المؤرخون الذين نقصد كانوا أولئك الذين تأثروا بمؤثرات بلغت في بعض الأحيان حد العنف، وعبَّروا عن شجونهم أو انفعالاتهم أو إحساساتهم بالتأليف التاريخي المشابه للتراجيديا في صفات رهبة الموضوع أو عِظم قدره وجلاله، وفي شعور المؤلف بقوة الدواعي أو العوامل التي تحرك الرجال أو تُحدث الأحداث مع إخضاع الأشياء لنوع من الاطراد يجرها حتمًا نحو غايات مفارقة للبشرية. والإلهام الوارد في العنوان وصف لما ينتاب المؤرخ من جراء الأزمة التي تدفع به نحو ذلك التعبير بالتأليف التاريخي، ويوحى إليه أحيانًا بموضوع التأليف وبأسلوبه.

وقد بحث أستاذي «أرنولد توينبي» موضوع إلهام المؤرخين في فصل رائع من فصول دراسته التاريخية الجامعة، وعرض له في موضع كلامه عما سمَّاه «الانسحاب والعودة»؛ أي انسحاب الرجل طوعًا أو كَرهًا من مجتمعه أو قومه أو عمله أو شأنه ثم العودة إلى أحد هذه رجلًا آخر برسالة جديدة أو بعمل جديد. والرجال الذين اختارهم «توينبي» لإيضاح ما ذهب إليه، كان منهم قديسون وأنبياء ورجال سياسة ورجال حرب وفلاسفة ومؤرخون … فتكلم في كل حالة مما اختار عن الأزمة أو الأزمات التي حلت بالرجل فغيرت مجرى حياته تمامًا ورجع من بعدها رجلًا آخر. وقد اختص «توينبي» ما ورد في فصله هذا عن إلهام المؤرخين بدراسة خاصة ستُنشر قريبًا فيما سيُنشر من بقية كتابه الكبير.

وليس بدعًا أن نتحدث عن الانسحاب والعودة وإلهام المؤرخين في «الهلال» وصاحبه — طيب الله ثراه — مثل رائع للانسحاب والعودة وإلهام المؤرخين. أفلم تقرأ فصولًا من مذكراته — نشرها «الهلال» — عما حدث في الجامعة الأمريكية ببيروت مما ألزمه بأن ينصرف عما أقبل عليه من دراسة الطب وبأن يغادر وطنه إلى وطن آخر؟! وكان ما كان من عودته للعالم العربي حاملًا لرسالة أخرى هي غير رسالة الطبيب، فنهض يجمع للعرب تراثهم التاريخي ويقدمه لهم في أسلوب جديد. وكانت المادة التاريخية العربية في أسلوبها القديم لا يكاد يستسيغها إلا الباحث المحقق، فهذبها جرجي زيدان واستخدم في تهذيبها مناهج التحقيق التي اتبعها المستشرقون — وأظن أنه كان أول من فعل ذلك من العرب — ثم قدمها للقراء فصولًا في الهلال أو مؤلفات تاريخية خالصة أو قصصًا. فمن المناسب إذن كل المناسبة أن نتحدث في الهلال لقرائه عن ظاهرة الانسحاب والعودة وعن إلهام المؤرخين. ولنختر من أمثلة أستاذي توينبي المؤرخ اليهودي يوسيفوس، والمؤرخ العربي ابن خلدون، والمؤرخ الإيطالي ماكيافللي، وأضيف إليهم الإنجليزي إدوارد جيبون والمصري عبد الرحمن الجبرتي.

وأقدم الجماعة يوسيفوس، وهو عن العرب ليس بالغريب، فقد وجدتْ كُتبه إلى مؤرخيهم سبيلها، وإن كانت شهرته عند النصارى واليهود أكبر من شهرته عند المسلمين، ولا غرابة في ذلك، فأولئك أكبر اهتمامًا بما يتصل بالنصرانية واليهودية من هؤلاء.

ومأساة يوسيفوس من مأساة اليهود، وُلد في فلسطين في بيت كريم، وأُعد ليكون حبرًا من أحبار طائفته، وعرف بلاده وعرف طائفته قبل أن تحل بها النكبة الكبرى، وعرف روما وتزود من الثقافة اليونانية بقدر ما تزود من ثقافته القومية. وشهد وهو في العشرين من عمره آخر مشاهد ثورة قومه على روما في سنة ٦٦ قبل الميلاد، وثورة اليهود على الهيلانية ممثلة أولًا في السلوقيين وأخيرًا في الرومان تبدأ مشاهدها من ١٦٨ قبل الميلاد.

ويوسيفوس يقدِّر تمامًا كل المعاني التي انطوى عليها ذلك الكفاح المرير بين الشعب الصغير والعملاق الكبير، قال: «إن هذه الحرب هي أكبر حرب شهدها العصر الذي أعيش فيه، وهي أيضًا أكبر حرب وقعت بين أمة وأمة وبين مدينة ومدينة.» واشترك يوسيفوس في الحرب قائدًا مدافعًا عن حصن في بلاد الجليل، واستبسل في الدفاع، ولكنه سلَّم سيفه بعد أن قُتل رفقاؤه عن آخرهم؛ ومن هنا تبدأ المأساة، قال قومه: ألم يكن الأخلق به أن يقتل نفسه؟ وقالها هو لنفسه، ولكنه لم يقتل نفسه؛ ومن هنا يبدأ وخز الضمير. واقتيد يوسيفوس أسيرًا في الأصفاد، ثم نال رضا القيصر فسبازيان وابنه طيطوس، ووفد إلى روما وعاش فيها بأنعم عيش. وكلما قارن ما هو فيه بما أصاب قومه من ذل وتشريد وبما أصاب معابدهم ومنازلهم من تخريب زاد شقاؤه، وخاصةً ما امتُهن به هو في عرضه عندما قضى فسبازيان غرضه من زوجته مارًّا في ليلة من الليالي على حد بعض الروايات؛ وهكذا قضت الأحداث على يوسيفوس بالانسحاب من مجتمعه وحياته، فعلى أي نحو كانت العودة؟ وماذا ألهمته الظروف؟ عاد يوسيفوس مؤرخًا يحيي آثار قومه، لعله بذلك يصل ما انقطع بينه وبينهم، ولعله بذلك يكفِّر عن جناية الانتماء إلى الأعداء الذين نكبوهم أي نكبة، ولعله بذلك يتطهر من دنسه ويخفف عن نفسه تأنيب الضمير. عرف كل هذا القصصي الألماني فيوختنبانجر، فاتخذ مأساة يوسيفوس موضوعًا لرواية ممتعة حقًّا نشرها بهذا الاسم.

وقد لمس ابن خلدون في حياته الخاصة جميع ما تعرَّض له الأندلس والمغرب من مبادي الدول ومراتبها وتزاحمها وتعاقبها، جلا أجداده الأقربون عن الأندلس، وضربَ هو في طول البلاد وعرضها ورأى بعينيه آثار الكفاح بين البادية والحضر، وتكونت لديه مشكله عقلية علمية من الطراز الأول، فسعى إلى حلها وإلى رد فوضى الأحداث المتفرقة إلى نظام وإلى اطراد. ومن ثم كانت المقدمة وكان التاريخ، وهما مثال التاريخ الخالص، أو — إن شئت — العلم للعلم. والتأليف التاريخي هنا لشفاء حاجة النفس إلى الفهم وإلى التفسير وإلى النظام، لا للاتعاظ والاعتبار ولا لسياسة المُلك أو ما إلى ذلك؛ فهو في الجملة — بالنسبة إلى المؤلف — «فرج من بعد ضيق، وخلاص من بعد شدة».

فأما الضيق والشدة فمرجعهما خراب الأندلس وخراب المغرب وتزاحم الدول وتعاقبها، وقد عانى من جراء ذلك ما عانى … جاء في الفصل الذي عقده بعنوان «في أن العرب إذا ما تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب»: «وإفريقية والمغرب لما جاء إليها بنو هلال وبنو سليم منذ أول المائة الخامسة وتمرسوا بها لثلاثمائة وخمسين من السنين عادت بسائطها خرابًا كلها بعد أن كان ما بين السودان والبحر الرومي كله عمرانًا، تشهد بذلك آثار العمران فيه من المعالم وتماثيل البناء وشواهد القرى والمدائن، والله يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.» وهذا عمومًا، وأما عن عصره بالذات فقال: «وأما هذا العهد وهو آخر المائة الثامنة فقد انقلبت أحوال المغرب الذي نحن شاهدوه وتبدلت بالجملة … هذا إلى ما نزل بالعمران شرقًا وغربًا في منتصف هذه المائة الثامنة من الطاعون الجارف … وكأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب، لكن مع نسبته ومقدار عمرانه … وإذا تبدلت الأحوال جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله وتحول العالم بأسره، وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وما لم يحدث، فاحتاج لهذا العهد من يدون أحوال الخليقة والآفاق وأجيالها والعوائد والنِحل التي تبدلت لأهلها، ويقفو مسلك المسعودي لعصره ليكون أصلًا يقتدي به من يأتي من المؤرخين من بعده، وأنا ذاكر في كتابي هذا ما أمكنني منه في هذا القطر المغربي إما صريحًا وإما مندرجًا في أخباره وتلويحًا، لاختصاص قصدي في التأليف بالمغرب وأجياله وأممه دون ما سواه من الأقطار لعدم اطلاعي على أحوال الشرق وأممه.»

هذا مصدر الإلهام، وأما «الانسحاب» فكان عندما استوحش من السلطان أبي حمو … فانتهز فرصة إيفاد السلطان له سفير اللحاق بأولاد عريف، وأحسن هؤلاء لقاءه واعتذروا عنه للسلطان في تخليه عن قضاء حاجته، وضموا إليه أهله وولده، ثم أنزلوه في قلعة أولاد سلامة، وبها أقام أربعة أعوام متخليًا عن الشواغل وبها أكمل «المقدمة» على ذلك النحو الغريب الذي اهتدى إليه في تلك الخلوة، «فسالت فيها شآبيب الكلام والمعاني على الفكر حتى امتخضت زبدتها وتألفت نتائجها»، ثم قال: «وطال مقامي هناك وأنا مستوحش من دولة المغرب وتلمسان، وعاكفٌ على تأليف هذا الكتاب، وقد فرغت من مقدمته إلى أخبار العرب والبربر وزناتة، وتشوقت إلى مطالعة الكُتب والدواوين التي لا توجد إلا بالأمصار بعد أن أمليت الكثير من حفظي وأردت التنقيح والتصحيح، ثم طرقني مرض أربى بي على المنية، لولا ما تدارك من لطف الله، فحدث عندي ميل إلى مراجعة السلطان أبي العباس والرحلة إلى تونس حيث قرار آبائي ومساكنهم وآثارهم وقبورهم …» وكانت العودة لتونس ثم لمصر وبها كانت النهاية.

قال ابن خلدون إن كلامه مستحدث الصفة، وإنه ليس من علم الخطابة ولا هو أيضًا من علم السياسة المدنية … وكأنه علم مستنبط النشأة … فيه مسائل تتصل بعلوم أخرى، وهو لا يتردد في انتحال كل ما يتصل بالعمران. وتساءل: لمَ لمْ يسبقه سابق في النحو الذي نحا؟ وعلل هذا بأن ثمرة طريقته تنحصر في تصحيح الأخبار وإن كانت المسائل التي عني بها في ذاتها وفي اختصاصاتها شريفة، وهذه الثمرة في أعين الحكماء حقيرة، وهذا تعبير ابن خلدون عن التأليف التاريخي الخالص. وكأني بأرنولد توينبي في القرن العشرين يلهم ما ألهم ابن خلدون في القرن الرابع عشر. ولا أنسى قول الأستاذ لي عندما نشر المجلدات الثلاثة الأولى من كتابه: «ها قد أزحتها عن صدري»، والقول نفسه يصح صدوره عن ابن خلدون!

وثالث الجماعة الإيطالي ماكيافللي، وشهرته عندنا أنه الرجل الذي دعا رجال السياسة إلى التنكر للمبادئ الخلقية، وهذه الشهرة بها من التبسيط ما ينزل بها للتشويه. وكان الرجل مواطنًا من أبناء فلورنسه، كان في الخامسة والعشرين عندما عبرت جنود ملك فرنسا جبال الألب ونزلت في سهول إيطاليا، وذلك في ١٤٩٤م؛ أي أنه كان من ذلك الجيل من الإيطاليين الذين عرفوا إيطاليا خالصة لأبنائها، وعرفوها ميدانًا تتقاتل فيه جيوش أتت إليها عبر البحار وعبر الجبال زهاء ما يقرب من خمسمائة عام.

وبالغزو الفرنسي انتهت فترة من التاريخ الإيطالي، وأي فترة! فترة سيطر فيها الإيطاليون على الحياة الاقتصادية في بيزنطة وفي غربي أوروبا وفي الأقطار العربية حول البحر الرومي، وانتشرت فيها المستعمرات الإيطالية حول البحر الأسود وفي البلقان وجزائر الأرخبيل، وتمكَّن في خلالها ماركوبولو وأقرباؤه من اختراق آسيا إلى الصين، وكريستوف كلومب من اختراق المحيط إلى أمريكا، وفوق هذا كله كانت النهضة الأدبية الفنية المشهورة. فلا عجب أن كان العالم الغربي عبر الألب في نظر الإيطاليين بلاد المتبربرين! وكان أن غزا أولئك المتبربرون إيطاليا وبدأ بذلك عهد جديد لإيطاليا وللغرب.

وهذه هي القضية الكبرى التي واجهها ماكيافللي. وقد حذق الرجل أساليب السياسة في بلاده وفي بلاد العالم الغربي، ولكن حدث في ١٥١٢م أن انقلابًا سياسيًّا في وطنه أزاحه عن منصبه وساقه إلى العقاب والسجن ثم إلى ما نسميه تحديد الإقامة في مزرعته بعيدًا عن المدينة. وكان هذا هو «الانسحاب»، فانصرف إلى «مخالطة» الأقدمين وإلى التفكير في مأساة بلاده ومأساة نفسه، واهتدى — كما نعرف — إلى أن لا مخرج لإيطاليا من غمرتها إلا بالاتحاد في مُلك قوي يضارع فرنسا الموحدة وإسبانيا الموحدة وغيرهما. وكان التفكير في وسائل الاتحاد على يد رجل حرب وسياسة هو الملهم لكتابه المشهور «الأمير»، وهو الملهم أيضًا لمؤلفاته التاريخية الرائعة في الجمهورية الرومانية وفي فلورنسة وفي فن الحرب. والتاريخ عند ماكيافللي هو مدرسة السياسة، فهو ليس التاريخ الخالص الذي عرفناه عند ابن خلدون، وليس المأساة الشخصية والقومية التي عرفناها عند يوسيفوس. وهكذا «انسحب» ماكيافللي مواطنًا فلورنسيًّا «وعاد» مؤرخًا عالميًّا.

ونختم هذا الحديث بذكر رجلين لم ينسحبا ولم يعودا، ولكن مصدر الإلهام في حالتيهما جدير بالإشارة: أحدهما إدوارد جيبون، عاش في القرن الثامن عشر، والآخر عبد الرحمن الجبرتي، عاش قسمًا من عمره في ذلك القرن والقسم الآخر في القرن التاسع عشر، وأدرك الأول مبادئ الثورة الفرنسية، وشهد الآخر قدوم جيش من جيوش الثورة لبلاده وتغلُّبه عليها حينًا من الزمن؛ ولكن كل منهما بقي في فلكه لا يدري شيئًا عن الآخر.

وإدوارد جيبون علَم من أعلام الاستنارة الأوروبية في القرن الثامن عشر، قال يصف ساعة الإلهام: «كان ذلك عند الغروب، وكنت بين أطلال الكابيتول، أتفكر وأتأمل، وطرق سمعي الأناشيد الدينية يرتلها الرهبان الحفاة في داخل معبد كبير الآلهة الرومان، وفجأة طرأ على خاطري الموضوع الذي صاحبني منذ ذلك الحين.» خطر له أول الأمر أن يكتب في عظمة المدينة وخرابها، ثم وسعه إلى خراب الحضارة الرومانية بأسرها، أو ما سمَّاه «أعظم فصول التاريخ الإنساني وأشده رهبة». وما أبرع ما كتب أسلوبًا، يحزن لحماقة الإنسان ولكن لا يطلب منه أكثر مما يستطيع، وكلما سمح له سياق الحديث تمهل ووقف ليستنشق هواء الجمهورية الرومانية النقي المنعش، ويعود ليمضي فيما هو في سبيله فيروي قصة انتشار المسيحية وجدل اللاهوتيين وشطح المترهبنين وأفاعيل المتبربرين. وتاريخ جيبون قطعة رثاء، جيبون يؤرخ موت الحضارة على يد الدين والبربرية، والتاريخ عنده — كما كان عند سائر المستنيرين في القرن الثامن عشر — آلة من آلات الحرب التي شنوها على الإيمان وعصور الإيمان، ولم يكن أداة التحري عن الحقيقة، فالحقيقة عرفوها قبل أن يبحثوا عنها، وقرروها، ثم طلبوا التاريخ لإثبات ما عرفوا من قبل وما قرروا.

وفي أثناء أن كان جيبون يقص رواية موت الحضارة، كان رجل في القاهرة يعد هو أيضًا قصة ما أصاب العالم الذي أدركه صغيرًا وعاش فيه شابًّا سعيدًا. واستخدم في إعداد القصة وتنسيقها الأساليب التي ورث ولكنه صور في تلك الأساليب ما شاء له فنه؛ فأخرج بذلك تاريخًا قديمًا في ظاهره جديدًا في براعة التحوير والتنقل ما بين «اليوميات» بلغتها الدارجة الحية كما سمعها بأذنه أو قرأها في وثيقة، وبين التراجم الخلابة البديعة للرجال — وهل هناك أبدع من ترجمته لأستاذه مرتضى الزبيدي؟ أو لحظية أمير من أمراء المماليك محمد الألفي؟! — وبين النظرات العامة يرسلها في التمهيد للسنوات وفي الختام بلغة من إنشائه، هذا الرجل هو عبد الرحمن الجبرتي، عرفه معاصروه ونُقلت قطع من كُتبه في أيامه وبعد أيامه إلى الفرنسية والتركية، وعرفه المؤرخون المصريون القدامى منهم والمحدثون، وعرفه تلاميذهم جيلًا بعد جيل.

وتوجيهه للتاريخ أو على الأقل لتراجم الرجال يرجع إلى أستاذه الزبيدي، ولكن مصدر الإلهام كان شيئًا آخر. لو لم يكن هناك هذا المصدر، ولو لم يكن الجبرتي الرجل ذا الحس المرهف الذي كان، لخرج لنا تاريخ الجبرتي كما خرجت لنا «تراجم» معاصره في دمشق المرادي شيئًا نافعًا حقًّا ولكن لا روح فيه.

وبعد، فما المصدر؟ زوال مجتمع «وانعكاس المطبوع وانقلاب الموضوع» وبناء آخر. والزوال والبناء من فعل ثلاثة عوامل: فساد أمر الحكومة من بعد علي الكبير، والغزو الفرنسي، وظهور محمد علي؛ كان هذا مصدر الإلهام ومصدر تشكيل قصة الزوال والبناء على هذا النحو الرائع الذي نحاه الجبرتي.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.