من غير الشائع أن يدفع العلماء الناس لمشاهدة الحلقة الأولى من مسلسل «٢٤» باسم العلم، بل والأكثر ندرة أنهم لا يختارون الأعمال البطولية لجاك باور — شخصية المسلسل الرئيسة — لأنهم يريدون أن يجعلوا المتطوعين يرَوا شيئًا «أقرب إلى الحياة الواقعية». ثم مرة أخرى، بحسب تصريح جيسون تشان الساخر: «بعض من الحلقات الأولى لم تكن صعبة التصديق بقدر الحلقات اللاحقة.»

تُعَدُّ دراسة تشان هي الأحدث في إظهار مدى سهولة تشويش ذكرياتنا، وإحلال معلومات خاطئة محل ما نظن أننا نعرفه. في هذه الحالة، عرض هو وزميلته جيسيكا لاباليا — من جامعة ولاية آيوا — للمتطوعين الحلقة التجريبية من مسلسل «٢٤»، ثم أعادَا كتابة بعض من ذكرياتهم عن أحداث العرض بصورة انتقائية. على سبيل المثال، أصبح بعض المتطوعين يصدِّقون أن القاتلة (ماندي!) أفقدت إحدى المضيفات وعيها بمسدس صاعق، في حين أنها استخدمت إبرة حقن تحت الجلد.

لم يكن الأمر يقتصر ببساطة على قول إن ماندي قد استخدمت مسدسًا صاعقًا؛ فذلك لم يكن لينجح من الأساس. بدلاً من ذلك، قدَّم تشان ولاباليا للمتطوعين معلومات مغلوطة ، وحينئذٍ — وفي تلك اللحظة فقط — نجحت الذكريات الجديدة في أن تحل محل الذكريات القديمة.

تعتمد هذه الخدعة على سمة غريبة للذكريات لم تُكتَشَف سوى في الأعوام الأخيرة، وقد كتبتُ عنها من قبلُ.

ففي كل مرة نسترجع فيها ذكرى قديمة، نخاطر بتغيير هذه الذكرى. إن الأمر أشبه بفتح مستند على جهاز الكمبيوتر؛ إذ تدخل المعلومات القديمة في حالة ضعف بالغ بحيث يمكن تعديلها أو استبدالها أو حتى حذفها. فالذكريات تستغرق فترةً لتقوى مجدَّدًا، وهذا من خلال عملية تُسمَّى بإعادة ترسيخ الذكريات، فالذكريات لا تُكتَب مرةً واحدةً فحسب، بل تُكتَب من جديد مع كل مرة نسترجعها فيها.

هذا يعني — على نحوٍ مثيرٍ للسخرية إلى حدٍّ ما — أن تذكُّر شيءٍ ما يخلق نافذة حرجة يمكن فيها محو الذكريات أو التلاعب فيها. وقد فعل كثير من العلماء ذلك مع القوارض والبشر باستخدام عقاقير أو معلومات متضاربة، لكن هذه التجارب عادةً ما تتلاعب في ذكريات مفردة بسيطة، مثل الشوق إلى تعاطي المخدرات، أو الربط الذهني المروِّع بين لونٍ بعينه وصعقة كهربية.

وقد استخدم تشان ولاباليا في تلك التجربة نافذة إعادة ترسيخ الذكريات لتغيير الذكريات التصريحية — الحقائق والمعلومات التي نتذكرها بوعي. ويقول تشان: «إننا ندفع الأشخاص إلى تشكيل ذكرى بالغة التعقيد عن قصةٍ ما تدوم لما بين ٤٠–٥٠ دقيقة، ثم نجعلهم يغيرون تفاصيل معيَّنة داخل هذا السياق الأكبر. هذا هو الشيء الجديد؛ إذ إنها خطوة مهمة لإظهار الأهمية المتأصلة [لعملية إعادة الترسيخ] في البشر.»

بعد مشاهدة ١٤٦ متطوِّعًا للحلقة التجريبية من مسلسل «٢٤»، طلب منهم تشان ولاباليا إما أن يلعبوا لعبة تتريس، أو أن يُجِيبوا على أسئلة اختبار الذاكرة حول مقطع الفيديو الذي شاهدوه. ثم بعد مرور عشرين دقيقة، استمعوا إلى تسجيل صوتي قصير يُفترَض أنه يلخِّص الحلقة، لكن هذا التسجيل غيَّرَ بعض التفاصيل التي وردت في الحلقة الأصلية سرًّا، على سبيل المثال، استبدل حقنة ماندي بمسدس صاعق. وبعد خمس دقائق، أخذ كلُّ شخص اختبارًا به أسئلة (صواب أم خطأ) حول ما شاهده المتطوعون في الأصل.

في هذا الاختبار الأخير، كان مستوى المتطوعين أسوأ في تذكُّر التفاصيل التي تغيَّرت في الملخَّص الصوتي بدقة، لكن هذا فقط كان بالنسبة لمَن أجابوا سابقًا عن الأسئلة التي جعلتهم يسترجعون الأحداث التي رأَوها في الفيديو؛ أما هؤلاء الذين لعبوا تتريس لم يتأثروا.

ومن ثَمَّ، فإن الاختبار أخَلَّ بذكريات المتطوعين حول ما اختُبِروا فيه، مما مهَّد الطريق للملخَّص المغلوط ليشوِّش معلوماتهم. وقد نجح هذا الأمر حتى عندما تذكَّرَ المتطوعون بدقةٍ ما حدث في الحلقة خلال الاختبار الأول؛ فقد غيَّر التسجيل الصوتي المغلوط ما ظنوا أنهم يعرفوه.

من خلال التكرار وإدخال تغييرات على هذه التجربة الأساسية، أظهر تشان ولاباليا أن التأثير يدوم لوقت طويل، حتى لو اجرِي الاختبار النهائي عقب الملخَّص الصوتي للحلقة بيوم وليس بخمس دقائق فقط. ولكن لكي تنجح هذه الخدعة، يتعيَّن أن تأتي المعلومة الخاطئة بسرعة، وأن تكون محدَّدة بدقة، فإذا مضت ٤٨ ساعة بين الاختبار الأول والاستماع إلى الملخَّص الصوتي للحلقة، وليس ٢٠ دقيقة فقط، فإن الذكريات الأصلية ستثبت ولن تتغيَّر. وإذا تضمَّن الملخَّص سيناريو مختلفًا — على سبيل المثال، قيام القاتلة بإفقاد مضيفة الطيران وعيها في سياق الاتِّجَار بالمخدرات وليس الإرهاب — فإن المعلومة الجديدة لا تحلُّ محل الذكرى الأساسية قَطُّ، وهذا الأمر يفسِّر السبب وراء عدم تشوُّش ذكرياتنا القديمة على الدوام، على الرغم من تعرُّضنا لمعلومات جديدة على الدوام.

ويشك تشان ولاباليا أيضًا في أنه ينبغي أن يصدِّق الناس أن هذه المعلومة الجديدة تمثِّل المعلومة القديمة بدقة، وهذا لن يحدث إذا ما اكتشفوا بوعي تضارُبًا حقيقيًّا بين المعلومتين. فيقول تشان: «إذا ما اعتقدوا أن ثمة معلومة مضلِّلة هنا، فإنهم سيكونون أقل عُرْضةً بكثيرٍ للوقوع تحت ذلك التأثير.»

وقد توصَّلت دراسات أخرى حول عملية إعادة ترسيخ الذكريات إلى نتائج مشابِهة، لكن هذه الدراسة تُظهِر أن التلاعب بالذكريات لا يقتصر على المنتجات البسيطة للارتباط الشرطي الأساسي، ولكنه يضم كذلك المعارف الأكثر تعقيدًا، وهذا يدعم عمل علماء النفس من أمثال إليزابيث لوفتس — التي أثبتت مدى سهولة زرع الذكريات المزيَّفة في الناس.

كما أن هذه النتائج تتفق مع عدد متزايد من القرائن التي تُظهِر أن شهادة العيان ليست شديدة الموثوقية في أغلب الأحيان — رغم ما يعتقده الناس. يقول تشان: «لنفترضْ أن محقِّقًا يستجوبك، وأنك استرجعت الحدث، وفي الفترة التي تتراوح بين ١٥–٢٠ دقيقة التالية، قد تلتقي بشاهد عيان آخَر أو تسمع صدفةً المحققين يتحدثون مع بعضهم. وهنا قد تستطيع بعض المعلومات غير الدقيقة تحديث ذاكرتك.»

الشيء الأكثر إيجابية أنه قد يكون لهذه الدراسة آثارها على معالجة الحالات التي تتضمن ذكريات غير مرغوبة كالرُّهَاب بأنواعه، أو اضطراب ما بعد الصدمات. وكما يقول تشان ولاباليا: «البشر معروفون بأنهم غير أَكْفاء في كَبْت الأفكار غير المرغوب فيها.» فإذا ما حاولنا ألَّا نفكِّر في شيء بعينه، ينتهي بنا الحال إلى التفكير فيه بدرجة أكبر. بدلاً من ذلك، قد يكون أكثر فائدة أن نتذكر بوضوحٍ ما يزعجنا ونُعِيد تأويله في ضوء جديد، معتمدين على عملية إعادة الترسيخ لإعادة تشكيل الذكريات القديمة بطريقة أقل إزعاجًا.

إن معالجة اضطراب ما بعد الصدمات باستخدام الأسلوب العلاجي القائم على القبول والالتزام تعمل بطريقة مشابهة، إلَّا أنه كثيرًا ما يُفترَض أنها تساعد الناس على ترك الماضي وراءهم، أو فَصْل تجاربهم عن المشاعر السلبية. لكن تشان ولاباليا يشيران إلى أن مِثْل هذه الأساليب ربما تستخدم فعليًّا تأثيرَ إعادة ترسيخ الذكريات لإعادة صياغة الماضي، بدلًا من قطع علاقتنا به فحسب.

When Memories are Remembered, They Can Be Rewritten by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. May 20, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.