حضرت أول احتفال بالسنة الهجرية سنة ١٣٢٧ وسنة ١٩٠٩ للميلاد، ولم يكن رأس السنة الهجرية من أيام الاحتفالات الشعبية ولا من أيام الإجازات في دواوين الحكومة، وإنما جاء الاحتفال به ثمرة من ثمرات الحركة الوطنية التي تمَّتْ وتفرَّعت بعد حادث دنشواي. وإلى هذا المعنى يشير حافظ إبراهيم في القصيدة التي نظمها للاحتفال الأول؛ حيث قال يحيي الروح التي سَرَتْ في مصر بعد ذلك الحادث:

خَبَتْ زمنًا حتى توهَّمْتُ أنَّها

تجافَتْ عن الإرواء لولا كرومرُ

تصدَّى فأوراها، وهيهات أن يرى

سبيلًا إلى إخمادها وهي تزفرُ!

وقد كان القائمون بإحياء هذه المعالم التاريخية يتعمَّدون إبراز الناحية القومية منها، فيخطب المسيحيون في الاحتفال بالهجرة ويخطب المسلمون في الاحتفال بالنيروز، وتدور الخطب والقصائد على الذكريات الوطنية في الاحتفالين.

ومن الأخطاء الشائعة أن اليوم الأول من شهر المحرم هو اليوم الذي هاجر فيه النبي — عليه السلام — من مكة إلى المدينة. وليس هذا بصحيح على وجه من الوجوه؛ فإن اليوم الأول من شهر المحرم هو رأس السنة الهجرية وليس بيوم الهجرة، وإنما تمَّت الهجرة في اليوم الثامن من شهر ربيع الأول الموافق يوم ٢٠ سبتمبر سنة ٦٢٢ ميلادية.

وقد سمعنا من يقترح أن يُراعَى هذا التاريخ في إعادة الذكرى؛ لأنه يأتي في موعد واحد من كل سنة، ولكنه رأي لا ضرورة له ولا هو مما يطابق اسم اليوم وحِكْمَتَه، إذا كانت الهجرة لا تُسَجِّل موعدًا من مواعد الفلك ولا موسمًا من مواسم الزراعة، ولا يضير المحتفل بها أن يذكرها لمناسبتها في وقت من الأوقات، ما دام قوامها على معنى في الضمير لا على مسير الكواكب أو ترتيب المواسم والفصول.

والحال سواء في السنة الهجرية والسنة الميلادية على هذا الاعتبار؛ فإن السنة التي تُنسَب إلى الميلاد لم تبدأ بمولد السيد المسيح، ولو صحَّ الحساب بها لوجب أن تكون السنة الحاضرة سنة ١٩٦٣ لا سنة ١٩٥٨ كما نحسبها الآن؛ لأن السيد المسيح — عليه السلام — قد وُلِدَ في السنة الخامسة قبل الميلاد.

ومن المتفق عليه أن السيد المسيح لم يُولَد في رأس السنة الميلادية، وأن شهر يناير لا يبتدئ السنة بحساب فصل من الفصول، أو دورة من الدورات، فإنه يأتي في منتصف فصل الشتاء، ويأتي بعد الشهر العاشر على الترتيب القديم.

فلا داعية إذن للتأخير ولا للتغيير في هذا التاريخ أو في ذاك، وكلها حسبة صحيحة إذا اتفقنا عليها، وكلها تقتفي أثرًا واحدًا في طريق القافلة السماوية التي ليس لها أثر بين أجواز الفضاء.

وحسبنا من كل سنة سلام في البدء وسلام في الختام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.