الناس جميعًا مقتنعون بأن الموقف السياسي الذي انتهت إليه مصر سيئ إلى أقصى غايات السوء، رديء إلى أبعد آماد الرداءة، لا يختلف أحد في ذلك، ولا يجادل فيه أحد، وإنما يختلفون في المخرج الذي يجب أن يلتمس للتخلص من هذا المأزق، والرجوع إلى حياة يسيرة تهدأ فيها النفوس، ويطمئنُّ الناس فيها على منافعهم وآمالهم.

ولسنا نزعم هذا زعمًا، ولا نلقيه على علَّاته، فتستطيع أن تثق بأن أشدَّ الناس اقتناعًا بحرج هذا الموقف الذي نحن فيه، ووجوب التخلص منه، إنما هم الوزراء ورئيسهم الذي سافر أمس ليستشفي ويستريح. هم أشدُّ الناس اقتناعًا بحرج هذا الموقف، وهم أحرص الناس على الخروج منه والتخفف من أثقاله، بشرط ألا يكون الخروج منه خروجًا من الحكم، وألا يكون التخفف من أثقاله تخففًا من أعباء الوزارة؛ لذلك اجتمعوا مساء الخميس، ولذلك اجتمعوا مساء الأحد، ولذلك اجتمعوا في القطار كما يجتمع المتحاربون حين يريدون الهدنة! أو يفاوضون في الصلح؛ ولذلك اتخذوا في اجتماعاتهم هذه قرارات عرف بعضها، وسيعرف بعضها الآخر غدًا أو بعد غد، والذي عرف منها يكفي لإثبات أنهم محرجون، وأنهم يلتمسون مخرجًا من هذا الحرج ومتنفَّسًا من هذا الضيق!

قرروا أن يفتح باب الاستثناء لكبار الموظفين وأشباههم من المحسوبين والمقربين، وأن ينفق عليهم مال الدولة عن سعة وفي غير تحفُّظ أو اقتصاد، لماذا؟ ليشجعوا من يرونه منهم محسنًا على إحسانه! وليصرفوا من يرونه منهم مسيئًا عن إساءته! ليضمنوا نصر هؤلاء الموظفين وتأييدهم، أو صمت هؤلاء الموظفين وهدوءهم على كل حال!

ثم رأوا أن هذا الاستثناء لا يُغني، وأن الوزارة لا تنتفع بكسب القلة من الموظفين، أو بإسكات هذه القلة، وإنما يُرجى لها النفع إن أرضت كثرة الموظفين فحولت الاستثناء إلى قاعدة، وفتحت أبواب الترقيات والعلاوات واسعة كل السعة، يدخل منها من يشاء الوزراء أن يدخلوه!

وأنت تستطيع أن تبحث عن الأسباب التي دعت إلى أن تتغير سياسة الوزارة إلى هذا الحد مع كبار الموظفين وصغارهم، فلن تجد إلا سببًا واحدًا مقنعًا؛ هو أن الوزارة واثقة بالضعف والاضطراب، وأنها تريد أن تقوي هذا الضعف وتثبت هذا الاضطراب، وأنها قد اهتدت إلى السبيل التي تظنها موصِّلة إلى ما تريد، وهي كسب الموظفين وإرضاؤهم بأن تردَّ عليهم ما كانت قد أخَّرَتْ عنهم من الترقيات والعلاوات!

وقرارٌ آخر ليس أقلَّ من هذا القرار دلالة على اقتناع الوزارة بالضعف، واجتهادها في التماس القوة التي تمكِّنها من البقاء، وهو هذا المليون الذي تفضَّلت به الوزارة؛ لمعونة الفلاحين؛ فقد تأخر شعور الوزارة بحاجة الفلاحين إلى هذه المعونة، ولم تسمع الوزارة صياح الفلاحين، ولم تسمع الوزارة أنين الفلاحين، ولم تَرَ الوزارة بؤس الفلاحين، ولم تشهد الوزارة ظهور الجوع والمرض بين الفلاحين، إلا في هذه اللحظة الأخيرة التي سبقت رحلة رئيس الوزراء!

بلى، لقد سمعت الحكومة ورأت وشهدت واقتنعت منذ زمن طويل بأن الفلاحين أشقياء، وبأنهم في حاجة إلى المعونة، وإلى معونة يقصر عنها هذا المليون، ولكنها أعرضت عما سمعت ورأت وشهدت وأحست ما وَسِعَها الإعراض، وما آمنت لنفسها بالقوة، وما أملت لنفسها البقاء، حتى إذا أظلم الجو، واضطربت الأرض، واشتدَّ عصف الريح، وَوَهَتْ أسباب الأمل، تنبَّهَتْ إلى الحرج، وفكَّرت في اتقائه، وجدَّت في الخروج منه؛ فآثرت الموظفين بالعلاوات، ونزلت للفلاحين عن جهد المقل، وهو هذا المليون!

فليس من شك إذن في أن الوزارة شاعرة أوضحَ الشعور بأن الموقف السياسي الذي نحن فيه رديء سيئ إلى أقصى غايات الرداءة والسوء. فأما الذين يؤيِّدون الوزارة ويتوسَّلون بها إلى قضاء اللبانات، وتحقيق المآرب، فقد شكوا فيها منذ زمن بعيد، ومدوا لها أسباب التأييد مبالغين في الاحتياط حينًا، ومبالغين في المجاملة حينًا آخر، حتى إذا ظهرت فضائح البداري تحول الشك إلى يقين، ثم لمَّا مرض رئيس الوزراء استيأسوا من الوزارة، وودوا لو يجدون سبيلًا إلى التخلص منها!

وقد برئ رئيس الوزراء بعضَ الشيء من مرضه، وما زالت التيمس تقول إن وزارته الآن لا رأس لها! وإن الأمل في نهوضه بأعباء الحكم حتى بعد عودته من أوروبا شيء لا سبيل إليه!

فالإنجليز إذن مستيئسون من الوزارة القائمة، رأت صحفهم الكبرى وما زالت ترى أنها وزارة بلا رأس؛ أي إنها وزارة عاجزة عن التفكير والتقدير والفهم والإرادة والعمل؛ لأن هذه الملكات كلها إنما تستقر في الرءوس لا في الأكتاف! وقد كانت مستقرة في رأس الوزارة وهو صدقي باشا، فلما مرض مرضت معه، وأصبحت الوزارة لها أكتاف وأذرع، ولها صدور وظهور، ولكن ليس لها رأس! فليس من سبيل إلى الأمل فيها، والاعتماد عليها، وإذن فكيف التخلص منها؟ أو بعبارة أدق كيف المخرج من هذا الموقف السياسي، بعد أن عجزت الوزارة عن إخراجنا منه؟!

أما مصر فرأيها في ذلك معروف، ولكنك تعلم حقَّ العلم أن الأمر في هذه الأيام ليس لمصر، ولو قد كان أمر مصر إليها، أو إليها وحدها على أقل تقدير، لما انتهينا إلى هذا الموقف، ولما كان شيء مما يكره ويضيق به الساسة الآن.

وأما الوزارة فقد عرفت مذهبها في الخروج من هذا الموقف، وهو هذا الذي سماه مُكَاتِب التيمس في الصيف الماضي رشوة يقصد بها إلى كسب الأنصار والمؤيدين من الموظفين والفلاحين.

أما الإنجليز، فالحل الذي يرضيهم ليس إليه من سبيل فيما يظهر؛ فهم يريدون وزارة لا تسيطر عليها وطنية الوفد الهوجاء، وكأنهم قد درسوا فأطالوا الدرس، وبحثوا فأتقنوا البحث، ثم كانت نتيجة هذا الدرس الطويل والبحث المتقن أن وطنية الوفد الهوجاء هذه واقفة بالمرصاد لكل وزارة تنهض لأمور الحكم على غير إرادة الأمة، وأن وقوف وطنية الوفد الهوجاء هذه قد أضاع جهود الوزارة القائمة، وانتهى بالتجربة إلى إخفاق ليس مثله إخفاق، وهو من غير شك سيضيع جهود الوزارات الأخرى التي تشبه الوزارة القائمة، وسينتهي بالتجارب الأخرى التي تشبه التجربة القائمة إلى إخفاق ليس مثله إخفاق.

وإذن فليس للمشكلة إلا حلان؛ أحدهما يكرهه الإنجليز فيما يظهر، ولا يستطيعون أن يذوقوه الآن على أقلِّ تقدير، وهو أن يتركوا أمور مصر لمصر، ويدعوا وطنية الوفد الهوجاء هذه تدبِّر أمور مصر على ذلك النحو المعروف الذي تحبه مصر فيما يظهر، ولا تريد أن تنصرف عنه، ولا أن تزهد فيه، مهما تنفق الجهود لصرفها عنه وتزهيدها فيه.

والثاني لا يستطيعه الإنجليز ولا يقدرون عليه، وهو أن تمحق وطنية الوفد الهوجاء هذه محقًا، وتسحق سحقًا، وتعفى آثارها تعفية تامة، وقد أقيمت الوزارات المختلفة لتحقيق هذا الغرض، وقضاء هذه اللبانة، فكانت كثور الأعشى هذا الذي ينطح الصخرة فيوهي قرنه، ولا يبلغ من الصخرة شيئًا، فلم يبقَ إلا عمل واحد حاسم يريح الإنجليز وأصدقاءهم من وطنية الوفد الهوجاء هذه، وهو إجلاء المصريين عن مصر، وإخراجهم من أرضها، وتشريدهم في أقطار الأرض في أمكنة بعيدة، بعيدة جدًّا، لا تصل إليها الأنباء، ولا تأتي منها الأنباء!

هنالك — وهنالك فحسب — تستقيم الأمور، وتستطيع الوزارة القائمة، بل تستطيع وزارات أضعف من الوزارة القائمة، أن تحكم مصر في غير مشقة ولا جهد ولا عناء! وأي جهد تلقاه الوزارة في أن تحكم أرضًا قد خلت من أهلها، وبلادًا قد أُقْصِيَ عنها سكانها؟!

هذا هو الحل الصحيح لمشكلة وطنية الوفد الهوجاء، ولكن متى يجد الإنجليز من أنفسهم الشجاعة والقدرة على أن يزعجوا الأمة المصرية عن أرضها، ويزيلوها عن بلادها؟ وإن فعلوا فإلى أين يرسلون أفواجها الطريدة الشريدة؟

إن هذه الأمة موبوءة بوطنية الوفد الهوجاء! فهي حيثما ذهبت نقلت معها وطنية الوفد الهوجاء، فحصرُها في دارها خير من تشتيتها في أقطار الأرض، وإذن فأين المخرج من هذا المأزق؟ وكيف السبيل إلى التخلص منه؟!

ليس هناك إلا هذا المخرج الذي يجد الإنجليز فيه مرارة وغضاضة، وهو أن يقتنع الإنجليز بأن مصر يجب أن تعيش لنفسها لا للأجنبي، وبأن مصر يجب أن تعيش بأهلها لا بالأجنبي، وبأن مصر يجب أن تحكم كما تريد هي لا كما يريد الأجنبي، وبأن مصر لن ترضى ولن تذعن حتى يُخَلَّى بينها وبين وطنية الوفد الهوجاء، تلقي إليها أَعِنَّة الحكم ما أحبتها ووثقت بها، ورضيت عنها، فإذا كرهتها، أو رغبت عنها، أو زهدت فيها، تخلصت هي منها حرة لا مكرهة، وحوَّلت هي عنها أعنة الحكم إلى قوم آخرين.

هذا شيء لا يحبه الإنجليز الآن، ولكنهم سيحبونه غدًا من غير شك؛ لأن الإنجليز مهما تعظم قوتهم، وتشتد سطوتهم، وتحتد شوكتهم أضعفُ من أن يغيِّروا طبائع الأشياء.

وإلى أن يعترف الإنجليز لأنفسهم بهذا الضعف، وإلى أن يؤمن الإنجليز لمصر بحقها في أن تجعل أمورها لمن تشاء حتى لأصحاب الوطنية الهوجاء، يجب أن نظل نحن أقوياء صابرين، ولكن في أمل وعزة وابتسام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.