إذا رأيت في النظام السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي شرًّا، واقتنعت بأن إزالته واجبة، وبأن إقرار الخير مكانه أمر محتوم، كان من حقِّك أن تدعو إلى ما ترى، وكان من الواجب عليك أن تُلِحَّ في الدعوى لما ترى، وكنتَ آثمًا في حق نفسك إن كتمت رأيك وأخفيته على الناس، وكنت آثمًا في حق الناس إن لم تَدُلَّهُمْ على مواطن الشر في حياتهم، ولم ترشدهم إلى ما فيه المنفعة والخير.

هذه أوَّلِيَّات يخيل إلى من يقولها أنه لا يقول شيئًا جديدًا، ويخيل إلى من يسمعها أنه لا يسمع شيئًا طريفًا؛ لأن ترديدها قد كثُر بين الناس في جميع العصور، وفي جميع البيئات، حتى سئِمها القائلون والسامعون، ولكنها على ذلك ما زالت غامضة وما زال غموضها مصدر الشر الكثير في حياة الأمم والشعوب، ولعل غموضها مصدر ما نحن فيه الآن من فساد واضطراب. فقد نخطئ في الخلط بين الحق والواجب، وقد نغلو في تقدير هذا الحق وهذا الواجب، وقد يضطرنا هذا الخطأ وهذا الإسراف إلى أن نريد الإصلاح فنُسِيء، ونقصد إلى الهداية فنضل، ونتعمد الإرشاد فنتورَّط في الاعتداء. نقتنع بالرأي فيغرنا هذا الاقتناع، ويخيل إلينا أننا نحن وحدنا المصيبون، وأن غيرنا جميعًا مخطئون. ثم لا نلبث أن يملكنا هذا الغرور ويدفعنا إلى إهدار الحرية. وإذا نحن نحاول أن نفرض آراءنا على الناس فرضًا، وأن نكرههم على ما نحب لهم من الخير إكراهًا. وإذا نحن نزعُم لأنفسنا العصمة ونبرئها من الخطأ، ونقدس آراءنا تقديسًا، ونتخذ الذين لا يشاركوننا فيها ولا يظاهروننا عليها أعداء، ونسير فيهم سيرة الأعداء.

وأنت حين تريد أن تفهم الأزمة التي اضطرنا إليها رئيس الوزراء والذين يؤيدونه؛ لم تجِد لها تفسيرًا غير هذا الغرور الذي يتورط فيه أصحاب الآراء في السياسة والاقتصاد والاجتماع. ظن رئيس الوزراء وأصحابه أن نظامنا السياسي القديم شر؛ لأنه لم يَكُنْ يلائم آمالهم وأطماعهم ومُثُلَهُمُ العليا في الحكم وتصريف الأمور. ورَأَوْا أن في هذا النظام أصولًا يجب أن تُزال، وأن تقر مكانها أصول أخرى، رأوا أن الانتخاب العام المباشر لا يوصلهم إلى الحكم، ولا يضمن لهم كثرة الشعب، ورأوا أن سلطة البرلمان إذا اتسعت وبعُدت حدودها لا تمكنهم من البقاء في الحكم أن أوصلتهم إليه المصادفات، ورفعتهم إليه الظروف، فأرادوا تخصيص الانتخاب وتضييقه. وأرادوا تقييد سلطان البرلمان والقص من جناحه، وحاولوا أن يدعوا إلى ذلك فلم يُفلِحوا، وألحُّوا في المحاولة فلم يستجب لهم أحد، ولم يؤمن لهم إنسان. وكان الإعراض عن معونتهم، والانصراف عن دعوتهم مثيرين لسخطهم على هؤلاء الذين يَدْعون فلا يستجيبون، ويُلِحُّ عليهم في الدعاء فلا يحفلون، وزادهم هذا السخط إيمانًا بآرائهم، وثقةً بها، فألحُّوا فيها وأصروا عليها، وما هي إلا أن اغترُّوا بهذه الآراء، وأسرفوا في الغرور، فاعتقدوا أنها وحدها الحق، وأنها وحدها الخير، وأن غيرها باطل، وأن غيرها شر، ثم أخذوا يفكِّرون ويقدِّرون، وجعلوا يُهَيِّئُون ويدبِّرون، ليفرضوا آراءهم هذه على الناس فرضًا، وليدفعوا الناس إلى آرائهم هذه كرهًا، بعد أن أعياهم الإقناع، ولم يواتِهِمُ الدعاء الهادئ المطمئن.

هنالك أُحكِم التدبير، ووثب رئيس الوزراء إلى الحكم، فثار بالدستور القديم، وفرَّق البرلمان القديم، واستحدث ما استحدث من نظام، وأجرى ما أجرى من انتخاب، وصرف أمور مصر كما يصرفها منذ نهض بالحكم في قوة وعنف، وفي إكراه للشعب على ما يريد هو، وإرغام للشعب على ما يحب هو!

وكانت في أوروبا حركات إصلاحية، ظاهرُها القوة والشدة، فما أسرع ما وجد رئيس الوزراء لنفسه الأشباه والأنداد! وما أسرع ما قارنه أنصاره بموسوليني في إيطاليا، وهم الآن يقيسونه إلى هتلر في ألمانيا! ومع ذلك فلم يكُن رئيس الوزارة يوم ألغى الدستور إلا خارجًا على النظام، مسيئًا إلى القانون، ومسيئًا إلى الأمة كلها. ذلك أن الإصلاح السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، لا ينبغي أن يُفرض على الناس فرضًا، ولا أن تؤخَذ به الجماعات وهي كارهة له مُعرِضة عنه، ولا أن تُرغَم عليه الشعوب بقوة الحديد والنار. بل لا ينبغي للمُصلح أن يمس الذين يريد إصلاحهم بشيء من الأذى قليل أو كثير، حين يُعرِضون عمَّا يُحمل إليهم من إصلاح. وإذا لم يكن بُدٌّ من أن يصيب الأذى في سبيل الإصلاح أحدًا من الناس، فإنما يجب أن يصيب المُصلِحين أنفسهم، ويجب على هؤلاء المصلحين أن يوطِّنوا أنفسهم على احتمال الأذى والتعرُّض للمكروه، بل للموت أحيانًا في سبيل ما يدعون إليه من إصلاح.

وربما كانت هذه الأيام التي تبتدئ العام الهجري الجديد، وتذكر المسلمين بتاريخهم حافلة بالعبر والعِظات لمن أنساهم الغرور، فوجب عليهم أن يتذكَّروا؛ فإن الداعي إلى الإسلام، والمؤسس لهذه الدولة الإسلامية، لم يؤذِ أحدًا، ولم يفرض على الناس دينه فرضًا، ولم يأخذهم بهذا الدين كُرهًا، وإنما دعا الناس إليه رفيقًا بهم، محبًّا لهم، شفيقًا عليهم، ولَقِيَ منهم في سبيل هذا الرفق عنفًا، وفي سبيل هذا الحب بغضًا، وفي سبيل الإشفاق قسوة وعنتًا، وما زال يدعوهم إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادلهم بالتي هي أحسن، فيستجيب له خيارُهم، ويلقاه شرارهم بالبغي والعدوان، حتى ظهرت كلمة الله، وانتشر نورُه، وعَزَّ دينه، فآمن له الثائرون به، والمتنكرون له.

والذين يتمدح رئيس الوزراء بأنه يشبههم، ويسير سيرتهم، لم يثوروا بنظم بلادهم كما ثار رئيس الوزراء بنظام بلاده، فلم يصِل موسوليني إلى حكم إيطاليا إلا بعد أن وصل إلى زعامتها، ولم يصل موسوليني إلى زعامة إيطاليا إلا بعد أن جاهد جهادًا سلميًّا رفيقًا، قوامه الدعوة إلى الخير، والإلحاح في النصح، حتى استجاب له من استجاب، واقتنع برأيه من اقتنع، والتفت حوله كثرة إيطالية مكَّنته من أن يطلب الحكم ويظفَر به، ويخلق إيطاليا خلقًا جديدًا، ولم يصِل هتلر نفسه إلى حكم ألمانيا إلا بعد أن دعا إلى رأيه وأقنع به والتفَّت حوله هذه الكثرة التي أظفرته بالانتخاب فاضْطُرَّ رئيس الجمهورية الألمانية إلى أن يلقي إليه أَزِمَّةَ الحُكم، وكان يأباها عليه، ويذوده عنها في شدة وإصرار. بعيد جدًّا ما بين رئيس وزرائنا وبين المصلحين الذين يستحقون أن يُوصَفوا بهذا الوصف؛ فهو لم يجاهد في نشر رأيه، ولم يلح في الدعوة إليه، ولم يَلْقَ في ذلك شيئًا من الأذى، ولم يتعرَّض في ذلك لشيء من المكروه، وإنما هُيِّئَتْ له الأسباب، ودُبِّرَتْ له الأمور، ثم أُجلِس على كرسي، وأُعطي أَعِنَّةَ الحكم، وقيل له انطلق فانطلق أمامه لا يأتي على شيء إلا عصف به عصفًا، وعبث به ألوان العبث، وهو على هذا كله لم يكتفِ بأن تتهيَّأَ له الأمور في غير جهد ولا مشقة، بل أخضع أمته لضروب الجهد وألوان المشقة، فعكس الآية، وآثر نفسه بالراحة في سبيل الإصلاح، وآثر أُمَّتَهُ بالشقاء والعناء في سبيل ما يراه إصلاحًا!

ولهذا لم يُوَفَّقْ رئيس وزرائنا إلى شيء، ولم يصلح رئيس وزرائنا شيئًا، وسينزل رئيس وزرائنا عن الحكم فلا يبقى له في هذه الأمة أثر إلا هذه الذكريات المؤلمة، التي تصور ما صب على أمته من عذاب، وما أنزل بأمته من شر، فأما السياسة التي فرضها فلن تستقر بعد أن ينزل هو عن السلطان؛ ذلك لأنه وصل إلى الحكم قبل أن يُكَوِّنَ لنفسه هذه القوة الشعبية الصادقة، وصل إلى الحكم قبل أن يُقنِعَ الناس بآرائه في الإصلاح، وكان يجِب أن يكون وصوله إلى الحكم نتيجة لسعيه لا مقدمة له.

سيستقيل صدقي باشا أو سيقال، فينحل من حوله كل شيء، ويتفرق من حوله كل إنسان، وتعود الأمور بعده كما كانت قبله. أما المصلحون حقًّا، فقد اعتزلوا الحكم، بل فارقوا الحياة وبَقِيَ إصلاحهم! وقَوي بعدهم، واتَّسع سلطانهم؛ لأنهم لم يسلكوا إلى إصلاحهم هذه الطريق التي سلكها رئيس الوزراء، ولم يُؤثِرُوا أنفسهم بهذا الخير الذي آثر به رئيس الوزراء نفسه. فما أجدر الذين يُفكِّرُون في الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، أن يتعظوا بهذا الدرس القاسي الذي تلقيه الأيام على رئيس الوزراء، وأن يعلموا أن الأمم لا تُكرَه على الخير إكراهًا، وإنما تقنع به إقناعًا، وتُرغَّب فيه ترغيبًا، وأن الله — وقد استأثر وحده بالكمال، واستأثر وحده بالقوة والسلطان — لم يُكرِه الناس على الخير، ولم يدفعهم إليه بالشدة والعنف، وإنما أمر نبيَّه أن يدعوهم إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يدفعهم إليه بالحجة والعِبرة، وأن يحتمل في سبيل ذلك ما احتمل من الأذى، ويصبر في سبيل ذلك على ما صبر عليه من مكروه.

أفيؤثر الله الرحمة واللين، والدعوة إلى الخير بالتي هي أحسن، ويأبى الناس إلا أن يُكرِهوا الأمم والشعوب على ما لا تريد؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.