كتب سلامة أفندي موسى فصلًا في «الأخبار» الغرَّاء يقول فيه ما ملخصه: أنَّ شكل رأس قاسم بك أمين يدل على أنه مغولي الأصل وأن أُمَّه عريقة في المدنية كالأمة المصرية لا تنتظر إصلاحها من رجل تَتَرِيٍّ، ولا يحتسب أن فردًا من شعب اشتهر بتعذيب نسائه طلبًا للذة يكون هو محرر المرأة التي كان لها في المدينة القديمة منزلة رفيعة.

قد يكون هذا التلخيص غير منصف للهجة المقال، فجَمْعُ الفصل في جملة واحدة إنما يزيد اللهجة شدة والمعنى قسوة، وقد سرَّني من حضرة الأديب بحثه لأنه لم يَجْرِ فيه على الأسلوب المبتذل، بل أراد مجاراة رأيه الخاص دون الإذعان إلى الغير، وفي هذا من الاستقلال ما فيه غير أني لا أشاركه في ما استنتجه من بحثه.

إذا كان قاسم بك أمين تَتَرِيَّ الأصل فلماذا لا يجوز له أن يحب مصر التي أصبحت وطنه فتعلم لغتها منذ ولادته واهتز فؤاده لكل ما يطرأ عليها من حزن وسرور؟ وإذا كان جده أو جد جده أميرًا تتريًّا فمن ذا الذي يُحرِّم عليه أن يكون ديمقراطيًّا خالصًا محبًّا للشعب المسكين راغبًا في إنهاضه؟ وإذا اتصل نسبُه القديم بأمة اشتهرت بتعذيب نسائها فمن ذا الذي يمنعه عن النظر إلى ما حوله فيرى حالة المرأة التَّعِسَة ويدرك مقدار شقائها بالرجل ومقدار شقاء الرجل بها؟ لو تَمَنَّعَ الناس عن استعمال ما ليس في مصنوعاتهم وصَمُّوا أسماعهم عند كلام كل من كان جده غير جدودهم؛ لما كان علمٌ ولا عملٌ ولا مدنيةٌ ولا عمرانٌ.

كان نابليون من كورسيكا فقبله الفرنساويون نائبًا لهم وإمبراطورًا عليهم، وإذا قلنا إن تلك الظروف تدخل في حكم المستثنى، فها أنَّ بعض التنظيمات التي وضعها تجري في فرنسا الآن كما في عهده، لقد كان روسو السويسري مُهيئًا للثورة الفرنساوية وقد كان أعمق أثرًا في معاصريه من أي مفكر غيره وإن كان فرنساويًّا صرفًا، وبنود القانون النابليوني تطبق الأحكام عليها في بلاد كثيرة — حتى في مصر — مع بعض التغيير الملائم لأحوال الشعب، بل إن مشيد «المجلس العلمي المصري» هو نابليون، فلماذا ينضم إليه المصريون والأجانب على السواء؟ إلى أين تفضي بنا هذه النظرية إذا سرنا عليها؟

إنما يختلف الناس بالشر فقط، وليس من غرابة بين الشعوب إلا تنوع الأطماع، لكن الناس في الخير واحد، والأصفر الذي يحاول إصلاح أبناء قريته في أعماق «مملكة ابن السماء» إنما هو يخدم الإنسانية بأسرها، بل يخدم من الإنسانية ذلك الجزء القابل للإصلاح باستعداده له وبارتقائه إلى مستواه.

فإن لم يكن قاسم أمين من المصلحين الذين يهزون الجمهور هزًّا فما ذلك إلا لأن الوسط لم يكن بعدُ مستعدًا للنهوض، وما القوة المكهربة المتجمعة في بعض النوابغ إلا مجموع قوى جَمَّة تنتهي إليهم من نفوس محيطهم فتنتقل إليهم احتياجاته ورغائبه، حتى إذا ما أخذت تلك القوى والرغائب صبغة نفسه وطابعها فضى بها إلى قومه فهزتهم لأنها منهم ولهم.

لم يكن قاسم بك أمين إلا من المتألمين الذين يدفعهم الألم إلى الشكوى وطلب العلاج الشافي، لم يكن إلا من الذين يحفرون خطوط الإصلاح بالعناء والدموع فيهيئون الأرض للزرع والحصاد، وسلام عليه في آلامه وإصلاحه! وقد أحسنت الجامعة المصرية بالاحتفال بذكرى وفاته كل عام، فإن مثل هذه الاحتفالات تترك في نفس الشبيبة أثرًا فعالًا وتجعل ذكر المحسنين خالدًا محاطًا بما يستحقونه من حب وشكر واحترام.

وسنقول في فصل آتٍ كلمتنا في المحاضرة النفسية التي ألقاها يوم الاحتفال صاحبُ العزة أحمد لطفي بك السيد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.