في عام ٢٠٠٣، سافرت مارلين زوك إلى جزيرة كاواي — إحدى جزر هاواي — ولاحظت شيئًا غريبًا للغاية: سكونًا مقلقًا؛ فقد غاب صوت الصرصرة وصمتت صراصير الليل.

أنثى صرصور الليل من نوع تليوجريلس أوشياناكس.
أنثى صرصور الليل من نوع تليوجريلس أوشياناكس.

تدرس زوك صراصير الليل في جزيرة كاواي منذ عام ١٩٩١، وفي ذلك الوقت كانت هذه الحشرات مزعجة ومنتشرة بأعداد كبيرة على حدٍّ سواء، لكنها كلما كانت تعود إلى الجزيرة، كانت تَقِلُّ الأصوات التي تسمعها لتلك الحشرات. وفي عام ٢٠٠١، لم تسمع سوى صوت ذكر واحد، ومع حلول عام ٢٠٠٣ أصبح الصمت تامًّا.

لكن صراصير الليل لم تختفِ؛ إذ كانت زوك تقوم بجولات للمشي ليلًا وترى حشودًا منها على ضوء مصباح مثبَّت برأسها. بل على النقيض، فقد زادت أعدادها عن ذي قبل. كل ما في الأمر أنها توقفت عن الصياح. وعندما شَرَّحَت زوك بعضها، اكتشفت سبب ذلك.

تُصدِر ذكور صراصير الليل صيحاتها عبر تكوينَيْن على ظهور أجنحتها: عِرق به عدة أسنان تفصل بينها مسافات متساوية (المَبرَد)، وضلع بارز (المكشطة). عندما يحكُّ صرصور الليل هذين التكوينَيْن معًا يُحدث تأثيرًا يشبه الصوت الناتج عن تمرير ظفرك على أسنان مشط. لكن لدى جميع صراصير الليل الصامتة في جزيرة كاواي كان المبرد ينمو بزاوية غريبة ويوشك على الاختفاء. وكانت أجنحتها مسطحة.

أدى هذا التغيير إلى إعاقة إصدار تلك الحشرات لأصوات المغازلة، لكنه على الأرجح أنقذ حياتها؛ ففي تسعينيات القرن العشرين اكتشف فريق زوك أن جميع صراصير الليل تتعرض للاستهداف من قِبَل ذبابة طفيلية، تشق يرقاتها طريقها داخل أجسادها وتلتهمها حيةً. يعثر هذا الذباب على صراصير الليل عبر الاستماع إلى صيحاتها، ويحقق هدفه بمنتهى الكفاءة، حتى إنه في أوائل التسعينيات كان ثلث ذكور الصراصير قد تم غزوه من قِبَل هذا الذباب. ومع حلول عام ٢٠٠٢، انخفض تعداد صراصير الليل انخفاضًا شديدًا، واعتقدت زوك أنها أوشكت على الفناء.

لكن الذكور الصامتة تجنَّبت بِصَمْتِها لفتَ انتباه الذباب، ومع تناسلها وانتشارها حملت معها طفرة الأجنحة المسطحة. ومع حلول عام ٢٠٠٣ كان عدد صراصير الليل قد تضاعف، وفي أقل من ٢٠ جيلًا تحولت من أغلبية مُصدِرة للأصوات إلى أغلبية صامتة. وبهذا، أصبحت تلك الصراصير مثالًا نموذجيًّا كلاسيكيًّا على التطور السريع.

وعقب بضع سنوات اكتشف الفريق حدوث نفس الظاهرة في جزيرة أواهو المجاورة! ففي عام ٢٠٠٥ عثروا للمرة الأولى على أربعة ذكور مسطحة الأجنحة في تلك الجزيرة، وفي عام ٢٠٠٧ كان نصف تعداد الذكور لديه أجنحة مسطحة.

في البداية، اعتقدوا أن طفرة الأجنحة المسطحة ظهرت في جزيرة كاواي قبل أن تنتقل إلى أواهو. كان ذلك منطقيًّا؛ فَلِكَون المسافة بين الجزيرتين لا تتجاوز ٧٠ ميلًا، بدا ممكنًا — بل مرجحًا — أن القوارب أو الرياح الشديدة حملت الذكور المسطحة الأجنحة إلى أواهو. وعندما وصلت إلى هناك تناسلت مع الإناث المحلية؛ ومن ثم انتشرت طفرتها المفيدة.

لكن ليس هذا ما حدث.

ففي دراسة جديدة، اكتشفت الباحثة سونيا باسكول من جامعة سانت أندروز أن هذه الحالة التطورية هي في الحقيقة مثال على التقارب؛ إذ طورت مجموعتا الصراصير — المهددتان بنفس الذبابة الطفيلية — على نحو مستقل أجنحةً مسطحة متشابهة، في نفس الوقت تقريبًا، وفي غضون عدد قليل من السنوات فحسب.

الأجنحة العادية في مقابل الأجنحة المسطحة.
الأجنحة العادية في مقابل الأجنحة المسطحة.

كان أول دليل لاحظته باسكول هو اختلاف شكل أجنحة صراصير كاواي الصامتة عن أجنحة صراصير أواهو الصامتة، ويمكن للمرء التمييز بين المجموعتين بالعين المجردة.

بل وكشفت التحليلات الجينية عن اختلافات أكبر؛ فعلى كلتا الجزيرتين تظهر الأجنحة المسطحة نتيجة لطفرة في جين واحد يوجد في مكان ما على الكروموسوم إكس، لكن كلتا الطفرتين تطورتا على نحو مستقل!

بَحَث فريق باسكول عن واسمات جينية تحيط بطفرة الجناح المسطح وتُورث معها، ووجدوا ما يزيد عن ٧ آلاف منها، لكنَّ عدد الواسمات المشتركة بين مجموعتي الصراصير لم يتجاوز ٢٢. يشير ذلك بقوة إلى تطور طفرتي الجناح المسطح إحداهما بمعزل الأخرى. ويبدو أن الطفرتين نشأتا في «نسخ» مختلفة من الكروموسوم إكس، بل ربما نشأتا في جينات مختلفة أو في أجزاء مختلفة من نفس الجين.

يعلق ناثان بايلي — الذي قاد هذه الدراسة الجديدة (التي شاركت فيها أيضًا زوك) — على ذلك قائلًا: «كان الأمر بمثابة مفاجأة حقيقية! توجد أدلة قوية تشير إلى قدرة التطور على العمل بسرعة البرق كما يقال في الأمثال، لكن معظم تلك الأدلة تأتي من دراسات معملية؛ حيث يمكن التحكم في الظروف على نحو أسهل بكثير. لكن الفريد في تلك الصراصير هو الظهور المتزامن تقريبًا للطفرتين على الجزيرتين.»

ما زال أمام الفريق تحديد الطفرات (أو الجين) المسئولة عن الأجنحة المسطحة، ويرغبون كذلك في معرفة سبب ظهورها وتأثيرها. هل واجهت مجموعتا الصراصير ظروفَ بدايةٍ مختلفة أثَّرت في الطفرات التي حدثت فيهما في النهاية؟ هل يوجد بجينوم صرصور الليل مكانٌ مميز حيث يكون من السهل تطور الطفرات التي تحدد شكل الجناح؟ وهل تؤدي الطفرات إلى ظهور أجنحة مسطحة بنفس الطريقة؟

ستتكشف الإجابات مع الوقت. فكما قدَّم لنا اكتشاف زوك لصراصير الليل الصامتة مثالًا رائعًا على التطور السريع، يصلح للدراسة، فإن هذا الاكتشاف الجديد يقدم فرصة ممتازة لدراسة التطور التقاربي في أول مراحله.

يقول بايلي: «كثير من الدراسات التي تبحث التطور التقاربي تواجه صعوبة تتركز في احتمال تكوُّن الطفرات التي تسبب عمليات تأقلم مماثلة في المجموعات المختلفة منذ فترة طويلة للغاية؛ مما يجعل من الصعب معرفة ما إذا كانت السمات التي تؤدي وظائف مماثلة نشأت على نحو مستقل أم ترجع لأصل مشترك.» كنت قد كتبت عن مثالٍ عن هذا في الأسبوع الماضي، في تدوينة توضِّح كيف اكتشف العلماء منذ عهد قريب أن الطيور الضخمة التي لا تطير مثل النعام والدرميس الأسترالي والروحاء طوَّرت أجسادها الضخمة العاجزة عن الطيران بشكل مستقل بعضها عن بعض.

لكن على أرض جزيرتَي كاواي وأواهو، اكتشفت زوك وزملاؤها مثالًا على التطور التقاربي يحدث في اللحظة الآنية، وهو ما يعلِّق عليه بايلي قائلًا: «إنها فرصة استثنائية.»

The Silence of the Crickets, the Silence of the Crickets by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. May 30, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.