أذاعتها بعض الصحف منذ أيام حول المؤتمر الوطني الذي يريد الوفد أن يعقده في الأسابيع المقبلة، والذي يلقاه المصريون مغتبطين به، مسرعين إليه، حراصًا أشدَّ الحرص على أن يكون الاشتراك فيه عامًّا، شاملًا، مصورًا أصدق تصوير لإيمان الشعب المصري بحقه واحتفاظه بكرامته، وجدِّه في تحقيق آماله، وإصراره على أن تتحقق هذه الآمال في غير لعب ولا لهو، وفي غير تهاون ولا تفريط.

ولم تصدر دعوة الوفد إلى المؤتمر بعد، ولم يعين رئيس الوفد اليوم الذي يبدأ فيه اجتماع المؤتمر، ولا المكان الذي تنعقد فيه اجتماعاته، ولم ينشر رئيس الوفد برنامج أعمال المؤتمر، ولا أسماء الذين سيخطبون فيه، ولا الموضوعات التي سيتناولها الخطباء. ولم يزد رئيس الوفد وأعضاؤه على أن آذنوا المصريين بأن الوفد سيدعو إلى مؤتمر يدرس شئون مصر العامة، وطلبوا إلى الوفديين في لجان الوفد المختلفة أن يرسلوا عنواناتهم إلى سكرتيرية الوفد في مدة كان آخرها أول أمس، ومع ذلك فقد وجم الوزاريون وأشباه الوزاريين لنبأ هذا المؤتمر، وضاقوا به أشد الضيق، وكتبت صحف الوزارة غير مرة تنكر التفكير فيه، والدعوة إليه، وتراه ضربًا من ضروب الشغب وفنًّا من فنون المظاهرات التي يخشى منها على الأمن، ويخاف منها على النظام.

ولم يحفل الوفد ولا الوفديون بهذا السخف الذي هَذَتْ به الصحف الوزارية؛ فقد مضى الوفد في استعداده للمؤتمر، ومضى المصريون في إرسال عنواناتهم وطلب اشتراكهم فيه حتى زادت الطلبات التي انتهت إلى الأستاذ الكبير مكرم عبيد على عشرة آلاف.

هنالك ولدت هذه الإشاعة الظريفة التي نريد أن نتحدَّث عنها، فأذاعت بعض الصحف أن رأي الوزارة قد استقرَّ على منع اجتماع المؤتمر، ورفض الإذن به، إذا طلب إليها هذا الإذن.

أذيعت هذه الإشاعة في صحيفة من صحف الصباح فلم يلتفت إليها أحد، ثم أذيعت في صحيفة من صحف المساء فلم يحفل بها أحد، ثم انتشر الدعاة والمرجفون من الوزاريين يتحدثون بها في المجالس، وينقلونها في الأندية المختلفة، فلم يُعْنَ بها أحد.

وأكبر الظن أن الصحف التي أذاعتها ستعود إلى إذاعتها، وأن المرجفين الذين تحدثوا بها سيُصِيبون في حديثهم، وليس من شك في أن المصريين الذين أعرضوا عنها سيمضون في إعراضهم عنها؛ ذلك أن هذه الإشاعة مهما يلح فيها الملحون خليقة بالإعراض حقًّا، بل خليقة بالازدراء؛ فقد تعزم الوزارة على ما تريد أن تعزم عليه، وقد تقرر الوزارة ما تريد أن تقرره، وقد تقسم الوزارة جهد أيمانها أنها مانعة هذا المؤتمر من أن يجتمع، حائلة بين أعضائه وبين أن يلتقوا، فكل ذلك لن يغير من رأي الوفد شيئًا، ولن يمحو من قرار الوفد حرفًا، ولن يصرف عن الاشتراك في المؤتمر مصريًّا؛ لأن الوفديين لم يتعودوا مثل هذا الخوف، ولم يألفوا مثل هذا الانزعاج مما يذيع الوزاريون أن الوزارة تريد أن تفعل أو مما تعلن الوزارة أنها ستفعل، إنما الوفديون قوم يرون الرأي ثم يمضون فيه، ويتخذون القرار ثم ينتهون إلى تنفيذه لا يردهم نذير، ولا يُخيفهم وعيد، ولا يَثنِيهم عن همِّهم إرجاف المرجفين.

والوزارة تعرف منهم ذلك حقَّ المعرفة؛ فكثيرًا ما أذاع الوزاريون وأشاعوا فلم يحفل الوفديون بإذاعة ولا بإشاعة، وكثيرًا ما أنذرت الوزارة وأوعدت فلم يسمع الوفديون لنذير ولا لوعيد. ونظن أن الوزارة لم تنسَ بعد أنها نهت المحامين عن بعض الشيء فلم ينتهوا، وأنها أمرت المحامين ببعض الشيء فلم يأتمروا، وأنها أصدرت للمحامين قانونًا فلم يذعنوا؛ لأنهم لم يؤمنوا بأن هذا القانون دستوري.

وإذن فالوفديون لا يؤمنون بأن من حق الوزارة أن تمنعهم من الاجتماع إذا أرادوا أن يجتمعوا في حدود الدستور والقانون، وإذن فإشاعة الوزاريين أن الوزارة ستمنع هذا الاجتماع لغو لم يتعوَّد الوفديون أن يسمعوا له، أن يحفلوا به، أو يشفقوا منه، وإذن فإنذار الوزارة نفسها إن صدر عنها هذا الإنذار بأنها ستمنع الاجتماع لن يصرف الوفديين عن الجد في سبيله؛ لأنهم لا يرون للوزارة الحق في أن تمنع اجتماعًا يريده المصريون في حدود الدستور والقانون، والوزارة لم تصدر بعد هذا النذير، ونظنها أذكى من أن تصدره، وهي لا تعرف من أمر هذا الاجتماع إلى الآن إلا أن الوفديين يريدون أن يعقدوه، والوزارة أمهر من أن تتحمل الحوادث ومن أن تتورط فيما لا ينبغي لها أن تتورط فيه؛ فليس أحد يعلم كيف تكون الظروف السياسية في الشهر المقبل حين يهمُّ الوفد بعقد المؤتمر، وليس أحد يعلم أتبقى الوزارة في الحكم إلى هذا الوقت أم تصرف عنه، وليس أحد يعلم أتملك الوزارة من تصريف أمور السياسة إذا بقيت في الحكم مثل ما ملكت إلى الآن، أم تتغير من حولها الظروف. أفترضى بعض ما كانت تأبى، وتأبى بعض ما كانت ترضى، ويترك تسيير أمور السياسة العامة، يسلك طرقًا غير التي سلكها إلى الآن؟

والوزارة نفسها تريد أن تعقد اجتماعات في الإسكندرية يخطب فيها الوزراء وأنصار الوزراء، ويتحدث الوزاريون بأن لأحزاب الوزارة لجانًا يريدون أن يطلبوها، وبأن لهم آراء يريدون أن يتحدثوا فيها إلى الناس في خطب يلقونها فيها دفاعًا عن سياسة الوزارة وفيها رد على نقد المعارضة، وفيهما ما توحي به التقاليد، إلى وزير التقاليد وما توحي به الكياسة إلى وزير الزراعة، وما توحي به اللياقة والعظمة إلى غيرهما من الوزراء؛ فقد لا تسمح الظروف الجديدة بأن تبيح الوزارة لنفسها ما تحرم على غيرها، وقد لا تسمح الأيام المقبلة بأن يُباح الاجتماع والخطب، وتنظيم اللجان، للقلة الضعيفة من المصريين، ويحظر الاجتماع، والخطب، وتنظيم اللجان على الكثرة الضخمة من المصريين.

والوزارة أذكى من أن تخدع نفسها بأن أيام الوزارات صفو كلها، وبأن سفن الوزارات تجري دائمًا على بحر هادئ مستقر، وفي ريح طيبة مواتية، وتنسى أن البحر قد يضطرب، وأن الريح قد تعصف، وأن السفينة قد تحتاج إلى كثير جدًّا من المهارة لتسلم من اضطراب البحر وعصف الريح.

وإذن فالذين أشاعوا أن الوزارة ستمنع اجتماع المؤتمر لم ينصحوا للوزارة ولم يحسنوا إليها، وإنما همُّوا أن يورِّطوها فيما يحسُن بهما ألا تتورط فيه، وهم مع ذلك لم يوفقوا إلى ما حاولوا من تخويف الوفديين أو صرفهم عن المؤتمر؛ فالوفديون لا يعرفون الخوف والوفديون لا ينصرفون بهذه السهولة وهذا اليسر عما يريدون.

فلتطمئن الوزارة، وليطمئنَّ الوزاريون، فسيجتمع المؤتمر وإن كان اجتماعه أذًى في بعض الأجواف، وغصة في بعض الحلوق، وخطرًا على بعض الذين يعملون في السياسة وليسوا من السياسة في شيء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.