كَانَتْ وفاةُ الرَّئيسِ روزفلت صدمةً مفاجئةً هزَّت العالمَ كلَّه هزًّا عنيفًا، وشلَّته وقتًا ما عن أحاديث السياسة العالمية، ولعلها أن تكون قد صَرفت كثيرًا من الناس كذلك وقتًا ما عن الوقوف عند أخبار الحرب، وإنْ لم تَشْغَل الجنودَ المحاربين عن المُضِيِّ في أداء واجبهم البغيض إلى أبعد حدٍّ.

والواقع أنَّ العالَمَ الديمقراطيَّ مَدِينٌ أعظمَ الدَّيْن للرئيس روزفلت، وأنَّ هذا العالَمَ الديمقراطيَّ كان يعقد بالرئيس الفقيد آمالًا ليسَتْ أقلَّ خطرًا من الأعمال الجليلة التي قدَّمَها.

فالديمقراطية مدينةٌ للرئيس روزفلت بثباتها الرائع أمام الاندفاعِ الألمانيِّ العنيف، ثم بوقفها لهذا الاندفاع، ثم بتحطيمها الدفاع الألماني، ثم بوصولها الآن إلى قلب ألمانيا وتأهبها لاقتحامها برلين.

والذين يذكرون استغاثة مسيو بول رينو بالرئيس روزفلت — وانهيار فرنسا بعد هذه الاستغاثة بقليل — يقدِّرون ما تدين به الديمقراطية لهذا الفقيد العظيم.

فقد كان في موقف لم يُتِحْ له أن يقول لفرنسا تلك الكلمة التي كانت خليقة أن تُثبِّتها وتقوِّيها على المقاومة، ولكنه عرف كيف يستغل الكارثة لإنقاذ الديمقراطية. فهو قد هيَّأ الأمة الأمريكية لمعونة البريطانيين حين كانوا يقفون وحدهم ينتظرون الهجوم الألماني الساحق، ثم هو قد دفع الأمة الأمريكية إلى تحقيق هذه المعونة، ثم هو قد سعى سعيًا رفيقًا صارمًا منتجًا حتى أقنع الأمة الأمريكية بالخروج من عزلتها والاشتراك في الدفاع عن الحق والعدل، فلما انتظر على التردد الأمريكي كان قد كسب المرحلة الأولى من مراحل الحرب. وإذا هو يلقي بالقوة الأمريكية الهائلة في كفة الميزان، ولكن دون أن يقول كما قال عدو روما القديم، وكما قال الإمبراطور غليوم في الحرب الماضية «ويلٌ للمغلوب»، وإنما قال كلمة السلام والأمن للإنسانية جميعًا.

ومن المحقق أن إقدام الأمريكيين — يَقُودهم روزفلت — على هذه الحرب قد أتاح للبريطانيين أن يثبتوا وأن يخرجوا من الدفاع إلى الهجوم، وأتاح للروسيين أن يقاوموا وأن يسحقوا الألمانيين سحقًا. فالانتصار الذي يظفر به الحلفاء الآن إنما هو أثر مباشر من آثار الجهود الشخصية التي بذلها هذا الرجل الفطيم، وهذه الجهود قد أثرت من غير شك في قدرته الشخصية على الصبر والجد والاحتمال، وانتهت به إلى أن مات شهيدًا من شهداء الجد في سبيل الواجب. فإذا عده الأمريكيون ضحية من ضحايا الحرب لم يخطئوا، بل يجب أن تعده كل أمة محاربة وكل أمة ستنتفع من انتصار الديمقراطية شهيدًا من شهدائها. فلم يكن روزفلت أمريكيًّا فحسب، ولكنه كان إنسانًا قد ارتقى في إنسانيته إلى أن أصبح مواطنًا في كل بلد يحب الحرية ويطمح إلى الأمن من الخوف، والجوع، والبؤس.

ولم يكن العالم الديمقراطي ينتظر من هذا الرجل العظيم في مستقبل الأيام أقل ممَّا قدَّم إليه في أعوام الشدة والضيق، فقد كان الرئيس روزفلت قوة أساسية خطيرة لتنظيم السلم كما كان قوة أساسية خطيرة لكسب الحرب. ولكن الله يمتحن الناس كما يريد لحكمة يعلمها هو ولا يعلمها الناس؛ فهو قد حرم الناس جهود روزفلت في أشد أوقاتهم احتياجًا إلى هذه الجهود.

وليس من شك في أن الولايات المتحدة الأمريكية ستمضي في الحرب على نهج الرئيس روزفلت حتى تنتهي بها إلى غايتها؛ وهي استسلام ألمانيا بغير قيد أو شرط.

ولكن المسألة الخطيرة هي: هل تذهب الولايات المتحدة الأمريكية في تنظيم السلم نفس المذهب الذي كان يريده الرئيس روزفلت لا تنحرف عنه قليلًا ولا كثيرًا؟ فمن المعروف أن لشخصية رئيس الجمهورية في سياسة الولايات المتحدة أثرها العظيم، ومن المعروف أيضًا أن الرئيس الجديد يمثل الجناح المعتدل من الحزب الديمقراطي الذي فاز في الانتخاب للمرة الرابعة. ولكن من سبق الحوادث أن نتنبأ بشيء عن موقف الرئيس الجديد بإزاء مشكلات السلم، وما أكثرها! وما أشد ما تمتاز به من التعقيد!

وقد ابْتُدِئَ عهد الرئيس الجديد بحل ظاهر لإحدى هذه المشكلات؛ فقد كانت روسيا تبدي شيئًا غير قليل من الفتور بالقياس إلى مؤتمر سان فرانسسكو، وقد كان من نتائج هذا الفتور أن عرضت للمسيو مولوتوف مشاغل حالت بينه وبين السفر إلى هذا المؤتمر. وجعل الناس يسألون عن هذه المشاغل ما عسى أن تكون، يلتمسونها في الغرب مرة وفي الشرق مرة أخرى، وفي مصاعب الحرب حينًا وفي مصاعب السلم حينًا آخر.

ولكن المسيو مولوتوف استطاع أن يقهر هذه المشاغل، ويذلل هذه المصاعب، ويقرر السفر إلى سان فرانسسكو؛ للاشتراك في المؤتمر مع زملائه وزراء الخارجية في الدول الكبرى. بل هو قد استطاع أكثر من ذلك، استطاع أن يقرر السفر للاشتراك مع وزراء الخارجية في الدول الكبرى حين يعقدون اجتماعهم الذي يسمونه اجتماعًا تمهيديًّا للمؤتمر ونسميه نحن اجتماعًا أساسيًّا؛ لأنه سيقرر الأمور التي إن تم عليها الاتفاق فلن يكون عنها عدول ولا انحراف حين يجتمع الممثلون لنيف وأربعين دولة من دول العالَمَيْن القديم والحديث.

وليس أدل على ذلك من أن رئيس الوزارة البريطانية كان يريد أن يتحدث إلى مجلس العموم اليوم عن شئون الحرب والسياسة؛ فأعلن يوم الثلاثاء أنه يؤثر تأجيل هذا الحديث. وواضح أنه يؤثر هذا التأجيل تحرجًا من أن يسبق المفاوضات التي ستجري في واشنجطون بين وزراء الخارجية للدول الثلاث التي اتخذت في مؤتمر القرم قرارات لم تُؤْتِ ثمرتها بَعْدُ. ومن هذه القرارات ما يتصل ببولندا التي لم تُؤلَّف فيها الحكومة المتحدة بَعْدُ، ولم تُدْعَ إلى المؤتمر، والتي لا يُعرَف كيف تُدعى إليه، ولا كيف تُمثَّل فيه. أتُدعى إليه حكومة لوبلين كما تريد روسيا أم تُدعى إليه حكومة لوندرة، أم لا تُدعى إليه أصلًا، أم تختار الدول الثلاث من يمثلها في المؤتمر كما أن دول الجامعة العربية ستختار من يمثل فلسطين في مجلس الجامعة حتى يُتاح لفلسطين أن تُباشر استقلالها الشرعي مباشرةً فعلية؟

وهناك من غير شك مشكلات أخرى ليست أقل تعقيدًا من مشكلة بولندا ستكون موضوعًا للمفاوضة بين ممثلي الدول الثلاث. ومعنى ذلك أن مؤتمر القرم محتاج إلى أن يكون له ذيل في واشنجطون قبل أن يستقبل بقراراته ذلك المؤتمر العظيم الذي سيجتمع في سان فرانسسكو بعد أيام.

ولسنا ندري أيستأنف ممثلو الدول الثلاث في واشنجطون حديث التصويت في مجلس الأمن أم لا يستأنفونه، ولسنا ندري أيستأنفون حديث تمثيل الأمم المتوسطة والصغيرة في مجلس الأمن أم لا يستأنفونه، ولكننا نعلم أن البرلمان البريطاني قد شُغِلَ بهذين الحديثين أثناء هذا الأسبوع. فأمَّا مجلس اللوردات فقد قال فيه ممثل الحكومة لورد كرانبورن كلامًا لا ندري أفهمناه على وجهه أم لم نفهمه! فقد يظهر أن المصريين والكتَّاب منهم خاصةً في حاجة إلى شيء من حسن الفهم للغة الساسة الإنجليز كما تقول الإجبشن غازيت؛ لأنهم لم يفهموا مقال التيمس في الأسبوع الماضي كما كان ينبغي أن يُفهَم.

لسنا ندري أفهمنا كلام اللورد كرانبورن في مجلس اللوردات على وجهه أم لا، ولكن الذي وقع في أنفسنا منه هو أنه يرى أنه سيكون للدول الصغيرة عمل أساسي في نظام السلم الذي سيُقتَرح أو سيُقرَّر في سان فرانسيسكو؛ لأنها ستعاون على منع الحرب وعلى عقاب المعتدي، ولأن ذلك سيفرض عليها التزامات يجب أن تنهض بها إذا أرادت منع الحرب وعقاب المعتدي وحماية نفسها من أن تتعرض للعدوان. فإذا لم تُرِدْ هذه الدول الصغيرة أن تشارك في أعمال الهيئة التي ستشرف على حماية السلم فستتعرض لخطر عظيم؛ وهو أنها لن تُستشار في أمر من الأمور.

ومعنى هذا — إن كنَّا قد فهمنا كلام الوزير البريطاني على وجهه — أن الدول الصغيرة بين اثنتين؛ فإما أن تقبل العضوية في الهيئة التي ستحمي السلم، وتقبل ما يترتب على هذه العضوية من التزامات، وتنهض بالوفاء لهذه الالتزامات كما ينبغي، وإمَّا أن تُهمَل فلا تُستشار في أمرها ولا تُستشار في أمر نفسها أحيانًا. وهذا طبيعي، فالذين يقبلون الاشتراك في هيئة من الهيئات يجب أن ينهضوا بالأعباء التي يفرضها عليهم هذا الاشتراك.

وقد عرفنا إلى الآن واجبات الدول الصغيرة حين تشترك في هذه الهيئة، ولكننا لم نعرف حقوقها كاملة. فسيكون من حقوقها أن تُستشار في حماية السلم، وسيكون من حقوقها أن تُحمَى من العدوان، وهذا كثير فيما يظهر. ولكن أيكون من حقوقها أن تقضي في حماية السلم كما تقضي فيها الدول الكبرى؟ هذا هو الإشكال الذي لم يُوفَّق أحد إلى حلِّه بعد.

وقد تقدَّم الأمر خطوة قصيرة؛ فصرَّح اللورد كرانبورن بأن بين الدول الصغيرة دولًا لها خطر بحكم مركزها الجغرافي أو بحكم قدرتها على الإنتاج، وهذا يقتضي أن تُمثَّل تمثيلًا حسنًا في مجلس الأمن، وقد وُضِعَ أمر هذه الدول موضع البحث. والشيء الواضح هو أن الدول الكبرى ستنهض بأقل الأعباء في حماية السلم، فيجب أن تكون كلمتها هي الأولى والأخيرة.

أمَّا مجلس العموم، فقد رأينا فيه أعضاء لا يحبون مقترحات دمبرتون أوكس؛ لأنها لا تكفل السلم ولا تحميها، وذلك لأنها تجعل كلمة الدول الكبرى هي الأولى والأخيرة، فتقر لهذه الدول سلطانًا غير معقول، أو لأنها ستنشئ هيئة تُشغَل بالمناقشات أكثر مما تُشغَل بحماية السلم. وقد ردَّ وزير الدولة على هؤلاء الأعضاء بأنهم يسعون وراء الخيال.

وكذلك قرر أحد الوزراء البريطانيين في مجلس اللوردات أن على الدول الصغيرة — إن أرادت الأمن والكرامة — أن تشترك في الهيئة التي ستنشأ في سان فرانسيسكو، وتقبل ما يُفرَض عليها من التزامات. وقال أحد الوزراء في مجلس العموم البريطاني المستر لو: إن الذين يطلبون أن تكون الدول الصغيرة ممثلة في مجلس الأمن تمثيلًا معقولًا يكفل لها شيئًا من المساواة يسعون وراء الخيال.

وما نريد أن نفسر كلام أحد من الوزيرين، فهو أوضح من أن يحتاج إلى تفسير. على أن هناك حديثًا آخر ليس له من الخطر ما لحديث الوزيرين البريطانيين، ولكنه لا يخلو من مغزى يحتاج إلى شيء من الروية والتفكير. وهذا الحديث يأتينا من أمريكا، ونرجو أن نكون قد فهمناه على وجهه خيرًا مما فهمنا مقال التيمس. فقد خطب المستر سومتروبلز، فأعلن أن الحل الطبيعي لمسألة فلسطين إنما يكون بوضعها تحت وصاية دولية، وليس إلى حلها سبيل غير هذا. فأمَّا ما بين العرب واليهود من الخلاف فيُحَل بمفاوضات مباشرة في ظل هذه الوصاية.

وقد كانت فلسطين تحت الوصاية الدولية لعصبة الأمم، وكانت بريطانيا العظمى تنوب عن عصبة الأمم في إدارة فلسطين، وفي ظل هذه الوصاية الدولية وفي ظل هذا الانتداب البريطاني وصلت مشكلة فلسطين إلى ما وصلت إليه من التعقيد. فالاقتراح الجديد لا يغيِّر شيئًا، فستكون فلسطين بمقتضى هذا الاقتراح في ظل وصاية دولية كما كانت من قبل. وكل ما في الأمر أن بريطانيا العظمى لن تستأثر بالانتداب، وإنما يصبح هذا الانتداب شائعًا في لجنة دولية تنهض بأعباء الإدارة وتجري في ظلها المفاوضات لحل ما بين العرب واليهود من الخلاف.

ولسنا ندري ما الذي تفيده فلسطين من إبقاء الوصاية الدولية وإشاعة الانتداب بين الدول بعد أن كان محتكرًا لدولة واحدة هي بريطانيا العظمى، ولسنا ندري أفهم العالم الأوروبي والأمريكي أم لم يفهم بَعْدُ أن مسألة فلسطين — كغيرها من مسائل الشرق العربي — لا يمكن أن تُحَلَّ بالوصاية ولا بالانتداب، وإنما تُحَلُّ بشيء واحد لا ثاني له وهو الاستقلال.

ونعيد اليوم ما كررناه غير مرة؛ وهو أن الخلاف القديم بين الشرق والغرب قد طال عهده وكثرت آثاره السيئة، وآن له أن يزول ويقوم مقامه تعاون قوامه الوفاق والمودة وتبادل الاحترام، وليس إلى هذا سبيل إلَّا إذا محا الغرب من نفسه محوًا تامًّا فكرة الوصاية والانتداب والتدخل مهما يكن شكله بالقياس إلى هذا الشرق العربي.

وقد ترى الإجبشين جازيت أننا لم نفهم حديث الوزيرين البريطانيين ولا حديث المستر سمنر ويلز، ولكن الشيء الذي نستطيع أن نؤكده هو أن المصريين والشرقيين يفهمون عنَّا حق الفهم، ويعتقدون — غير مخطئين — أنَّا نصور لهم الرأي الأوروبي تصويرًا دقيقًا، وأنَّا نصور للأوروبيين رأيهم تصويرًا دقيقًا أيضًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.