخ الحركة النسائية في العالم؛ نرى نفسنا بعيدين عن المرأة الشرقية الذليلة التي ما زالوا يريدونها «حيوانًا لطيفًا»! فنرثي لحالها وحال الشرقيين النائمين الهابطين بهبوطها، وبودي لو أصرخ قائلة: أفيقوا! أفيقوا!

فشكرًا لزيدان أفندي الذي أبرز هذا الكتاب إلى عالم الأدب وفيه صورة جليلة لموقف المرأة ذلك الموقف السامي الذي يشرفها ويشرف الرجل معها، وبه نرى طريق الإصلاح، ومن فصوله ما يحث المرأة المكتفية بالزوزقة والزركشة والثرثرة على العمل، إذ ينبئها بانقضاء وقت الجهل والظلام وبحلول زمن سعادتها بإسعاد الجنس البشري وتحريره بتحريرها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.