في مصر ظاهرات كثيرة تدهش الأجنبي الذي يزورها وتجعله يدعوها بلاد العجائب، وليس السببَ في هذا احتواؤُها على كثير من الآثار الضخمة التي خلَّفها آباؤنا الأولون، كالأهرام وأبي الهول ومعابد الأقصر وما إليها من آثار منبثة على شواطئ النيل من القاهرة إلى السودان، بل لعل معظم السبب في اعتبار مصر بلد العجائب احتواؤها في كل ناحية من نواحي الحياة على أمور ينكر بعضها بعضًا، ويطعن بعضها على بعض، وهي مع ذلك تعيش جميعها معًا، وتتجاور في طمأنينة كما تتجاور الصحراء المجدبة مع الوادي الخصيب، وكما تتجاور الذئاب الضارية مع الحملان الوديعة لا يفصل بينها إلا الكلب الحارس.

والحق أنك تجد في هذه البلاد مخلفات من أجيال شتى تجاور حياة هذا الجيل الحاضر وتزحمه وتحاول أن تقضي عليه، وأقل ما لذلك من أثر اضطراب حياة هذا الجيل الحاضر، فلا يستطيع باحث أن يصور لها حدودًا معينة أو يرسم منها صورة معروفة، وحسبنا هنا أن نتحدث عن مظهرين لهذا الاضطراب العجيب لهما في حياة البلاد أكبر الأثر: العدل والتعليم، وما أظن أحدًا يرى هذه الصورة إلا يقف مشدوهًا وينتهي بأن يقول: حقًّا، إن مصر بلاد العجائب.

العدل يتناول التشريع والقضاء، فإن سألك سائل: ما هو الأساس الذي يقوم عليه التشريع المصري؟ أهو الأساس الإسلامي، أم هو أساس من التشريع الحديث؟! أفتستطيع أن تجيب برأي؟! وإذا هو اختزل السؤال في هذا الوضع الواضح البسيط: هل تشريع مصر ديني أم مدني؟ أفتراك تجد لسؤاله جوابًا واضحًا؟ وإذا هو سألك عن القضاء والهيئة التي تقوم به: ما لون دراستها؟ فإنك لن تكون أسعد في جوابك حظًّا.

أما التعليم فغريب أمره هو الآخر، ليست له وحدة في الغرض والوسيلة، ولا في الطريقة ولا في أيٍّ من المظاهر التي يُعنَى بها الناس في كل أمة من الأمم.

فهناك التعليم الديني في الأزهر والمعاهد الدينية، وهناك التعليم المدني في مدارس الحكومة والمدارس الأهلية، تعليم لا ندري مبلغ اتصاله بالحياة الدينية أو انفصاله عنها، وهناك التعليم في المدارس الأجنبية ذات البرامج المتصل بعضها ببرامج وزارة المعارف، المنفصل بعضها عن هذه البرامج، وهناك تعليم الإرساليات الدينية للبنين ومثله للبنات، وهناك ألوان وشكول أخرى من التعليم تجعل في مصر الشيخ، والأفندي، ولابس الطربوش والقفطان، والفلاح، وما هنالك من عشرات الأزياء المختلفة الأشكال، أفعجب مع ذلك أن يقول الأجنبي إذ يرى هذا كله: إن مصر بلاد العجائب!

والناس هنا قد ألفوا هذا الاضطراب حتى صاروا يحسبونه طبيعيًّا ويحسبون العجب في الوحدة القومية وحدة تبدو مظاهرها في التعليم والتشريع والقضاء، كما تبدو في التفكير وفي الاجتماع وفي مختلف مظاهر الحياة وألوانها، وهم في هذا ينسون أن أمة لا تتحد طرائقها في النظر أمة منحلة الأوصال مفككة العرى، وأن العقيدة الاجتماعية المشتركة لا تكون لها قوتها الحقيقية إِلَّا إذا قامت على أساس من وحدة سليمة في أسس الاجتماع، وفي مقدمتها وحدة التشريع والقضاء والتعليم.

لسنا نريد أن نقترح شيئًا معينًا في أمر هذه الوحدة، ولا نبتغي من هذا المقال أن يكون موضعًا لمناقشة الأسس السليمة التي تقوم عليها هذه الوحدة في مصر، ولكنا — وقد قررنا ما سبق — يجب أن ننادي بأن من أول واجباتنا اليوم أن نزيل كل ما يقف في سبيل التوحيد من عقبات، وإزالة ما يرجع إلينا نحن أهل هذه البلاد ميسور سهل، فالدعاية، والتشريع، والتنظيم بمختلف وسائله، هذه وغيرها من الوسائل في متناول أيدينا متى أردنا أن نلجأ إليها، ولقد استطعنا في كثير من الظروف أن نتغلب على عناصر كان يُظن التغلب عليها مستحيلًا، فأما العقبة التي يجب أن تزول فتلك عقبة الامتيازات الأجنبية في مصر، فقد حالت هذه الحقوق المزعومة دون مصر والتقدم الذي نرجوه في سبيل الوحدة، وما دمنا اليوم بصدد إلغائها فليكن من أول ما يُعنى به مفاوضونا وما نُعنى به جميعًا أَلَّا يبقى أثر للامتيازات باسم الضمانات أو غير الضمانات يمكن أن يعوق دور تنظيم الحياة الاجتماعية وتوحيد مظاهرها في حدود ما يكفل لهذه البلاد غاية ما تصبو إليه من تقدم ورخاء.

ولقد نقلت بعض الأنباء أن من الدول المشتركة اليوم في مؤتمر الامتيازات من تطلب تنظيمًا دائمًا للمنشآت والهيئات الأجنبية في مصر، ولعلها تريد أن تدمج ما تطلبه من ذلك في معاهدة تنظيم إقامة الأجانب بمصر، ولسنا نرتاب برهة في أن هيئة المفاوضة المصرية ترفض ما يطلب من ذلك تمام الرفض، ولا ترضى بما دون السيادة المطلقة لمصر، سيادة لا يصيب الأجانب بسببها حيف أو عنت، ولكن لا يكون لهم بها حق يحول دون حرية مصر في التشريع والتنظيم لمصلحتها العامة ابتغاء تقدمها ورخائها، ولا ريب في أن تمتع الهيئات والمنشآت العلمية والدينية الأجنبية بأي حق أو امتياز هو حد من سيادة الدولة يظل عائقًا في سبيل ما لها من حرية العمل، وليس يجوز لنا أن نقبل لهذه المنشآت امتيازًا أيًّا كان نوعه بحجة أن هذا الامتياز يتفق وما في نفوسنا نحن من تقدير للحرية أو لأي معنى من المعاني، فالمعاني تتغير بتغير الزمان، والآراء في الحرية وفي حقوق الأفراد وحقوق الدولة تتطور ما بين جيل وجيل، وليس من حق جيل أن يقيد حرية الجيل أو الأجيال التي تجيء بعده بوجه من الوجوه قيدًا يتصل بالمبدأ الذي تتعلق به الحياة العامة، بل الواجب على كل جيل أن يترك لِمَنْ بعده حرية الرأي والتقدير في تقرير مصيره على الوجه الذي يراه أكفل بخيره وأعوَد عليه بالفائدة.

ولو أن حقًّا تقرر لهذه المنشآت العلمية الأجنبية يتعدى فترة الانتقال، ثم أرادت الدولة أن تنظم التعليم فيها على أساس لا يتفق وما تقوم به هذه المنشآت، لكان قيامها في بلاد الدولة عقبة كَأْدَاءَ في سبيل هذا التنظيم، ولكان ادِّعاؤها الحرية في نشر آراء تخالف النظام الاجتماعي الذي تريده الدولة لنفسها سببًا في الاحتكاك بينها وبين الحكومة، ولبقيت بذلك حكومة داخل الحكومة كما هو شأن الامتيازات اليوم بوجه عام، ولما كان هذا الواقع جليًّا واضحًا لم يساورنا ريب في أن هيئة المفاوضة المصرية لن تقبل ما جاءت الأنباء بأن بعض الدول تطلبه من حقوق للمنشآت والهيئات الأجنبية في مصر، ولو أن هيئة المفاوضة المصرية فعلت لأقرت بذلك امتيازات مكان الامتيازات، ولفتحت الباب لتطور هذه الامتيازات الجديدة تطورًا ضارًّا بشئون الدولة كما حدث في أمر الامتيازات في الماضي، وما حدث درس وعبرة لا ينساهما مصري عاش تحت نير هذا النظام الذي غلل مصر وألقاها مكتوفة الأيدي والأرجل، كلما حاولت حراكًا نحو حريتها في العمل صدمتها هذه الامتيازات الصدمة الأليمة القاسية.

فلعلنا إذ نفكر في وحدة حياتنا القومية نفكر كذلك في القضاء على كل عقبة تقوم في سبيل هذه الوحدة، ونحن إذ نفعل ذلك نمهد السبيل لإزالة هذا الاضطراب الذي يجعل من مصر بلاد العجائب، والذي يجعلنا مختلفين زيًّا وثقافةً وتفكيرًا، ويجعل من خلافنا سبب تفكُّكنا وعدم تماسك عناصرنا التماسك الذي يهون معه كل شيء في سبيل الإبقاء على وحدتنا.

ووحدة الأمم هي قوامها في الحياة، وهي عدتها في الحرية والاستقلال، وهي الأساس الأول الذي يقوم عليه كيانها في كل عصرٍ وزمانٍ.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.