لم تنتشر في الجو الوزاري كما انتشرت في هذه الأيام، فأصدقاء الوزارة وأولياؤها يظلمون أنفسهم ويعبثون بعقولهم، أن زعموا أن جو الوزارة هادئ لا اضطراب فيه، صافٍ لا يشوبه كدر، وهم يظلمون أنفسهم ويعبثون بعقولهم، إذا لم يعترفوا بأن الوزارة قد ضاقت بها السُّبُل، وأخذت من كل مكان، وفسد الجو الذي تعيش فيه، وهي محصورة من كل ناحية، قد اضطرت إلى أن تقف موقف الدفاع، وموقف الدفاع الذي يستميت صاحبه ويستيأس، حتى لا يتحرَّج من الميل إلى الاستعانة بالعزائم والطلاسم والرُّقَى، وزيارة الأضرحة، والتعريج على قبور الأولياء.

ولقد كانت الوزارة في وقت من الأوقات تُظهِر شيئًا من القوة والبأس، ومن المنعة والبطش، وتزعم للناس، ويزعم معها الأصدقاء والأولياء، أن خصومها من المعارضين يتجنَّون عليها، ويثورون بها، ويقولون فيها غير الحق، ويغرون بها الناس، فكانت تهاجمهم مهاجمةً متصلة، وكانت تغري نفسها بهم، وتسلِّط صحفها عليهم، وتتجاوز في هذا كله حدود الدستور والقانون، فتعتدي على الحرية، وتمنع خصومها من القول ومن الانتقال، وتعتدي على القانون، فتحظر على الخصوم حتى النقد المعقول المباح، وتبيح للأصدقاء والأولياء لا ما يأباه القانون وحده، بل ما تأباه الأخلاق أيضًا! وكانت حجَّة الوزارة في ذلك، حماية النظام، ومنع المعارضين أن يثوروا به، أو يعتدوا عليه! أما الآن فقد أحيط بالوزارة، واشترك في التنكُّر لها أولياؤها وأصدقاؤها أنفسهم!

فهذا مجلس النوَّاب، لا يخرج من استجواب حتى يدخل في استجواب آخَر، وهذا مجلس الشيوخ ينفضُّ دون أن يقرَّ ميزانية الأشغال، ويؤجِّل هذه الميزانية أسبوعًا كاملًا، مع أن حاجة الوزارة كانت شديدة، ومع أن ضرورة الوزارة كانت ماسة إلى أن تقرَّ الميزانية أمس، ليقضي مجلس الوزراء في عطاءات جبل الأولياء، إن لم يكن قد قضى فيها بالفعل.

لقد لاحظت الأهرام، وألحَّتْ في الملاحظة، ولاحظت الصحف معها، وألحَّتْ في الملاحظة أيضًا، أن الوزارة تتعجَّل أمر جبل الأولياء، وتريد أن تقضي في عطاءاته قبل أن يقرَّ مجلسُ الشيوخ اعتمادَ هذا المشروع في ميزانية الأشغال! وأخذ الناس يتساءلون عن مصدر هذه العجلة، وفي الوقت سعة، وأخذوا يتساءلون عن مصدر هذا التجاوز لمجلس الشيوخ، والدستور القائم نفسه لا يبيح للحكومة أن تتجاوزه أو تتخطاه، ووضعت الوزارةُ أصابعها في آذانها، فلم تسمع لأحد، ولم تُجِبْ أحدًا، وسافَرَ رئيس الوزراء، فاستراحَ خمسة أيام، كثرت أثناءها أحاديث الناس، حتى قال القائلون، وأرجف المرجفون، وزعم الزاعمون، أن أمر جبل الأولياء قد قضي فيه، وأن الشركة التي أقرَّتِ الوزارةُ عطاءَها، قد تلقَّتْ من وزير الأشغال إذنًا بالعمل، ولما يجتمع مجلس الشيوخ ليقرَّ الاعتماد، ولما يجتمع مجلس الوزراء للنظر في العطاءات!

وسألت الكوكب مرة ومرة عن أحاديث المتحدثين، وأراجيف المرجفين، وطلبت الكوكب مرة ومرة إلى الحكومة أن تكذِّب هذه الأنباء، ولكن الوزارة وضعت أصابعها في آذانها، فلم تسمع شيئًا، وشدَّتْ لسانها بتسعة فلم تقل شيئًا!

واتصلت الأحاديث، وانتشرت الأراجيف، وما أقبح الأحاديث والأراجيف، حين تتصل بالعطاءات وما يشبه العطاءات مما يمس المال. وفي أثناء هذا كله ظهر أحد المقاولين شاكيًا، ملحًّا في الشكوى، يعرض أمره على وزير الأشغال حينًا، وعلى رئيس الوزراء حينًا آخَر، ثم ينتهي به الضيق إلى أن يطلب إلى صدقي باشا في كتاب نشرته الصحف، ولم يخلُ من عنفٍ صريحٍ، ومن تلميحٍ بالنذير، أن يعرض شكاته على مجلس الوزراء.

ثم يضطرب الأمر في مجلس الشيوخ نفسه، فإذا لجنته المالية تُنكِر على وزارة الأشغال أمورًا خطيرة في ميزانيتها، وإذا أحاديث تشاع وتذاع، عن استقالة من هذه اللجنة، واسترداد لهذه الاستقالة، حتى يفسد الجو حول وزارة الأشغال فسادًا قبيحًا حقًّا، ثم يجتمع مجلس الشيوخ مساء أمس، فإذا اجتماعه لا يصفي الجو ولا ينقِّيه، وإذا أحاديثه ومناقشاته لا تردُّ إلى الوزارة طمأنينةً ولا هدوءًا، وإذا هو يتفرَّق ولما يقر هذه الميزانية التي كثرت حولها الأحاديث، وانتشرت حولها الأراجيف، وإذا مجلس الوزراء الذي يجتمع اليوم بين اثنتين: إما أن يقضي في هذه العطاءات فيتخطى مجلس الشيوخ، وحقه الدستوري في إقرار الاعتمادات المالية قبل أن تبدأ الحكومة في إنفاقها، وإما أن يُرجِئَ هذه العطاءات حتى يجتمع مجلس الشيوخ بعد أسبوع، وإذًا فيسافر رئيس الوزراء ولما يقضِ المجلس في هذا الأمر الخطير، وإذًا فقد يَأْبَى مجلس الشيوخ أن يقرَّ الميزانية في جلسته المقبلة، ويعجز الوزراء كما عجزوا أمس عن ضبطه وتسييره وتتفرَّق الأمور!

هذا ولم نُشِرْ إلى ما قد يحدث من غضب وسخط لإرجاء هذه العطاءات التي كانت الوزارة تدفع إلى إقرارها دفعًا. فإذا لاحظْتَ مع هذا كله أن ميزانية وزارة الأشغال قد اختُلِسَتِ اختلاسًا من مجلس النوَّاب، وخرجت منه إلى مجلس الشيوخ، ولما يصوِّت عليها عدد قانوني! عرفتَ أن الوزارة تعيش في جو جديد، أقل ما يُوصَف به أنه خانق، وأن الكهرباء قد انتشرت فيه إلى حدٍّ لم يُعرَف من قبلُ في تاريخ هذه الوزارة القائمة! وأنتَ إذا لاحظْتَ الصلة بين الوزارة والبرلمان، وذكرْتَ ما أعلنه زعيم المعارضة الرسمية في مجلس النوَّاب، من أن المجلس مسئول أمام الوزارة، بدل أن تكون الوزارة مسئولةً أمام المجلس، وذكرتَ أيضًا أن من النوَّاب مَن تمدح بأن رئيس الوزرء واثق به، وراضٍ عنه، وذكرتَ أيضًا ما نشهده دائمًا من سبق النوَّاب والشيوخ إلى ما تريد الحكومة، وإلحاحهم عليها في تحقيق هذا الذي تريد، لم تملك نفسك من أن تلاحظ في المجلسين الآن، انتقاضًا ظاهرًا على الوزارة، وأن هذا الانتقاض لا يخلو من خطر، وإنه لم يَجِئْ عفوًا، ولم يحدث دون أن تكون هناك بواعث واضحة أو غامضة، تدفعه إلى أن يظهر ويأخذ هذين الشكلين المختلفين، شكل الاستجواب في مجلس النوَّاب، وشكل الاعتراض على ميزانية الأشغال في مجلس الشيوخ.

من حديث الأطفال إذًا أن يُقَال أن كل شيء هادئ في جو الوزارة، وأن النوَّاب اليومَ طيِّعون كما كانوا بالأمس، وأن الشيوخ اليوم مذعنون كما كانوا بالأمس، من حديث الأطفال أن يقال هذا الكلام، ولا بد من أن يعترف الوزراء وأولياؤهم بأنهم يَحْيَون الآن حياة ضيقة، في جو خانق، ويقضون وقتًا من أعسر الأوقات التي قَضَوها منذ نهضوا بأعباء الحكم.

وكانت أعراض هذا الشعور ظاهرةً ظهورًا واضحًا جليًّا أمس على الوزراء في مجلس الشيوخ، فلم يكونوا موفَّقين فيما قالوا، ولا ما فعلوا، وإنما كان منهم المضطرب، ومنهم المتهافت، ومنهم الضعيف. وما ظنُّكَ بوزير الأشغال، وهو يقرأ على المجلس فصولًا كتبَتْها الصحف، ويحاول الردَّ عليها، حتى ينبِّهَه بعض الأعضاء، إلى أن هذا ليس من شأن المجلس، ولا من شأن الوزراء!

وما ظنُّكَ بوزير التقاليد وهو يدافع عن الاستثناء، فيُسكِته عضو من أعضاء المجلس قائلًا: إن كفاية الموظف هي الأصل، فمَن فقَدَ الكفاية فقَدَ عمله.

لم يكن الوزراء موفَّقين فيما قالوا، ولا فيما فعلوا، ولم يكونوا قابضين على أعِنَّة المجلس أمس؛ لأن قدرتهم على المقاومة، وقوتهم على الهجوم، واستعدادهم للقاء الطوارئ، كل هذا قد ضَعُفَ في نفوسهم، وهو إنما ضَعُفَ في نفوسهم لأن الجو من حولهم قد فسد، ولأن الأرض من تحت أقدامهم قد أخذ يصيبها الاضطراب!

والظاهر أن العدوى قد سَرَتْ من مجلس النوَّاب إلى مجلس الشيوخ، فصُودِرَ الأعضاء، ومُنِع بعضهم من الكلام، وأُمِرَ بعضهم بتخفيض الصوت، ولم يتردد بعضهم في أن يصيح مغضبًا إنكم تعاملوننا هنا كما يُعامَل زملاؤنا في مجلس النوَّاب! كأنَّ النوَّاب قد أصبحوا مضرب المثل في قبول ما تلقاهم به الرياسة من الأمر والنهي وإلقاء الدروس، ثم تريد رياسة مجلس الشيوخ أن تقف المناقشة وقد سنحت الفرصة لتقرير الميزانية، وإخراج الوزارة من مأزقها، ولكن قومًا يَأْبَون إلا أن يتكلموا، فإذا مُنِعوا من الكلام تفرَّقوا وتفرَّقَ معهم أصحابهم، ونظرت الرياسة فإذا العدد غير قانوني، وإذا إمضاء الميزانية أمسِ مستحيلٌ.

والغريب أن رياسة مجلس الشيوخ، لم تَسِرْ في هذه المسألة سيرة الرياسة في مجلس النوَّاب، فلم تمضِ الميزانية على قلة الأعضاء، ولكنها أجَّلَتْها أسبوعًا كاملًا، نزولًا عند إرادة الدستور والنظام، ولأمر يريده اللَّه، ويجري به قضاؤه الذي لا مردَّ له.

ثم تزعم الصحف الوزارية أن أمور الوزارة تجري على خير ما تحب، وأن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى ولا أثبت ولا أضمن للبقاء مما هي اليوم!

أما نحن فلا نتعجَّل الحوادث، ولا نسرف في التفسير لحركات النوَّاب المستجوبين، ولا لحركات الشيوخ المتمردين، ولكنَّا نسمح لأنفسنا بالشك في أن رئيس الوزراء سيبرح الأرض قبل أن يستقيل، أو في أن رئيس الوزراء سيطيل الإقامة في أوروبا قبل أن يستقيل.

ذلك لأن كل شيء حول رئيس الوزراء قد فسد، حتى اتصال أنصاره به، وإذعانهم له، وإذا فسد الجو السياسي إلى هذا الحد، لم يَبْقَ صالحًا للحياة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.