كتب كلاي شيركي في تفسيره السببَ وراء قراره بحظر أجهزة الكمبيوتر المحمولة والهواتف الذكية والأجهزة اللوحية من الصفوف التي يدرِّس لها في جامعة نيويورك: «كان لقراري بالسماح باستخدام الأجهزة التكنولوجية في الصف آثارٌ فعلية ازدادت سوءًا مع مرور الوقت؛ إذ بَدَا أن مستوى الإلهاءات في صفوفي آخذٌ في النمو، على الرغم من أن الأستاذ هو الأستاذ نفسه، ومجموعة المواضيع هي نفسها إلى حدٍّ كبير، وتُدرَّس لمجموعة من الطلاب يتمُّ اختيارهم باستخدام المعايير نفسها تقريبًا كلَّ عام؛ وبَدَا أن التغيير يرتبط أكثر بالانتشار المتزايد والاستخدام المتنامي للأجهزة نفسها، وليس تغيُّرًا فيَّ أو في الطلاب أو في بيئة الفصل الدراسي.»

ويستطرد شيركي في كتابته بأنه عندما ترك الطلابُ أجهزتَهم، «كان الأمر كما لو أن أحدهم أدخل هواءً منعشًا إلى الغرفة؛ فنشطت المحادثات، وعَمَّ شعورٌ بالارتياح بين كثير من الطلاب. فتعدُّد المهامِّ مُنهِك ذهنيًّا؛ وعندما تقوم به باختيارك، فإن طلبَ التوقُّف عنه يكون بمنزلة تغييرٍ مرحَّب به.»

مضى أكثر من عشر سنوات حتى الآن منذ نَشَرَتْ هيلين همبروك وجيري جاي من جامعة كورنيل دراستهما الشهيرة بعنوان «جهاز الكمبيوتر المحمول في المحاضرة»، التي وثَّقَتْ كيف أنَّ استخدام الكمبيوتر المحمول يقلِّل قدرةَ احتفاظ الطلاب بالمواد المقدَّمة في الصف. (هذه التدوينة والتدوينات الأخرى المقتبَسَة فيها تتعلَّق باستخدام أجهزة الحوسبة الشخصية في الصفوف الدراسية التي لم تُدرَج تلك الأجهزة فيها رسميًّا بوصفها وسائلَ تعليمية مساعِدة. بطبيعة الحال، يوجد الكثير من الصفوف الدراسية التي تشكِّل أجهزةُ الكمبيوتر جزءًا من خطة التدريس فيها، ومع ذلك ربما تجدر الإشارة إلى أنه في دراسة «أجهزة الكمبيوتر المحمولة في المحاضرة»، كان أداء الطلاب الذين استخدموا أجهزة الكمبيوتر المحمولة لتصفُّح المواقع ذات الصلة بالصف الدراسي؛ أسوأَ في اختبارات حفظ المعلومات من أداء الطلاب الذين استخدموا أجهزتهم لتصفُّح مواقع غير ذات صلة.) ومنذ ذلك الحين، زادت الأدلة على الأضرار المعرفية التي تسبِّبُها الإلهاءات والمقاطعات وتعدُّد المهام للذاكرة والتعلُّم، وقد قمتُ باستعراض الكثير من الأدلة في كتابي «السطحية» الذي نُشِر في عام ٢٠١٠، وذَكَر شيركي بالتفصيل العديدَ من الدراسات الأحدث، وتتطابق الأدلة مع ما يعرفه علماء النفس التربوي منذ مدة طويلة؛ وهو أنه عندما يتخطَّى حمل الشخص المعرفي — كمية المعلومات المتدفقة في الذاكرة العاملة — عتبةً معينة منخفضةً للغاية، يتأثَّر التعلُّم. لا شيء في هذا الأمر يُنَاقِض ما هو بديهي؛ فلقد جَرَّبنا جميعًا زيادةَ الحمل المعرفي وآثارَه المدمرة.

في وقت سابق من هذا العام، كتب دان روكمور — وهو عالم في مجال الكمبيوتر في جامعة دارتموث — عن قراره بمنع أجهزة الكمبيوتر المحمولة وغيرها من أجهزة الحوسبة الشخصية في فصوله الدراسية:

حظرتُ أجهزةَ الكمبيوتر المحمولة في الفصل الدراسي بعد أن شاع جلبُ الطلاب أجهزتهم إلى الكلية. عندما وضعتُ «سياسة الآداب الإلكترونية» الخاصة بي (كما أُسَمِّيها في منهجي الدراسي)، كنتُ أتصَرَّف وفق شعور غريزيٍّ بناءً على تجربتي الشخصية؛ كنتُ أعرف على الدوام أنه بالنسبة إلى أنواع صفوف علوم الكمبيوتر والرياضيات التي أدرِّسها عمومًا، والتي يمكن أن تنطوي على جزء نظري كبير، يمكن في أحسن الأحوال تجاهُل أيِّ ميزة قد يمكن الحصول عليها من خلال وجود جهازٍ للاستخدام الفوري أو متاح لتدوين الملاحظات كهدف أساسي؛ فنحن لم نسهِّل كتابة الجمل المثقلة بالتعليقات؛ لذلك كانت الفوائدُ المحتَمَلةُ قليلةً، وفي الوقت نفسه كان إغراءُ الإلهاء قويًّا؛ فأنا أعلم أنني أعاني من صعوبةٍ في البقاء مركزًا على المهمة عندما يكون خيارُ الابتعاد عنها بهدوءٍ في أية لحظة متاحًا، وأفترض أن هذا يجب أن يكون صحيحًا بالنسبة إلى طلابي أيضًا.

وعندما تابَعَ روكمور إجراءَ الأبحاث حول استخدام التكنولوجيا في الفصول الدراسية، اكتشَفَ أن الأدلة التجريبية تدعم شعوره الغريزيَّ.

لا أحد يصف شيركي أو روكمور بأنهما من جماعة محطِّمِي الآلات، أو من الأشخاص الذين يَحِنُّون للماضي، أو من المصابين برهاب التكنولوجيا؛ إنما هما باحثان ومعلِّمان رصينان، ومحلِّلان لديهما حماس شديد واحترام لأجهزة الكمبيوتر والإنترنت؛ لذلك انتقاداتهما لاستخدام الكمبيوتر في الفصول الدراسية ذات أهمية خاصة؛ فشيركي — على وجه الخصوص — دائمًا ما كانت لديه نزعة قوية نحو ترك القرارات إلى طلابه حول استخدام الكمبيوتر والهاتف، ولم يكن ليغيِّر رأيَه دون سبب وجيه.

مع ذلك، ومع تنامي الأدلة، فإنه يوجد الكثير من المعلمين الذين يواصلون معارضةَ أي قيود على استخدام الكمبيوتر في الفصول الدراسية لمجموعةٍ متنوعة من الأسباب، وينتقدون أحيانًا زملاءهم الذين يحظرون بالفعل الأجهزةَ الإلكترونية ويصفونهم بأنهم ضيِّقو الأفق أو رجعِيُّون؛ وهنا تبدأ بعضُ الحجج المؤيدة للأجهزة الإلكترونية تبدو مصطنعة. ويرسم ألكسندر ريد — بروفيسور اللغة الإنجليزية في جامعة بافالو — تشابُهًا سخيفًا إلى حدٍّ ما بين أجهزة الكمبيوتر والكتب، قائلًا:

هل يمكننا أن نتخيَّلَ وجودَ درجة في الفنون الحرة يكون أحد أهداف برنامجها هو تخريج طلاب يمكنهم العمل في تعاون باستخدام تكنولوجيا المعلومات/الإعلام والشبكات؟ يمكننا بالطبع، إنها تُسَمَّى اللغة الإنجليزية؛ الأمر فحسب أن تكنولوجيا المعلومات/الإعلام والشبكات تأخذ شكلَ الكتب وغيرها من الوسائط المطبوعة. هل الكتاب إلهاء؟ بالطبع. هل حاولْتَ من قبلُ إجراءَ محادثة مع شخص يقرأُ كتابًا؟ ما رأيك في طالب يجلس في الصف ويقرأ مجلةً أو يدوِّن كلماتٍ في مفكرة أو يحلُّ الكلمات المتقاطعة؟ مع ذلك، فإننا نُصِرُّ بقوةٍ على إحضار الطلابِ كُتُبَهم إلى الصف ونشجِّعُهم على الكتابة.

ويخشى آخَرون من أن وضْعَ قيودٍ على استخدام الأجهزة الإلكترونية — حتى لو كان مبررًا تربويًّا — ينبغي رفضه بوصفه وصاية أبوية، وتقدم ريبيكا شومان — التي تدرِّس في كلية بيير لاكلاد — هذه الحجة:

أمزح أنا وزملائي في بعض الأحيان قائلين إننا ندرِّس لطلابٍ «مدرسيِّين»، ولكن في الحقيقة، إن صادرتُ أجهزةَ الكمبيوتر المحمولة عند باب الفصل، أَلَا «أخلق» بذلك فصلًا «مدرسيًّا»؟ فعلى الرغم من أعمالهم الصبيانية ومزحاتهم الطفولية، فإن طلاب الجامعات بلغوا من العمر ما يمكنهم من التصويت والانضمام للحرب؛ فينبغي أن يكونوا كبارًا بما يكفي ليقرِّرُوا بأنفسهم إذا ما كانوا يريدون أن ينتبهوا في الصف؛ وليواجِهوا العواقبَ إذا لم يفعلوا ذلك.

قدَّمَتْ شومان أيضًا نقطةً ذات صلة، وهي أن المعلمين — وليس أجهزة الكمبيوتر — هم مَن يتحمَّلون المسئولية في نهاية المطاف إذا تشتَّتَ الطلابُ في الصف:

أَتريدُ من الطلاب إغلاقَ أجهزتهم والانتباه لك؟ ضَعْهم في حلقة دراسية أصغرَ حيث يكون حضورهم مهمًّا ومؤثِّرًا بالفعل، واجعلهم ينخرطون بما فيه الكفاية — أو اطرح ما يكفي من الأسئلة بحرية، لو كنتَ في حالة كحالتي — بحيث لا ينجذب الطلاب إلى تثبيت أنظارهم على أجهزتهم في المقام الأول.

تتمثَّل مشكلة إلقاء اللوم على المعلم أو الطالب أو بيئة الصف الدراسي — مشكلة معاملة التكنولوجيا على أنها شيء محايد — في أنه يتجاهل طريقة تصميم البرنامج ووسائط التواصل الاجتماعي بعناية لاستغلال الميل الطبيعي للعقل إلى التشتُّتِ؛ وقد أوضح شيركي هذه النقطة جيدًا، وسأُسْهِب هنا في اقتباس ما قاله:

إن أجهزة الكمبيوتر المحمولة والأجهزة اللوحية والهواتف — الأجهزة التي تسبِّبُ الصراعَ بين التركيز والتشتُّت يوميًّا — تجعل المشكلةَ تزداد سوءًا؛ فلدى أيِّ مصمِّمٍ للبرمجيات، كمجال خدمي، حافزٌ لأنْ يجعلها مُرضيةً بأكبر قدر ممكن، من أجل المنافسة مع مقدِّمي الخدمات الأخرى المشابهة. «انظروا إلى براعتي في وظيفتي! انظروا إلى القيمة التي أقدِّمها!»

هذه مشكلة خطيرة لا سيما مع وسائط التواصل الاجتماعي؛ لأن … المعلومات الاجتماعية باعثة على الاندماج عاطفيًّا وفوريًّا؛ فشكل ومضمون تحديث الحالة على موقع فيسبوك يصرفان الانتباه على نحوٍ لا يُقاوَم تقريبًا، لا سيما بالمقارنة مع الاستذكار الشاقِّ الصعب في الدورات الدراسية. («أشار حبيبك السابق إليك في صورةٍ جمعَتْكما.» مقابل «كانت حرب القرم الصراعَ الأول الذي تأثَّر كثيرًا باستخدام التلغراف.» حدِّدِ الفارقَ.)

الأسوأ من ذلك أن مصمِّمي أنظمة التشغيل لديهم جميع الحوافز كي يكونوا كتجَّار الأسلحة لشركات وسائط التواصل الاجتماعي؛ فأدوات مثل صفافير التنبيه والأزيز والنوافذ المنبثقة والأيقونات وواجهات المستخدِم المعاصرة توفِّر مجموعةً غير عادية من الأدوات الجاذبة للانتباه، وتركِّز خصوصًا على جذب الانتباه، والبشر لا يقدرون على تجاهل المعلومات الجديدة المفاجئة التي تظهر في مجالهم البصري، وهو التأثير الذي يكون في أقوى حالاته عندما تكون الإشارة البصرية إلى الأعلى قليلًا وبجانب المساحة التي نركِّز عليها. (هل يبدو هذا مثل الزاوية العليا اليمنى من الشاشة القريبة منك؟)

قد يكون شكل تحديث الحالة ومحتواه على فيسبوك لا يُقَاوَمان تقريبًا، ولكن عندما يقترن بتنبيه بصري في المساحة المحيطة بمجال رؤيتك المباشِر، فمن المستحيل — فعليًّا وواقعيًّا وبيولوجيًّا — مقاومتُه. إن أجهزتنا البصرية والانفعالية أسرع وأقوى من فكرنا؛ فنحن ميَّالون إلى الاستجابة تلقائيًّا عندما يتلقَّى أيُّ الجهازين تحفيزًا، فما بالك بالاثنين؟! وأنْ تَطلُب من طالب البقاءَ مركِّزًا بينما هو يتلقَّى التنبيهات، كمَن يَطلب من لاعب شطرنج التركيزَ بينما تُقرَع مفاصله بمسطرة على حين غِرَّة.

ليس واجب المعلم أن يعلِّم فحسب، ولكن أيضًا أن يخلق بيئةً مساعدة — أو على الأقل أن يحاول خلْقَها — بالفصل الدراسي لعملية التعلُّم؛ وتجاهُلُ تأثير التكنولوجيا على هذه البيئة ليس في مصلحة الطلاب بتاتًا. إليك بعض ما تقوله آن كورزان — أستاذة اللغة الإنجليزية بجامعة ميشيجان — لطلَّابها عندما تشرح السبب وراء أنها لا تريدهم أن يستخدموا أجهزةَ الكمبيوتر في الصف:

أعلم الآن أنه يمكن لأحدهم أن يقول بأنه اختيارك إنْ كنت تريد استخدام هذه الثمانين دقيقةً للانخراط بنشاط في المادة التي بين يديك، أو كنت ترغب في أداء مهامَّ متعددة. يمكن أن يجادِل المرء قائلًا إنك لا تُزْعِجُ أيَّ شخص وأنت تتابع بهدوء بريدَك الإلكتروني، أو تستعرض موقع فيسبوك. إليك مشكلة هذه النظرية: يمكننا القول إنك في الواقع تدمِّر البيئةَ التعليمية للآخرين، حتى لو كنتَ تفعل ما تفعله بهدوء؛ إذ وَجَدَتْ دراسةٌ نُشِرت في عام ٢٠١٣ أن الطالب الذي يقوم بمهامَّ متعدِّدة في الفصل الدراسي لم يؤدِّ فحسبُ أداءً سيئًا في اختبار ما بعد الصف الدراسي في المادة التي يَدْرُسها، وإنما كذلك فعَلَ أقرانُه الذين كانوا يستطيعون رؤيةَ جهاز الكمبيوتر. بعبارة أخرى، استخدامُ الكمبيوتر المحمول في غير أغراض الصف الدراسي لم يُشَتِّت مستخدِم الكمبيوتر المحمول فحسب، ولكن شَتَّتَ أيضًا مجموعةَ الطلابِ الذين يجلسون وراء مستخدِمه. (وصدِّقني، قد حدث هذا الأمر معي شخصيًّا؛ كنتُ ذات مرة في محاضرةٍ وكانت المرأة الجالسة أمامي تستعرض الأحذيةَ على الإنترنت، ووجدتُ نفسي أفكِّر في لحظة: «لا، ليس هذا الحذاء الوردي!» ولا أتذكَّر شيئًا بهذا القدر من المحاضرة.)

لا تتحكَّم إرادتنا وحدها في انتباهنا، ولكن تتحكَّم بيئتُنا فيه أيضًا؛ فهذا هو تكويننا.

أعتقد أن الجدل حول استخدام الكمبيوتر في الفصول الدراسية أصبح جدلًا دائمًا، وأنه سوف يتجدَّد في سبتمبر من كل عام من جديد. هذا أمر جَيِّد؛ إذ إنها قضية تستحقُّ نقاشًا متواصلًا، ولكن توجد نقطة ربما سيتَّفِقُ عليها الجميع، ومن نقطة الاتفاق تلك ربما ينشأ إجراءٌ بنَّاء؛ إنها نقطة حول التصميم، وذكَرَها شيركي في مقاله:

حقيقةُ أنَّ الأجهزة والبرامج مصمَّمة على نحوٍ احترافي لجذب الانتباه كانت أولَ شيء جعلني أرغب في فرض عدم استخدام الطلابِ الأجهزةَ في الفصل — بدلًا من مجرد اقتراحه. توجد بعض التحرُّكات المضادة في صناعة البرمجيات الآن — برامج تستخدم الشاشة بأكملها لإخفاء الإلهاءات، وبرامج تمنعك من الدخول إلى مواقع معينة أو استخدام الإنترنت على الإطلاق، وهواتف بها وضع «عدم الإزعاج» — ولكن في الوقت الراهن هذه إجراءات دفاعية، وقد انغمس قطاع البرمجيات في سباق كسباق التسلُّح لجذب انتباهِ طُلَّابِي؛ وإذا دخلتُ في مواجهةٍ ضد فيسبوك وأبل، فإني خاسِرٌ.

يمكن تصميم أجهزة الكمبيوتر والبرمجيات بطرق مختلفة عديدة، وقرارات التصميم تعكس دائمًا مصالحَ المصمِّمين (أو أصحاب العمل). ووراء الجدل الدائر حول استخدام أجهزة الكمبيوتر المحمولة أو عدم استخدامها ثمة نقاشٌ أوسعُ نطاقًا وأكثر أهميةً حول كيفية وصول تكنولوجيا الكمبيوتر إلى طريقة التصميم تلك ولماذا.

Students and Their Devices by Nicholas Carr. Rough Type. September 11, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.