أما ناظرها فحضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا، وأما طلابها فينقسمون إلى ثلاثة أقسام: طلاب مرشحون؛ وهم هؤلاء المستوزرون من أعضاء البرلمان ومن غير أعضاء البرلمان، لا يشترط فيهم إلا شرط واحد نعرفه جميعًا ونقره جميعًا، وهو ألا يكونوا من المعارضة أو من أنصار المعارضة! وإنما يظهر فيهم ظهورًا واضحًا استعدادٌ حسنٌ لتأييد الوزارات مهما تكن، ولتأييد صاحب الدولة صدقي باشا بنوع خاص.

وطلاب عاملون؛ وهم حضرات أصحاب المعالي والسعادة والعزة الذين يختارهم رئيس الوزراء بالفعل، ويعهد إليهم بتدبير أمور الدولة تحت إشرافه البارع، وفي ظل سياسته الحكيمة، وطلاب مفصولون؛ إما لأنهم أسرفوا في النجاح، أو لأنهم أسرفوا في الإخفاق أثناء وقت الدراسة والتمرين؛ وهم هؤلاء الوزراء الذين ينقلون أو يُقالون أو يستقيلون، فمنهم من يعمل في سفارات الدولة، ومنهم من يستريح في بيته. وأولئك وهؤلاء ينتظرون أن يحتاج رئيس الوزراء إليهم، فيردهم إلى المدرسة ليستفيد من كفايتهم، أو ليُدرِّبهم ويُمرِّنهم مرة أخرى!

وأما هيئة التعليم في هذه المدرسة ففرد واحد جمع اللَّه فيه أفرادًا، وشخص واحد ألَّفه اللَّه من أشخاص، وكفاية واحدة صاغها اللَّه من كفايات. وهذا الفرد المتحد المجتمع، وهذا الشخص المؤتلف المختلف ذو الكفاية المحصورة المنثورة، وهو حضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء … وقد يُعِينُه أساتذة مساعدون، كما يقول الجامعيون، وقد يُعينه مدرسون أيضًا. وهؤلاء الأعوان يختلفون، فبعضهم من المصريين، وبعضهم من الإنجليز، وبعضهم من الأوروبيين بوجه عام.

وأما أمد الدراسة في هذه المدرسة فيختلف طولًا وقصرًا، ويختلف عرضًا وضيقًا، باختلاف ما يستمتع به الطلاب من استعداد للنجاح والتفوق، وللإخفاق والعجز، فمنهم من يقضي في المدرسة شهرًا ثم ينقل، ومنهم من يقضي في المدرسة عامًا ثم يوكل إليه عمل آخر، ومنهم من يقضي في المدرسة عامين ثم يخرج، ومنهم من يقضي شهرين ثم يستقيل …

وكذلك أراد اللَّه لمصر المستقلة أن تنشأ فيها هذه المدرسة الغريبة التي لم تسبقنا إليها أمة من الأمم، إلا الأمة الإيطالية الصديقة، والتي لم يؤسسها قبل رئيس وزرائنا إلا زعيمُ إيطاليا العظيم، السنيور موسوليني؛ فقد لاحظ الناس جميعًا وتحدثت الصحف الأوروبية المختلفة أن الزعيم الإيطالي قد أنشأ مدرسة للحكم، يهيئ فيها الإيطاليين لفهم النظام الإيطالي الجديد؛ فهو يجمع الوزراء ويفرقهم، وهو يقرهم ويقلقهم، وهو يريد أن يهيئ للفاشست أجيالًا من الوزراء إذا خلي منهم جيل خلفه جيل آخر.

ولم يقلده في هذا النحو من التعليم إلا رئيسُ وزرائنا العظيم! أما هتلر فقد نهض بأعباء الحكم في ألمانيا وأمامه مثلان؛ يستطيع أن ينظر إلى إيطاليا فينتفع، ويستطيع أن ينظر إلى مصر فيستفيد. وأكبر الظن أنه سينظر إلى البلدين جميعًا؛ فكلاهما خليق أن يعلم فيحسن التعليم!

ليقل الساسة والصحفيون ما يشاءون في تفسير هذا الترقيع الذي أحدث في الوزارة صباح أمس؛ ليُعلِّله بعضهم بنسيم يهب من اليمين، أو ريح تعصف من الشمال، ليلتمس بعضهم تفسيره في عناد حزب الاتحاد، أو في طمع حزب الشعب. أما أنا فلا أفسره إلا بشيء واحد؛ هو أن رئيس الوزراء قد أنشأ مدرسة للحكم، فهو يحكم من ناحية، ويُعلم الحكام ويخرجهم من ناحية أخرى!

ورئيس الوزراء لم يذهب إلى روما في الصيف عبثًا، ولم يلق زعيمها العظيم عبثًا، ولم يُثنِ على أساليبه في الحكم عبثًا، ولم يَعِد بأنه سيستفيد من هذه الأساليب عبثًا؛ فلم يكد يعود من أوروبا ويستقر في مصر أشهرًا حتى أظهر أنه قد انتفع بلقاء الزعيم الإيطالي العظيم، فأبعد عن الوزارة وضم إليها، ثم لم يكد يستقر بعد ذلك شهرين حتى أقصى عن الوزارة وأدنى منها، رغم ما ألمَّ به من مرض، وما احتمل من ألم وسقام.

هي إذن خطة خطَّها رئيس الوزراء لنفسه في تسيير سفينة الوزارة. وهذه السفينة قد يواتيها النسيم فتعتدل وتستقيم، وقد تعصف بها الريح فتترجح وتضطرب، إلى أن يأذن اللَّه لها فتستريح وتريح.

وقد تضيق بهذا النحو من التفسير والتأويل، وتسألني أن أذهب مذهب غيري من الكُتَّاب فأَجِدَّ في الفهم والتفسير، ولكن ما رأيك في أني لا أحب هذا الجد ولا أميل إليه، ولا أستطيع أن أُكرِهَ نفسي عليه؟ وكيف تريدني على أن أكتب جادًّا في السياسة المصرية إذا لم تكن هذه السياسة نفسها جادة ولا محبة للجد؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يزعم أن سياستنا جادة وهي تقوم على إهمال الشعب وإنكاره، والإعراض عما يحب، والإقبال على ما يكره، والانصراف عما يريد، والتهالك على ما يأبى؟ وكيف تريد أن تكون سياستنا جادة وأمورنا كلها تُدبَّر في الخفاء، ويُقضي فيها من وراء ستار ونحن عنها غائبون؟ وكيف تريد أن تكون سياستنا جادة وأمور الشعب في هذه الأيام العصيبة متروكة إلى رجل أيسر ما يقال فيه: إنه في حاجة شديدة إلى أن يستريح؟ بل كيف تريد أن تكون سياستنا جادة ورئيس وزرائنا لا يتحرج من أن يقول في كتابه الذي رفعه إلى حضرة صاحب الجلالة الملك: إنه قد انتهى من إقرار النظام، فهو يستطيع أن يدع وزارة الداخلية إلى وزير آخر؟! أحقٌّ أنه يترك وزارة الداخلية لأنه قد أدى مهمته وأقر النظام، أم الحق أنه يدع هذه الوزارة لأنه لا يستطيع منذ اليوم أن ينهض بأعبائها مع ما ينهض به من الأعباء الأخرى؟

وأخيرًا كيف تريد أن تكون سياستنا جادة وقد جمع رئيس الوزراء إليه الهيئة البرلمانية لحزبه، فأبلغها أنه قرر وأنفذ تعديل الوزارة، فسمعت الهيئة وتأثرت وهنأت، ثم انصرفت لتجدد التأثُّر والتهنئة والشكر في مجلس النواب!

لا، إنما تجد سياستنا يوم تكون أمور الشعب إلى الشعب، ويوم يُقضى في أمور الشعب جهرة، ويوم تستشار الهيئات البرلمانية ولا يُقتَصَر على تبليغها والاستماع لما تُقدِّم من تحية وتهنئة وشكر وثناء.

فإلى أن يأتي هذا اليوم الذي تجد فيه السياسة المصرية فتضطرنا إلى أن نجد في فهمها وتفسيرها، بل في بذل ما نملك من جهد لتقويمها إن اعوجَّت، وتوجيهها إن انحرفت، إلى أن يأتي هذا اليوم يحسن أن نعبث مع سياستنا العابثة.

ستسألني: ومتى يأتي هذا اليوم؟

فمن يدري؟ لعله يكون أقرب مما تظن وأظن، فلننتظر باسمين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.