نظيف المظهر لطيف المخبر، يُبرق ويُرعد، ويقصف ويعصف، ولكن سماءه دائمًا صاحيةٌ صافيةٌ، ونفسه دائمًا مشرقةٌ متألِّقةٌ، وقلبه دائمًا رقيقٌ رفيقٌ. وقد يظن كثيرٌ من الناس أن سيف الأحكام العربية العرفية المسلولة في يده يحيطه بسياج مفزع مفظع، ولكن السياج الذي يحيط برئيس الوزراء سياج أنيق، ظاهره فيه القسوة والعنف، وباطنه من قبله الرحمة واللين.

ولست أدري أتسرُّه هذه المقدمة أم تسوءه، ولكني أعلم أني لا أكتب لأسرَّه أو لأسوءه، وإنما كتبت لأسوق إليه بعض الحديث، مطمئنًّا إلى أنه لن يمنع نشره كما كان يفعل غيره من رؤساء الوزارات الذين سبقوه، ولن يصادر الأهرام إذا نشرته كما كانت تفعل وزارة الداخلية قبل عهده، وكما فعلت بعد عهده عن رضًا منه أو عن سخط لا أدري.

بل أنا أكتب لأسوق إليه بعض الحديث مطمئنًّا إلى أنه لن يمد إليه يده بما أكره، ولو قد أراد لم تصل إليَّ يده، فقد تقصر يده وقد تطول، ولكنها لن تبلغني من وراء بحر الروم. وهو كما يعلم وكما يقول قصَّاص ألف ليلة وليلة: بحر عجاج متلاطم الأمواج. بل أنا أزعم أني سأسوق إليه بعض الحديث مطمئنًّا إلى أن يده لن تنالني بما أكره حين أعود إلى مصر إن شاء الله. وليس من شك في أني حين يأذن الله لي بالعودة إلى مصر سأزوره، وليس من شك كذلك في أنه سيلقاني في عنف وعبوس، ثم يستحيل عنفه إلى رفق، وعبوسه إلى الابتسام، فأمكث معه ما شاء الله أن أمكث، ثم أخرج من عنده إلى داري لا إلى السجن.

ليس عليَّ بأس إذن من أن أقول في صراحة ما أريد أن أقول، وأول ذلك أن من بين زملائه وزيرًا لا تعجبني سياسته. وليس معنى هذا أن سياسة غيره من الوزراء تروقني أو تشوقني، بل معناه أن سياسة غيره من الوزراء لا تكاد تعنيني ما دمت بعيدًا عن مصر. فأمَّا سياسة زميله ذاك فإنها تُحْفِظني وتُغِيظني، غائبًا وشاهدًا. وأحسبها تحفظ وتغيظ من المصريين كلَّ من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وسياسة هذا الوزير الخطير لا تحفظني ولا تحفظ غيري من المثقفين لأنها تأتي أمورًا لا ينبغي أن تؤتى وتترك أمورًا لا ينبغي أن تُترك فحسب، وإنما هي تُحفظ وتغيظ لأنها تضرُّ ولا تنفع، وتسوء ولا تسر، ولأنها عبث لن يغير من حقائق الحياة المصرية شيئًا، ولكنه يضايق الناس في غير حاجة إلى المضايقة، ويؤذي سمعة مصر وهي في حاجة إلى ألَّا تُؤذى.

وقد فهم رئيس الوزراء بالطبع أني أريد أن أتحدث عن وزير المعارف وعن سياسته هذه التي لا تمتاز حتى بالطرافة أو الفكاهة، والتي كانت تُضحِك وتدعو إلى المزاح منذ عشرين سنة، ولكنها الآن لا تضحك ولا تدعو إلى مزاح، وإنما تملأ الصدور حرجًا والنفوس ضيقًا؛ لأنها تضيع الوقت والجهد وتؤذي سمعة مصر، ولا تغني عن الوزير ولا عن غيره من الناس شيئًا. تشدد الوزراء قبل وزير المعارف القائم في المحافظة، فلم يقدموا ولم يغيِّروا من حقائق الحياة الحديثة في مصر شيئًا. فما استئناف عبث قد مضى وانقضى؟ وما الرجوع إلى سيرة قد ظهر أنها لا طائل تحتها، وأنها لا تزيد على أن تضيع من وقت مصر وجهدها ما هي في حاجة إليه؟!

ولقد نقدت سياسة الوزير الخطير مداعبًا له منذ حين، فأمَّا الآن فإني لا أجد حتى الميل إلى الدعابة، إنما أبذل كثيرًا من القوة، وأُنفِق كثيرًا من الجهد حتى أملك نفسي، وحتى لا يخرجني الغضب عن الطور الذي لا ينبغي أن أتعداه حين أتحدث إلى رئيس الوزراء عن بعض زملائه الوزراء.

هناك فرق بين العبث الذي يمعن فيه المصريون حتى يغرقوا فيه إلى أذقانهم، أو إلى آذانهم، دون أن تتجاوز أنباؤه الحدود المصرية وتعبر البحر إلى أوروبا وأمريكا، وبين العبث الذي لا يكاد المصريون يأخذون فيه حتى يذيعه البرق والبريد في أقطار الأرض كلها، وحتى يتحدث به الناس في العالمين القديم والجديد. المصريون يغرقون في العبث مثلًا حين يضيعون جهودهم وأوقاتهم، ويملئون صحفهم مصبحين وممسين بقصة الدوائر وتقسيمها الجغرافي أو الاجتماعي، وبعمر مجلس النواب الذي ينبغي أن يقصر أو ينبغي أن يطول. ولكن أنباء هذا العبث لا تعني العالم الخارجي، وهي من أجل ذلك لا تنقل إليه، فليغرق المصريون فيه إلى أذقانهم أو إلى آذانهم، ولينفقوا فيه بياض أيامهم وسواد لياليهم، فذلك شيء يعنيهم وحدهم من دون الناس، وليس على المصريين بأس إن أحبوا أن يستبقوا هذه الحمَّى وما تستتبع من الخطرفة والهذيان.

ولكن عبث وزير المعارف لا يكتفي بأرض مصر ولا بأهل مصر، وإنما هو يتجاوز تلك الأرض وهؤلاء المصريين إلى أوروبا وأمريكا، فيجعل مصر وأهلها وحكومتها فكاهة لمن أراد أن يتفكَّه، وموضوع دعابة ومزاح للذين يحبون الدعابة والمزاح. هل يعلم رئيس الوزراء أن شركة من شركات الأنباء أذاعت في أوروبا وأمريكا أن وزير المعارف المصري يشتد أعظم الشدة وأقساها في حماية التقاليد العتيقة، فيمنع الفتاة المصرية أن تعبر البحر أو المحيط إلى أوروبا وأمريكا؛ لأنه يخاف عليها الفساد، ثم هو لا يفعل ذلك بالقياس إلى الفتيات المصريات كافة، وإنما يفعله بالقياس إلى الفتيات المسلمات دون المسيحيات، كأن الفساد خطر على المسلمات خاصةً أو كأن المسيحيات لا يستأهلن من عناية الوزير أن يصدهن عن الشر ويردهن عن الإثم ويحميهن من الفساد.

وهل يعلم رئيس الوزراء أن العالم الخارجي قد عرف أن وزير المعارف المصرية يتقدم إلى المعلمات في أن يطلن الأكمام ولا يقصرنها، وفي أن يتجنبن الأصباغ، وفي أن يكنَّ قدوة حسنة لتلاميذهن في الاحتشام والمحافظة على التقاليد، وأن وزير المعارف المصرية يتقدم في إلغاء الرقص التوقيعي في مدارس الدولة ومعاهدها، ولا يرى بأسًا من أن تتعلم الفتاة من الرقص ما شاءت في بيتها وعلى نفقة أسرتها، كأن الرقص التوقيعي إثمٌ في المدرسة ومباح في البيت. ورئيس الوزراء يعرف العالم الخارجي خيرًا مما يعرفه وزير المعارف، وهو من أجل ذلك يتصور الفرنسيين والإنجليز والأمريكان حين يقرءون هذه الأحاديث، وحين يتندرون بها ويتخذونها موضوعًا للفكاهة، وينتهون منها إلى أن مصر ما زالت في القرون الوسطى، وما زال حظها من الرقي بعيدًا كلَّ البعد عما يزعمه ساستها وفقهاؤها والذين يدعون لها من الكتَّاب.

وما أحب أن أغضب المحافظين، وما أحب أن يظن بي أني أبيح التبرج والخروج عمَّا ينبغي للفتاة من الاحتشام والتحفظ والوقار، ولكن وزير المعارف كان يستطيع فيما أظن أن يتأتى لذلك في شيء من التحفظ والقصد، وفي شيء من المهل والرفق. وفي غير هذا الإعلان الذي يشعر بأن الوزير يحرص على أن يعرف الناس أنه حريص على التقاليد أكثر مما يحرص على حماية التقاليد نفسها. فحماية التقاليد لا تكون بالإعلان، ولا بالتحدث إلى الصحف، ولا بنشر القرارات فيها، وإنما تكون بإحدى اثنتين: أولاهما، لا يستطيع الوزير إليها سبيلًا، ولا يستطيع رئيس الوزراء إليها سبيلًا، ولا يستطيع أحد من الساسة إليها سبيلًا، وهي إقرار الفتيات في بيوتهن، وصدُّهن عن الاختلاف إلى المدارس والمعاهد والجامعات، وأخذهن بألا يخرجن من بيوتهن إلَّا حين تقضي الضرورة الملجئة، وفي الحدود الضيقة التي يبيِّنها المتشددون من المحافظين. وأنا أتحدى وزير المعارف هذا القائم، ومن يمكن أن يأتي بعده من الوزراء، وأزعم أن أيهم يحاول ذلك، أو يهم بمحاولته، سيضطر إلى أن يترك الوزارة وإلى أن يعود إلى داره ليستقر فيها بعيدًا عن الحكم وعن تصريف الأمور.

أمَّا الطريقة الثانية التي تُحمى بها التقاليد، وهي الطريقة المجدية التي لم يسلكها وزير المعارف، وما أظن أنه يستطيع سلوكها؛ لأنه فيما يظهر يؤثر القول على العمل، ويؤثر السرف على القصد، ويؤثر العنف على اللين؛ هذه الطريق هي الدعوة إلى المحافظة على الاحتشام والوقار بالحكمة والموعظة الحسنة، والنصح الرفيق، والتعليم المستقيم. ليصدقني رئيس الوزراء ووزير المعارف أن في حياة الناس لسخفًا كبيرًا، إن الفتاة المصرية لا تتعرض للخطر في أوروبا أكثر مما تتعرض له في مصر، ولا تتعرض للخطر في القارة الأوروبية أكثر مما تعرض له في الجزر البريطانية. وإن الفتى المصري ليس أقل استحقاقًا لعناية الوزير ورعايته وحماية الوزير من الفتاة. والفتى المصري يتعرض لفتنة عظيمة حين يعبر البحر أو المحيط إلى أوروبا أو أمريكا، فلماذا لا يقوم الوزير عند ثغر الإسكندرية وبورسعيد، فيصدُّ الفتيان عن السفر إلى أوروبا وأمريكا حمايةً لهم من الفتن والآثام والموبقات؟ أم يظن الوزير أن الآثام حين يقترفها الفتيان أهون شرًّا وأقل خطرًا على الأخلاق والفضيلة والدين منها حين تقترفها الفتيات؟

وليصدقني رئيس الوزراء ووزير المعارف أن الشاعر ليقول إن سوء الظن من حسن الفطن. وأخشى أن يكون هذا القول وأمثاله هو الذي يُغري وزيرنا بسوء الظن وبالإسراف فيه.

وما دام وزير المعارف يريد أن يحمي التقاليد والفضيلة والدين، فأول ما ينبغي له من ذلك يقرأ ويفهم وينفذ قول الله عز وجل: ().

أمَّا بعد، فإن من الإساءة إلى مصر كلها أن يسوء ظن وزير من وزرائها بالفتاة المصرية والمرأة المصرية، ومن الإساءة إلى مصر كلها أن يتخذها الناس هزؤًا ولعبًا في العالم الخارجي؛ لأن وزيرًا من وزرائها لم يحسن أن يأخذ لنفسه بالقصد والاعتدال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.