إذا استطاع مدير الدقهلية أن يصول ويجول، ويقصر ويطول، ويقف ويقول، ويخطب في رجال التعليم الإلزامي كما كان يخطب زياد في أهل العراق، باسطًا عفوه لمن تاب وأناب، مسلِّطًا سخطه على من شك وارتاب …

وإذا استطاع مأمور مركز بني مزار أن يدعو إليه جماعة من المصريين خلقوا أحرارًا كرامًا لآباء أحرار كرام، حتى إذا انتهوا إليه، وقاموا من بين يديه، تكبَّر وتجبَّر، ثم استأسد وتنمَّر، ودعاهم بالكلاب وأبناء الكلاب، وأنذرهم بامتصاص الدماء، وتخريب البيوت …

وإذا استطاع وزير التقاليد أن يرسل القارعة على أهل الجامعة، فلا يرعى فيهم قانونًا ولا يحفل لهم بحق، وإنما يغيِّر ويبدِّل، وينقل ويعيِّن، ويقول ما لا يقال، ويأتي ما لا ينبغي أن يأتي من الأمر …

وإذا استطاعت وزارة الداخلية أن تُطلق أيدي المديرين والمأمورين في الناس يعصفون بهم عصفًا، ويعسفون بهم عسفًا، ويفرضون عليهم الضرائب لا كما يريد القانون، بل كما يريدون …

إذا استطاع هؤلاء جميعًا كل هذا جميعًا، ولم يلقوا فيه مقاومة، ولا احتملوا فيه مشقة، ولا تعرضوا فيه لسؤال، ولا أشفقوا فيه من لوم؛ كان من الطبيعي جدًّا، ومن اليسير جدًّا، ومن الأشياء التي لا يجب الوقوف عندها، ولا التفكير فيها، أن يقسو وزير لاحق على وزير سابق، وأن يطغى عضو من أعضاء حزب الشعب على صفوة حزب الشعب، وأن يتجافى المنزلاوي بك عن الصلح مع علام باشا، وأن لا يحفل المنزلاوي بك بستة وعشرين من أهل الحظيرة على رأسهم زعيم الحظيرة صدقي باشا، وأن يقف المنزلاوي بك من هؤلاء الناس الذين يعتمد عليهم ويلتمس عندهم التأييد موقفَ الذي لا يحفل بهم، ولا يحسب لهم حسابًا، وإنما يدعهم يسعون ويلحُّون في السعي، ويهيئون ويجدُّون في التهيئة، ويصفون الأكواب، ويجتمعون حول الموائد وينتظرون تشريفه ساعة وبعض ساعة، حتى إذا أبطأ عليهم تحدثوا إليه بالتليفون، فأعلن إليهم هادئًا مطمئنًّا باسمًا مستهزئًا أنه لا يريد الحضور.

كل هذا ممكن، وكل هذا واقع، وكل هذا لا بأس به، ولا غرابة فيه؛ لأنه ملائم أشدَّ الملاءمة لطبيعة الأشياء، فمن عزيز، ومن يهن يسهل الهوان عليه، وقد عزَّ في مصر قوم فبزوا، وأبيح لهم كل شيء، وقد هان في مصر قوم فذلوا، ويجب عليهم أن يحتملوا كل شيء.

وقد يخيَّل إليك أن في هذه الصور التي نعرضها في هذا الفصل اختلافًا وتباينًا. فأي صلة بين موقف نيازي باشا من رجال التعليم، وموقف المنزلاوي بك من صفوة حزب الشعب؟ وأي صلة بين موقف وزير التقاليد من الجامعيين، وموقف مأمور مركز بني مزار من أهل أبي جرج؟

ولكن هذه الصور، على اختلافها الظاهر وتباينها الذي يبدو لأول وهلة، متفقة أشدَّ الاتفاق، مؤتلفة أشدَّ الائتلاف؛ لأنها صدرت عن مصدر واحد، وخرجت من ينبوع واحد، وانتهت إلى غاية واحدة. فأما المصدر الذي صدرت عنه، فهو هذه الكبرياء التي تخرج أصحاب السلطان عن أطوارهم، وأما الغاية التي انتهت إليها فهي هذا الإذعان الذي يضطر إليه الناس بكل ما يأتيهم من أصحاب السلطان.

فلولا أن مدير الدقهلية، ووزير التقاليد، ومأمور بني مزار، ووزير الداخلية، والمنزلاوي بك، لولا أن هؤلاء السادة جميعًا يفهمون السلطان والمنصب على أنهما قوة، يبيحان كل شيء؛ لما أقدموا على ما أقدموا عليه، ولولا أن رجال التعليم الإلزامي والجامعيين، وأهل أبي جرج، وصفوة حزب الشعب، يفهمون طاعة السلطان وإكباره على أنهما قبول كل شيء، والإذعان لكل شيء يأتيهم من أهل السلطان، لما اجترأ هؤلاء السادة على أن يأتوا ما أتوا ولا رضي رعاياهم أن يحتملوا منهم ما احتملوا، ولكن فكرة السلطان قد فسدت في مصر منذ أعوام؛ فهمها الحكام على غير وجهها، ورجع بها أولئك وهؤلاء إلى ذلك العصر القديم الذي لم يكن فيه قانون ولا دستور، ولا صلات منظمة بين الناس، على أساس القانون والدستور، والذي كان الحكم فيه إرادة لا نظامًا، وكانت الطاعة فيه إذعانًا لا احترامًا لسلطان النظام.

فليس المصريون الآن أمام أحداث تحدث ثم تمر وخطوب تلم ثم تذهب، وإنما هم أمام نفس تتغيَّر وفكرة تقوم مقام فكرة، وحياة تقوم مقام حياة. كان المصريون قد خطوا خطوات واسعة في طريق الحرية، وفَهْم الكرامة الإنسانية، وتقدير الصلة بين الحاكم والمحكوم، وإقامة القانون والنظام مقام الإرادة والهوى، فردوا بحمد الله — الذي لا يحمد على المكروه غيره — إلى حيث كانوا منذ زمن بعيد. واستطاع الوزراء والمديرون والمأمورون، ومن هم دون هؤلاء، أن يفرضوا عليهم ما يشتهون، وأن يأخذوهم بالطاعة والإذعان لما لا يحق لهم فيه طاعة ولا إذعان.

هؤلاء رجال التعليم الإلزامي، يكرهون على تغيير أزيائهم، ثم يكرهون على الرضا بهذا التغيير، ثم يحشرون للمدير حشرًا، ثم يرفعون الشكر إلى المدير، ثم يلقون خطبته بالرضا الظاهر، والشكر البين، والإذعان الذي لا حد له. وهؤلاء الجامعيون يأخذهم وزير التقاليد بغير القانون، ويخضعهم وزير التقاليد لغير العدل، فيرضون أو يسخطون، ولكنهم يظهرون الرضا، ويثنون أو يجمجمون ولا يخفون الثناء.

وهؤلاء أهل أبي جرج يسبون سبًّا، فيتلقون السبَّ، وينصرفون، ولولا أن يزورهم صحفي، ويسمع منهم، ثم يغضب لهم لما علم بأمرهم أحد. وهم لا يستطيعون غير هذا، وهم لا يملكون غير هذا، وماذا تراهم يستطيعون؟ وماذا تراهم يصنعون؟

وهؤلاء صفوة حزب الشعب بناة النظام الحاضر فيما يقولون، وصماته، وحفظة النظام الحاضر فيما يقولون وسدنته، وأصحاب الكثرة البرلمانية فيما يقولون، تقوم الوزارة رغم أنوفهم، يشترك فيها من يشترك، وينصرف عنها من ينصرف، ويهمُّون أن يجعلوا لأنفسهم شأنًا في تكوين الوزارة، فتخذلهم الظروف، فيذعنون أقبح إذعان، ويستسلمون أقبح استسلام، ويُكرِهون رئيسهم على أن يفتح باب الحظيرة لمن أخرج من الحظيرة. ثم يعود المفصولون إلى الحظيرة عودة الفاتحين، فتستقبلهم الحظيرة مبتهجة بهم، مثنية عليهم. وفي أثناء ذلك يعلن أن أحد الوزيرين المفصولين قد قذف مدير الحزب، وأضاف إليه أمورًا لا ينبغي أن تصدر عن الوزراء — وكان هذا المدير وزيرًا في يوم من الأيام — فيغضب المدير، ولكن وحده، وينصرف المدير، ولكن وحده، وينقطع المدير عن الحزب ولكن وحده. ثم يخطر لرجل من أهل الخير أن يعطف الوزير اللاحق على الوزير السابق، وأن يصلح بين المختصمين؛ فيسعى ويخيَّل إليه أنه قد وفق، فيهيئ الشاي، ويدعو إليه، ويسرع المدير المقذوف إلى إجابة الدعوة، ويسرع الرئيس المغلوب إلى إجابة الدعوة، ولكن القاذف يأبى بعد أن قبل، وينأى بعد أن دنا، ويعلو بعد أن تنزَّل، ويعلن كما تقول السياسة أنه كان يريد أن يلقى صاحبه منفردًا لا في ملأ من الناس؛ أي إنه كان يريد أن يختصم في شارع ويصطلح في حارة كما تقول العامة.

ويتفرق المجتمعون، ولست أدري أشربوا الشاي أم عافته نفوسهم بعد أن كانت في ظمأ إليه. ولن يكون لهذا الحادث أثر في حزب الشعب؛ لأن المنزلاوي بك وزير قائم، ولأن علام باشا وزير مستقيل؛ لأن الوزارة القائمة محتفظة بالسلطان، ولأن صدقي باشا وأصحابه ملزمون أن يُذْعِنوا للسلطان. وهم ملزمون أن يذعنوا للسلطان لأنهم أصحاب الكثرة البرلمانية، التي تملك السلطان، والتي تستطيع أن تمنحه للوزراء أو تأباه عليهم. المنزلاوي بك لم يهنهم، وإنما هم أهانوا أنفسهم. وهل المنزلاوي بك إلا رجل منهم يمثلهم في الوزارة، ويستمتع بحظهم من السلطة؟ هم محتاجون إليه لأنه وزير، وهو محتاج إليهم لأنهم نواب وشيوخ. فيجب أن يصبر بعضهم لبعض، وأن يحتمل بعضهم من بعض، وأن يغفر بعضهم لبعض. هم محتاجون إلى المنزلاوي بك؛ لأنه يدهم في الحكم، وهم محتاجون إلى علام باشا؛ لأنه يدهم في الحزب. فإذا اعتدت إحدى اليدين على الأخرى، فلا ينبغي الانتقام من اليد المعتدية؛ لأنهم إن فعلوا أساءوا إلى أنفسهم بأنفسهم، وأضعفوا أنفسهم بأنفسهم.

وكذلك يريد الله أن تفهم الأمور على هذا الوجه في هذه الأيام، وأن تقوم الصلة بين الحاكمين والمحكومين على القوة والضعف، وعلى القدرة والعجز، لا على الحرية والكرامة، ولا على النظام والقانون.

وصدقي باشا صاحب هذا كله ينظر إلى هذا كله، والله يعلم أيألم لهذا كله، أم لا يجد الألم إلى نفسه سبيلًا؛ لأنه قد ظفر بما أراد من السلطان، وظفر بما أراد من الجاه والغنى، وأصبح يستطيع أن يستمتع بلذات الحياة ما وسعه ذلك، وأن ينظر إلى الحياة العامة على أنها فن من التمثيل لا يمنحه الرجل إلا أوقات الراحة والفراغ، ولا ينظر إليها الرجل نظرة الجد، وإنما ينظر إليها نظرة التسلية والتلهية.

ما أكثر ما جنى صدقي باشا على نفسه وعلى مواطنيه! وما أخفَّ ما يلقى صدقي باشا من الجزاء على ما قدَّم لنفسه ولمواطنيه!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.