ليست أزمة وزارية، ولا يُمْكِنُ أن تكون كذلك، فالوزارة القائمة لم تكن في يوم من الأيام أقوى منها في هذه الأيام، هي قوية بكل ما لهذه الكلمة من معنى، قوية في الداخل؛ لأنَّها منعت رئيس الوفد من زيارة القليوبية، ومنعت أهل القليوبية من لقاء رئيس الوفد، واضطرت رئيس الوفد إلى أن يخرج إليهم من بيت الأمة ليلقاهم في الشارع حيث كانت تضطرهم الشرطة إلى الوقوف!

وهي قوية؛ لأنها تحاصر الدُّور وتحتلها وترفع الجسور وتسدها، وتهدر مصالح الناس إهدارًا وتعطل أعمالهم تعطيلًا، وتكره حتى صحفها على أن تُسجل ذلك وتنكره، وتلفتها إليه، وتَحُول بين المرضى والطبيب، وتَحُول بين الطبيب والمرضى.

ووزارة تبلغ من القوة هذا كله لا يُمكن أن تتعرض لأزمة وزارية فضلًا عن أن تستقيل، ووزارتنا قوية في الخارج قوة تجعل استقالتها أمرًا مستحيلًا، فأين يوجد هذا البلد الذي يفرط في وزارة تقف وزراء الدول المفوضين عند حدودهم وتمنعهم من أن يلقوا عليها درسًا في الذوق، ثم لا تكتفي بوزراء الدول المفوضين، بل تتجاوزهم إلى المندوب السامي فتلفته وتلفت حكومته إلى أنه لم يَزُر رئيس الوزراء، وكان يجب عليه أن يزور رئيس الوزراء؟!

وزارة تأبى أن تتلقى درسًا في الذوق، ثم تُلْقي هي دروسًا في الذوق، ولا يمكن ولا ينبغي أن تستقيل، ولا يُمكن ولا ينبغي أن يفرط فيها بلد يعرف مَنَافِعَه، وينظر إلى أُموره نظرة فيها الجد، وحسن التفكير في عواقب الأمور.

ليست الأزمة التي نُريد أن نَتَحَدَّث عنها إذن أزمة وزارية، فلم تكن الوزارة في يوم من الأيام أقوى مما هي في هذه الأيام، وإنما الأزمة التي نريد أن نتحدث عنها أزمة سياسية خطيرة، أشد خطرًا من أزمة الوزارة. هي أزمة من شأنها أن تمنع وقوع الأزمات الوزارية إن كانت تُريد أن تقع، وأن تحلها وتلغيها إلغاء إن كانت قد وقعت بالفعل؛ فإن البلد الحازم الذي يعرف مصالحه ويحرص عليها لا يفكر في الأزمات الوزارية، ولا يرضى عمن يُفَكِّرون فيها حين توجد الأزمات السياسية الحادة أو التي تُشْبِهُ الحادة بينه وبين بلد أجنبي. ولست أدري لِمَ يُريد الناس أن تكون في مصر أزمة وزارية حين لا توجد هذه الأزمة إلا في الخيال، وحين يقتضي كل شيء أن تكون وزارتُنا أَثْبَتَ من المُقطم لتقاوم الأجانب، وتثبت لهم، وتعلمهم كيف يكون احترام الاستقلال؟!

وأظنك توافقني على أنَّ ما يتحدث عنه الناس من الخلاف بين رئيس الوزراء ودار المندوب السامي خليقٌ أَنْ نُفَكِّر فيه ونتدبر عواقبه؛ فالمندوب السامي رَجل خطير، يمثل دولة خطيرة هي إنجلترا، ورئيس الوزراء رجل خطير، وإن كان رجلًا طيبًا يُمثل دولة خطيرة هي مصر، وإذا وقع الخلاف بين رجلين خطيرين يمثلان دولتين خطيرتين فإنَّ أَمْنَ العالم وسلامته مُعَرَّضَانِ لِخَطَرٍ ليس بالقليل، ومعظم النار من مستصغر الشرر كما يقولون، فلو أنك وصلتَ إِلى القَاهِرَة من سفر بَعِيدٍ من الصين أو من اليابان، من الهند أو من السند، ثم سَعَى إليك أحد أصدقائك ليستقبلك في المحطة، فأَبْسَطُ الواجبات عليك بعد أن تستقر بك النوى وتطمئن بك الدار أن تسعى إلى صديقك هذا، لترد تحيته بمثلها أو بخير منها، ولكن المندوب السامي فيما ترى الوزارة المصرية قصر في هذا الواجب اليسير فلم يزر رئيس الوزراء مع أن رئيس الوزراء قد سعى إليه واستقبله في المحطة؛ فغضب رئيس الوزراء لهذا التقصير، وكان المعقول أن يغضب معه المصريون جميعًا، فليس رئيس الوزراء بالرجل الهين على مصر، وكان المعقول أن يصلح المندوب السامي هذا التقصير بعد أن لفت إليه، ولكن المصريين ظلوا هادئين لم يغضبوا ولم ينكروا، ولكن المندوب السامي ظَلَّ هَادئًا لم يصلح تقصيرًا ولا إهمالًا، بل سافر إلى بلاده كأن لم يحدث شيء.

هذا كثير، وهو خليق أن يدفع رئيس الوزراء إلى عمل حازم أو إلى عملين حازمين؛ أَحَدُهما: بالقياس إلى المصريين الذين لم يغضبوا ولم ينكروا، والثاني: بالقياس إلى الإنجليز الذين لم يصلحوا ولم يعتذروا. فأمَّا المصريون فتأديبهم يسير يكفي أن يفرغ وزير الداخلية لهم ولوفدهم فيعلمهم كيف تكون الطاعة للوزارة وكيف يكون الإذعان لها ومَنْحها من التأييد ما تحتاج إليه وما لا تحتاج إليه.

ويكفي أن يفرغ وزير التقاليد للطلاب والتلاميذ فيعلمهم كيف يوجهون جهودهم إلى ما تُريد الحكومة، وكيف ينفقون نشاطهم في تأييد الوزارة، بدل توجيه الجهود وإنفاق النَّشاط في مُقاومة مشروع القرش. ويكفي أن يفرغ وزير الحقانية للمُحامين فيعلمهم كيف يكون السمع وكيف تكون الطاعة، وكيف يكون تقدير الإنذارات واحترام إرادة الوزارة.

وأما تأديب الإنجليز فليس أشد من ذلك عسرًا، ولا أقل من ذلك يُسْرًا، كلمة تُقال في دار المندوب السامي هنا وأخرى تُقال في وزارة الخارجية هناك، وإذا الأمور تُرَدُّ إلى طبيعتها وتستقر في نصابها وكذلك فعلت الوزارة فحاولت تأديب المصريين، وحاولت لوم الإنجليز.

ولكن يجبُ أَنْ يكون قد حَدَثَ في العالم حَدَثٌ؛ فالمصريون لم يتأدبوا والإنجليز لم يذعنوا للوم، المصريون يُحبون الوفد والطلاب يُقَاوِمُون مشروع القرش والمحامون ينكرون قانون المُحاماة، وليس من أولئك ولا من هؤلاء من يغضب للرجل الطيب من تقصير الإنجليز، والإنجليز لا يقبلون اللوم، وإنما يردونه ردًّا على رئيس الوزراء ويزعمون أن التقصير لم يقع منهم، وإنما وقع من رئيس الوزراء نفسه؛ لأنَّه لم يُحسن درس التقاليد قبل أن ينهض بأعباء الحكم.

وكذلك تنظر الوزارة فإذا هي في أزمة سياسية قد عُقِّدت تعقيدًا، مصريون لا يتأدبون، وإنما يُكابرون ويتحدون وإنجليز لا يَقبلون اللوم، وإنما يلومون ويهمون بتجاوز اللوم إلى ما هو أشد منه ولو قليلًا.

أرأيت أنَّ الأَزْمَةَ أَجَلُّ خطرًا من أن تكون أزمة وزارية من هذه الأزمات التي تعوَّدَها الناس، وإِنَّما هي أزمة سياسية في الدَّاخل والخارج معًا؟! أَرَأَيْتَ أَنَّ الوزارة في حاجة إلى الراحة وفراغ البال؛ لتحل هذه الأزمة المُعَقَّدة وتَخْرُج منها ظافِرَة منصورة مطمئنة إلى طاعة المصريين، وحسن استقامة الإنجليز.

على أن طيبة الرجل الطيب لا يُمكن أن تذهب عبثًا دون أن تؤثر فيما يعرض له من المَشَاكِل والمُعضلات، وهذه الطيبة بركة من البركات، لا تمس شيئًا إلا أَصْلَحَتْهُ وجعلته كله خيرًا لا يشوبه شر، وصلاحًا لا يعرض له الفساد، فإذا كان بين خصوم الوزارة من يُسيء بها الظن، ويتربص بها الدوائر، وينتظر لها المكروه، فليرح نفسه من هذا كله، وليعلم أن طيبة الرجل الطيب ستُخْرِج الوزارة من جميع الأزمات.

وقد تحدَّثَ الناس بأنَّ هذه الأزمة نفسها قد أخذت تنحل، وستنحل يوم السبت إن شاء الله بما يحفظ حق مصر ويرفع كرامتها ومكانتها بين البلاد، تَحدَّث الناس بأن المندوب السامي بالنيابة زار رئيس الوزراء يحمل إليه تحية العيد مشوبة ببعض ما يشوب التحيات أحيانًا من العتب الذي لا يجعلها حلوة كلها، وأنَّ رئيس الوزراء سيرد إليه الزيارة يوم السبت، ويحمل إليه تحية ليست مثلها بل خير منها، تحية يشوبها شيء قد لا يصح أن يُسمَّى اعتذارًا ولكنه يُشبه الاعتذار، وتستطيع أن تُسميه رغبة في إصلاح ذات البين، وإزالة سوء التفاهم.

وماذا يريد الإنجليز؟! لقد نَسِي رئيس الوزراء أن يزور المندوب السامي بالأصالة فسيزور المندوب السامي بالنيابة، ونسي المندوب السامي أن يزور رئيس الوزراء، فزاره نائبه المستر ينكن، وانحلت الأزمة وصَفَت العلاقات، واستقر كل شيء وكأن لم يكن خلاف!

فليستيئس الذين كانوا ينتظرون من وراء هذه الأزمة آمالًا كبارًا أو صغارًا؛ فلم تكن الوزارة القائمة في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.