ذكرت الصحف أن كورنيش النيل سيمتد ليصل ما بين حلوان والقناطر الخيرية، وأحسبه بذلك يزيد على ٥٠ أو ٦٠ كيلومترًا، وأنه سيُفتَح للمرور في ٢٣ يوليو المقبل، وقد اغتبطت حين قرأت هذا النبأ، فأنا ممن يرون أن كل شيء في مصر يتصل بالنيل، وأن بروز النيل في كل جلاله وجماله لأبناء مصر يربي فيهم مَلَكات تسمو بهم فوق الاعتبارات المادية التي تجعل النيل مصدر الرزق للمقيمين بواديه، وهذه المَلَكات هي التي طوعت للأقدمين أن يشيدوا المعجزات على شاطئَيْه، فيقيموا الكرنك، وقصر أنس الوجود، ومعبد أبي سنبل، معبد دندرة، وغيرها من المعابد والآثار الكثيرة التي تحدَّتْ الزمن منذ ألوف السنين، ولا تزال تتحداه إلى وقتنا الحاضر.

على أن اغتباطي بامتداد الكورنيش على النيل من حلوان إلى القناطر الخيرية يبعث في نفسي طائفة من الأفكار لا أخفيها على القراء، فالكورنيش وحده طريق جميل ييسر لك أن تنساب بسيارتك مسرعًا محاذيًا النهر الجميل، لكنه لا يتيح لك الفرصة لكي تقف على حافة الماء في أشهر الفيضان وفي أشهر التحاريق، تناجي النهر وتستوحي جماله، وفي النهر أماكن بالغة من الروعة ومن الجمال ما لا نظير له، أفلا يجمل بنا أن نتيح الفرصة للذين يريدون أن تتصل النجوى بينهم وبين هذا النهر العظيم وما حوله من جلال. إن كثيرين يعرفون القناطر وحدائقها البديعة وجمالها الرائع، ويودون لو استطاعوا أن يستمتعوا بهذا الجمال مرة كل أسبوع على الأقل، أفلا يحسن أن نختار على النهر أماكن أقرب إلى العاصمة، ونخلع عليها بعض جمال القناطر الخيرية، لتكون متنزهات ينفس الناس فيها عن صدورهم، يستنشقون هواء النهر، وينعمون بما يضفيه على ما حوله من حياة ونعمة.

لقد رأيت الكثير من أنهار العالم، فلم أرَ كالنيل جمالًا وجلالًا وعظمة، رأيت التيبر عند روما، والسين عند باريس، والتيمز عند لندن، والرون عند ليون، والراين عند كولونيا، كما رأيت دجلة عند بغداد، ونهر الجنج الذي يقدسه الهنود، فلم أرَ واحدًا منها — رغم ما أسبغ الكتَّاب والشعراء عليها من شهرة وجمال — في مثل عظمة النيل وكبرياء جلاله، مع ذلك عني أهل البلاد التي تمر بها هذه الأنهار بأن يتيحوا الفرصة للذين يريدون الاستمتاع بجمالها، فأقاموا على ضفافها في أماكن مختلفة مقاهي أو مطاعم، أو ملاعب يجلس الناس إليها ويقيمون فيها الساعات، كلما حلا ذلك لهم ليسعدوا بهذه الأنهار وبوحيها البارع.

ولا أراني بحاجة لأن أصف شيئًا من هذه الأماكن الجميلة، فلن يغني وصفها القارئ، لكن الذين شهدوها أو شهدوا بعضها يذكرون مبلغ العناية بها وجمال نظامها، أَلَا يجمل بنا أن نصنع صنيع هؤلاء الأقوام، وأن نقيم مع الكورنيش مثل هذه المقاهي، أو المطاعم، أو الملاعب، أو الحدائق ليتمكن المتنزهون على ضفاف النيل من المتاع بوحيه وسحره، ومن إكبار جلاله وعظمته، ومن تقدير ما يسبغه على الوادي من نعمة وبركة، لا في المجال المادي وحده، بل في المجال المعنوي كذلك. لعل الذين عنوا بإنشاء الكورنيش يعنون بإنشاء هذه الأماكن؛ إنهم إن يفعلوا يهيئوا لهذا الشعب وسيلةً من خير وسائل التربية، ومن خير وسائل المتاع، ومن خير أسباب الوحي والإلهام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.