أعلم أنَّ عهد القُرَّاء برسائلي بعيد، وأن قليلًا منهم الذين يقرءون بشَغَف ما أكتب، ويحبون أن يكون كثيرًا؛ أعلم ذلك وإلى هؤلاء أعتذر من انقطاع رسائلي عنهم هذه المُدَّة التي يرونها طويلة، وقد أراها قصيرةً جدًّا، وما إخالهم إلا عاذرين. هل يُصدق القُرَّاء إن قلت لم يصرفني عنهم إلا ما يُنْسِي الشاعرَ نفسَه، ويصرفه عن كل شيء؟

أيسمعون لي إن قلت: لم يكفَّني عن الكتابة إلا شيء لو استرسلت معه لملَّت الفتاةُ رسائلي، ولسئموا هم قراءاتها؟

أَيُصغُون إليَّ إنْ قُلت لم أنقطع عن الكتابة إلا مُختارًا، ولقد لذَّ لي عيشي في هذه الفترة أضعافَ ما يَلَذُّ لي اليوم وما بعده؟

آهٍ! ما ألذَّ الذكرى وأشدَّ آلامها في آن واحد!

كم أنا سعيدٌ أمس! وكم أنا شقيٌّ اليوم! كم كنتُ راضيًا عن الناس مُحبًّا لهم! وكم أنا ساخط عليهم مُتبرِّم بهم! إن قلبي ليريد أن يتكلم، ولكن لا يجد من يفهم عنه.

إنَّ للقلوب كلامًا لا تؤدِّيه الألسنة ولا تَعِيه الأسماع، كلام لا تفهمه إلا القلوب. أريد الآن أن أشكو، ولكني لا أجد مُشْكِيًا. أريد الآن أن أنصح، ولكني لا أجد مصغيًا.

وا حرَّ قلباه؛ تضيع النصيحة والشكوى بين جفاء الطباع ونبو الأسماع! ولكن ما أنا وهذه اللهجة المُحزنة يوم كل الناس فَرِح مسرور.

معذرة إلى القُرَّاء؛ فقد أكون حيًّا في الطبع قليلًا أو كثيرًا. والحق أقول: إنَّ من يستهين بالحزن والفرح ليس له أن يعيش هنا أو على أقلِّ تقديرٍ ليس له أن يكتب إلى من يرونهما كلَّ الحياة، غير أن بين القُرَّاء فريقًا هم شُركائي في المذهب، ونظرائي في العقيدة؛ فلا عليَّ أنْ أُقَدِّم بعد ذلك إلى القُرَّاء كافةً أجملَ تحية، وأزكى تهنئة بهذا العيد السعيد.

أقدِّم لهم هذه التهنئة والتحية؛ لأنَّ هذه عادة قومية لا أجد لي منها بُدًّا.

لقد أصبحتُ أمسِ وإن بين يديَّ من رسائل التهنئة لشيئًا كثيرًا جلست إليه أستقصيه؛ فاستقصيتُ معه الضحكَ والبكاء. جعلتُ أقرأ تلك الرسائل فكنتُ أنبذ واحدة وأحتفظ بأخرى، وأنا على ذلك نَشِطٌ مسرور، حتى وقعت لي رسالة لم أكد أقرؤها حتى انتقلت فجأة من السرور إلى الحزن، ومن الضحك إلى البكاء، وخفتُ أن يلحظ جُلسائي عليَّ ذلك فتركتُهم مُعتذرًا، ودخلتُ إلى حيث أستطيع أن أدع للدموع مجراها وللَّوْعة سبيلها.

فيا لكَ من يوم توالت همومُه

على النفس حتى خلتُ أنيَ هالكُ

أرى الناس كلٌّ آخذٌ بنصيبه

من البؤس والنُّعمى فباكٍ وضاحكُ

لم تستخفَّني هذه الرسالة لبلاغة في معناها، أو رقة في أسلوبها، أو جمال في معرضها، وإنما استخفتني لأنها رسالة فلان.

قرأت هذه الرسالة؛ فإذا فيها:

صديقي العزيز

اجتمعنا في مثل هذا اليوم ومعنا أصدقاؤنا الأعزاء، فسُقْيًا لذلك اليوم! ثم افترقنا بعد أيام، ولم يبقَ إلا أنا وأنت؛ فما أجمل هذه الذكرى! ثم فرَّق بيننا أولُ الصيف؛ فبعدًا له!

أهنئك بهذا العيد، ولا أكذبك أني لا أجدُ لنفسي عنك صبرًا. أَعِرْني سمعَك وأبلغ قلبك عن قلبي هذه الكلمة: كذب كل ما قيل.

صديقك

لماذا تحزنني هذه الرسالة؛ لأنها رسالة شخص ما كان أعزه عليَّ وأحبَّه إلى قلبي، توثَّقت بيني وبينه العُرَى واتصلت الوسائل، ثم انقطعت فجأة في اليوم الذي كنت أؤمِّل فيه أن لا تزيد إلا توثُّقًا واتصالًا.

أيها الشخص الكريم عليَّ، الحبيب إليَّ، المُستأثر بقلبي، العابث بلُبِّي، المالك لسعادتي وشقائي، العارف بآلامي وطبي (كل ذلك قد كان)، سلام على عهدك القديم وأيامك الخالية وودِّك قبل أن يستحيل، وقلبك قبل أن يملكه غيري. تالله ما ابتسام هذا العيد لي في هذا العام كابتسامك لي العام الماضي، ولا صفاؤه لي في هذه السنة كصفاء قلبك لي في السنة الماضية، ولا سروري به العام كسروري بلقائك عام أول.

تالله ما أفسدَ بيني وبينك إلا أنت، ولا صدع قلبي وقلبك إلا أنت، ولا أشقى صديقينا إلا أنت؛ فأنت أصل سعادتنا عامين، ومصدر شقائنا آخرَ الدهر. نشكو منك إليك؛ فأنت المنتصف. اجتمعنا في مثل هذا اليوم — كما تقول — فلا سُقْيًا لذلك اليوم؛ لأنه أصل شقائي، ثم افترقنا بعد أيام فلم يبقَ إلا أنا وأنت — كما تقول — فما أسوأ هذه الذكرى! لأنها مصدر مِحنتي، ثم فَرَّقَ بيننا أول الصيف، فسُقْيًا لهذا اليوم؛ لأنه فرق بين الحق والباطل.

أهنِّئك بهذا العيد ولا أكذبك أني صابر عنك صبرًا جميلًا. أَعِرْني سمعك وأبلغْ قلبك عن قلبي هذه الكلمة: لقد كذَّبتُ كلَّ ما قيل، ولكن لم أستطع تكذيبَ ما أشاهد، والسلام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.