نعيتَ على كُـتَّاب البيان اختلاف أساليبهم وفخامة تراكيبهم وعدولهم — كما زعمتَ — عن مذاهب السهولة إلى جفوة الأعراب وخشونة البادية، وقلتَ إن اللفظ السهل يخف محمله على السمع، ويسهل جريه على اللسان ووروده على الطبع، وإنه ما ملكت القلوب ولا استرقت الأفهام واختلبت الألباب بمثل اللفظ الواضح المشرق الذي يجلِّي عن نفسه ويشف ظاهره عن باطنه، ويُمهِّد له وطاء الطبع قبل أن تمتلئ منه العين. وهو كلام ليس فيه مساغ للطعن أو مجاز للشبهة، وقد كنت ألومهم معك وأعذرك منهم لو كانوا أثاروا — كما زعمت — مدفون الألفاظ، واستخرجوا مهجور الكلام، ولم تذهب أنت إلى ما هو أبعد من ذلك؛ حيث جعلت النزول إلى درجة البسطاء والانحطاط إلى مرتبة العوام فرضًا على الكاتب واجب الأداء، وقد نسيتَ — صانك الله — أن لكل مقام مقالًا، ولكل طبقة كتابًا، ولكل صحيفة قرَّاءً؛ فإن كان ظني صادقًا وكان قد غاب ذلك عنك، فاعلم وأنت المجرب العارف، والعَوَانُ لا تُعلم الخِمْرَةَ، أن ما تدعوننا إليه لا يقدمنا خطوة وإن كان يؤخرنا عشرًا؛ لأن في الناس العالم والجاهل، والكاتب لا يستطيع أن يولج المعنى أفهامهم على السواء، مهما تبذَّل في أساليبه وتسفَّل في تراكيبه، والرجل لا يكتب ليقرأ كل الناس، ولقد رأيت لك كلمة في البيان في الجمال والحب وأثرهما في الحياة؛ فهل حسبت أن كل قراء البيان قد قرءوها، أو أن كل الذين طالعوها فهموها على قرب منالها وسهولة أسلوبها. وإذ كنت خبيرًا بأسرار الجمال، وكنت عارفًا بموارد الكلام ومصادره، خبيرًا بمحاسنه ومساوئه؛ فهلَّا ذكرتَ أن للفظ المهذَّب والديباجة الأنيقة موقعًا في القلب ومخالطة للنفس، وهل كان عمر بن أبي ربيعة يبلغ من معشوقاته مثل ما بلغ لو كان قال لهن «أحبكنَّ» وسكت؟! وبماذا فتَنَ الناسَ بشارٌ وهو أعمى مشوه الوجه؟ أليس بحلاوة لفظه ورشاقة معناه، وهل ترى للجاحظ إلا لفظًا منضدًا وسياقًا مطردًا وحبكًا جيدًا وكلامًا منسجمًا، وهو مع ذلك من أكابر الكتاب ومشاهير المترسلين؛ فإن قلت ذاك زمان وهذا زمان، قلنا لك إن البلاغة في كل زمان نصفها لفظ؛ لأن اللفظ جسم وروحه المعنى؛ فإذا سَلِمَ المعنى واخْتَلَّ بعض اللفظ كان نقصًا للكلام وهجنة عليه، ولا تجد معنى يختل إلا من جهة اللفظ، واللفظ الرثُّ يفسد المعنى، والشائق من الألفاظ يزينه ولو كان مبتذلًا. انظر إلى قول جرير (ويُرْوَى للمعلوط السعدي):

هذه الألفاظ —كما ترى — أحسن شيء مخارج ومطالع ومقاطع، وان نظرت إلى ما تحتها من المعنى وجدته بسيطًا، وانظر إلى قول بشار:

فهذا كلام فخم جزل، وهو أدل على القوة وأشبه بما وقع فيه من موضع الافتخار، ثم انظر إلى قول لبيد:

فهذا وإن كان جيِّد المعنى والسَّبْك، فإنه قليل الماء والرونق، وكذلك قول النابغة:

فإن ألفاظه ليست جيادًا ولا مبيِّنة لمعناه؛ لأنه أراد: أنت في قدرتك عليَّ كخطاطيف عقف، وأنا كدلو تمد بتلك الخطاطيف، على أن المعنى ليس جيدًا، ولا غنى بالكاتب الذي يريد أن يتفنَّن في ضروب الخطاب ويتبسط في فنون اليراع، ولا الشاعر الذي يحاول أن يملك أعناق المعاني ورقاب الخواطر، ولا الخطيب الذي يريد أن يضع لسانه حيث شاء، عن الاقتداء بالأوَّلين والاقتباس من المتقدِّمين واحتِذَاء مثال السابقين فيما سلكوه من طرقهم ونهجوه من سُبُلهم، والمقلُّ من الألفاظ يعجز عن ذلك. واللفظ — أصلحك الله — زينة المعنى وإن يكن المعنى عماد اللفظ، فليس ينبغي أن تكون الألفاظ غير مشاكلة للمعاني في حسنها ولا المعاني غير مشابهة للألفاظ في جمالها، وما مثل المعنى الرائع في اللفظ المبتذل إلا كمثل المليحة الحسناء في طمر خَلِق، وبراعة الشكل وظرف الهيئة نصف الجمال ونصفه الثاني حسن المُجَرَّد؛ فليست عناية الكاتب باللفظ إلا كعناية الغادة بثيابها، واللفظ أغلى من المعنى ثمنًا وأعزُّ مطلبًا؛ فإن المعاني موجودة في طباع الناس يستوي الجاهل فيها والحاذق، ولكن العمل في الكتابة الأدبية على جودة الألفاظ وحسن السبك وصحة التأليف. ألا ترى لو أن رجلًا أراد في المدح تشبيه رجل لما أخطأ أن يشبِّهه في الجود بالغيث والبحر، وفي الإقدام بالأسد، وفي المضاء بالسيف، وفي العزم بالسيل، وفي الحسن بالشمس، فإن لم يحسن تركيب هذه المعاني في أحسن حلاها من اللفظ الجيد الجامع للرقة والجزالة والعذوبة والطلاوة والسهولة والحلاوة لم يكن للمعنى قدر. وعلى قدر تفاوت اللفظ يتفاوت حسن المعنى. انظر إلى قول المتنبي في استعطافه المشهور:

وقول الآخر:

وقول قيس بن زهير:

وقول الحارث بن وعلة:

وقول العديل:

وقول النميري:

فقد جاءوا بشيء واحد لا تفاضل بينهم فيه إلا من جهة حسن السبك ومن جهة الإيجاز في اللفظ، وهذا مثال آخر. قال النابغة:

وقال أبو نواس:

وقال مسلم بن الوليد:

وقال أبو تمام:

وقال المتنبي وقد خرج إلى غير المقصد الذي قصدوه فأغرب وصار كأنه المبتدع لهذا المعنى:

فأما كون الناس ليسوا كلهم أدباء فلا ينبغي أن نكلِّفهم فَهْمَ ما لا يعرفون فصحيح، ولكن الذنب في ذلك ليس للكاتب الذي يصور ما يتمثل له من الخواطر على الأسلوب العربي الصحيح، بل للذين لا يعلِّمون النَشء علوم اللسان ويقفونهم على أخبار العرب ويروونهم أشعارها وأمثالها، وللذين لو شاءوا لمهروا فيها وملكوا عنانها وتوسطوا باحتها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.