ونقول اليوم كما قُلنا أمس، وكما قُلنا أول أمس: إنَّ فكرة الديمقراطية في مصر تُمْتَحَنُ الآن امْتِحانًا دَقيقًا عَسيرًا، كما يمتحن فهم المصريين لها، وإيمانهم بها، امتحانًا دقيقًا عسيرًا. بل نقول اليوم أكثر مما قُلنا أمس وأول أمس، نقولُ: إنَّ النظام القائم نفسه هو الذي يُمْتَحن الآن امتحانًا دقيقًا عسيرًا، والذي يمتحنه هو صدقي باشا مُنْشِئ النِّظام القائم، والذي حماه أكثر من ثلاثة أعوام، وتكلف في حمايته ما تكلف، وكلف المصريين في هذه الحماية ما كلفهم.

ففكرة الديمقراطية الصحيحة تقتضي أنْ يُسأل الوزراء عما فعلوا، وهي تقتضي أن يكون سؤال الوزراء شديدًا مُتحرجًا، مُبالغًا في الشدة والتَّحرج؛ لأنَّها تقتضي أن يكون الذين ينهضون بالأعمال العامة أطهارًا أتقياء، لا فيما بينهم وبين أنفسهم فحسْب، بل فيما بينهم وبين الناس قبل كل شيء؛ لأنَّ الثِّقَةَ بنزاهة الوزراء هي قوام الحكم في كل نظام، وهي قوام الحكم في نظام الديمقراطية خاصة. ولا ثقة حيث تُوجَدُ الإِشَاعَات ويَكْثُر فيها حديث الناس، وتخوض فيها الأندية في الليل والنَّهار، ثُمَّ لا تَجِدُ من شمس الحق المُشرقة ما يبدل سحابها الكثيف أو الرَّقيق.

والنظام القائم ديمقراطي فيما يقول أصحابه ومنشئوه، وهو قد قَرَّرَ أَنَّ الوزراء مسئولون، وهو قد قرَّرَ أنَّ الوزراء يُحَاكَمُون إذا اقتضت أعمالهم أن يحاكموا. وقد ملأ صدقي باشا وأصحابه، وملأ الرجل الطيب وأصحابه أسماع الناس وقلوبهم وعقولهم، بكلماتِ العدل والقسط والنَّزَاهة والإنصاف والدِّيمُقراطية، وما يشبه هذه الكَلِمَات التي يُحِبُّ الناس أن يَسْمَعُوها، ولكنهم يحبون قبل كل شيء أن يروا معانيها الجميلة الرائقة، وأن يبلوا آثارها الحلوة العذبة، وأن ينعموا برحمتها ويطمئنوا إلى أنها تبسط عليهم ظلها، وتحميهم من الجور والظلم والعبث، وتطرد عنهم القهر والعسف والاستبداد.

والناس يشهدون هذا الامتحان الذي تخضع له فكرة الديمقراطية، ويخضع له النِّظام القائم، وهم يُحِبُّون أنْ يَرَوا نتيجة الامتحان؛ ليعلموا أنَّ فِكْرة الديمقراطية موجودة حقًّا في مصر، وليعلموا أنَّ النِّظام القائم يُحَقِّق هذه الفكرة ويحميها، ويُثبت أنَّه صَالِحٌ للبقاء وقادرٌ عليه. وموضوع الامتحان سهل يسير ليس بالمعضل ولا بالمعجز، يستطيع أبسط أصول الديقراطية، ويستطيع أبسط النظم الديمقراطية أنْ يجوزاه مع نجاح عظيم. فوزير الداخلية السابق صدقي باشا قد أجاز أعمالًا خطيرة شعر الناس بخطرها وأكثر الناس فيها الحديث، وزَعَمُوا أنَّها أَضَاعَتْ مئات الألوف من الأموال العامَّة، وشعرت الوزارة القائمة نفسها بهذا الخطر، وجزعت له، وأَظْهَرَتِ الحِرْصَ على أن تتبينه وتُعاقب الذين تورطوا، وورطوا غيرهم فيه، وأُلِّفَتْ لذلك لجنة كلفتها التحقيق الدقيق، وانتظر الناسُ وانْتَظَرَتِ الحُكومة نتيجة هذا التحقيق.

فالمسألة التي تلقى الآن على الديمقراطية والنظام الدِّيمُقراطي في مصر، هي هذه: أيبلُغ التحقيقُ صدقي باشا أم يعجز عن الوصول إليه؟ وقد كان الجواب الأول مُحزنًا مع الأسف فقد ظهر أنَّ التَّحقيق الذي فرضته الحكومة، وأنشأت له لجنة لا يستطيعُ أنْ يبلغ صدقي باشا، بل لا يستطيع أن يفكر في الوصول إلى صدقي باشا؛ لأنَّ صدقي باشا كان وزيرًا؛ ولأنَّ الوزراء لا يسألون إلا أمامَ البرلمان ولجان البرلمان، واللجنة التي ألفتها الحكومة ليست برلمانية، وظهر أيضًا أنَّ السلطة القضائية القائمة ليستْ مُخْتَصَّة بسُؤال صدقي باشا وإنما البرلمان وحده هو المختص بهذا السؤال. وليس على شيء من هذا كله غبار، فليس الخطر على الديمقراطية والحق والعدل ألا يسأل صدقي باشا أمام اللجنة أو أمام السلطة القضائية، وإنما الخطر كل الخطر والإفلاس الديمقراطي كل الإفلاس، والهزيمة المنكرة للحق والعدل والإنصاف والنزاهة، ألا يسأل صدقي باشا بحال من الأحوال. وقد تكلمنا أمس، وتكلمنا أول أمس، عن موقف الوزارة القائمة من هذه المَسْأَلة، حين أُلِّفت لجنة التحقيق، فقد كانت تعلم من غير شك أنَّ في مصر دُستورًا، وأنَّ الدستور لا يُبيح سؤال الوزراء عن أعمالهم إلا أمام البرلمان، وهي إذن قد ألفت هذه اللجنة، وهي مُعتزمة في نفسها ألا يسأل أمامها صدقي باشا، ونحن نكره أنْ نَعْتَقِدَ أنَّ الوزارة كانت تجهل الدستور. فالمسألة الآن هي: هل يظل صدقي باشا بمأمن من أن يُسأل، ما دامت اللجنة لا تستطيع أن تسأله، وما دامت السُّلطة القضائية لا تستطيع أن تسأله، أم هل ينفذ الدستور الذي أصدره صدقي باشا في صدقي باشا نفسه؟ أم هل يؤلف البرلمان الذي أشرف على انتخابه صدقي باشا لجنةً لسؤال صدقي باشا؟ أم هل يُقِيمُ النِّظام القائم دليلًا لخصومه، وخصوم مُنْشِئِه على أنه قادر على البقاء، مُحَقِّق للعدل والنزاهة، لا يتحرج حتى من أن يسأل مُنشئه ومصدره، والذي حماه أكثر من ثلاثة أعوام؟ هذه هي المسألة، وهي كما ترى مسألة عَظِيمة الخطر، خليقة أن يُعنى الناس بها، ويلتفتوا إليها، ويتحدثوا فيها. وهي خليقة — بنوع خاص — أن يُعْنَى بها الوزراء، لا لأنَّهم خصومُ صِدقي باشا، فأُمور الحكم يجبُ أن تكون فوق الخصومات؛ بل لأنَّهم مكلفون بتنفيذ الدستور، ولأنهم قاموا لحماية النظام الجديد. وهي خليقة أن يُعنى بها الشيوخ والنواب، لا لأنهم أصدقاء الدكتاتور العظيم أو خصومه، فأمور الدَّولة يجبُ أن تكون فوق الحب والبغض، وفوق النصر والخصومة؛ بل لأنهم عمد النظام الجديد، قد أقسموا جميعًا يمين الإخلاص له، والاحترام لأصوله وأحكامه. ثم هي خليقة أن يُعنى بها صدقي باشا، لا ليدفع عن نفسه ما تصوغه حوله الإشاعات، فقد يكون صدقي باشا عند نفسه أرفع من أنْ تَمَسَّه الإشاعات، ولا ليدفع عن نفسه ما قد يتعرض له من سوء الظَّنِّ، فقد يكون صدقي باشا أشجع من أن يحفل بسوء الظن؛ ولكن ليحمي النظام الذي أنشأه، والذي حماه أكثر من ثلاثة أعوام. وصدقي باشا يُحِبُّ هذا النظام، كما يحب الأب الرحيم الشفيق ابنه البر الوفي، فمن حق النِّظام علي صدقي باشا أن يحميه، ومن حق صدقي باشا على نفسه أن يحمي ابنه، وأن يُثْبِتَ للنَّاس ولنفسه أَنَّه أَبٌ رَحِيمٌ يَعْرِفُ كيف يحمي أبناءه الأَعِزَّاء. وصدقي باشا مع ذلك قد أقسم يمين الإخلاص والاحترام للنِّظام القائم، فمن الحق عليه أنْ يبر بهذه اليمين، ومن الحق عليه أن يسعى إلى اللجنة القائمة، وإن لم تَدْعُه، وأن يتحدث إليها وإن لم تدْعُه، وأن يتحدث إليها وإن لم تسأله. فإن شق عليه ذلك ورأى سكوتًا من الوزارة، وسكوتًا من الشيوخ والنواب، فمن الحق عليه أن يطلب إلى مجلس النواب تأليف هذه اللجنة البرلمانية التي تستطيع وحدها أن تدعوه وأن تسأله، وأن تحكم له أو عليه، وأن تثبت أن في مصر ديمقراطية ونظامًا ديمقراطيًّا.

وكم يرتفع صدقي باشا في أعين الناس إن تقدم إلى البرلمان يطلب إليه تأليف هذه اللجنة! ثم نحب أن نقول في صَرَاحَةٍ ووضوح للوزراء وللشيوخ وللنواب، ولصدقي باشا نفسه: إنَّ التَّحقيق الذي جرى مع المُوَظَّفين في قصة الكورنيش ليس شيئًا إذا لم يتبعه التحقيق مع الوزير الذي أذن لهم في العمل إن كان قد أذن، أو الذي تركهم يعملون بغير إذن، إن كان قد تركهم يعملون بغير إذن. فالموظفون مسئولون من غير شك عن كل ما يعملون، ولكنَّ رؤساءهم من الوزراء ليسُوا أَقَلَّ منهم تبعة، بَلْ هُم أَشَدُّ منهم تبعة وأثقل واجبًا. ولعلَّ مِنْ مُجَاوزة العدل أن يُسأل الموظفون المرءوسون؛ لأنَّ الحكومة تملك سؤالهم ومحاسبتهم، وأن يُترك الوزراء المسئولون؛ لا لشيء إلا لأنَّ الدستور يجعل سؤالهم إلى البرلمان! فليسألهم البرلمان إذن، وليُنشئ بذلك القُدْوَة الصَّالحة والأُسْوَةَ الحَسَنَة، وليبين للموظفين الذين يُسألون أنهم لا يسألون وحدهم وإنما يسأل معهم وزراؤهم أيضًا.

أرأيت أنَّ الامتحان الذي تجوزه الديمقراطية، والنِّظام الديمقراطي في مصر الآن ليسا من الأشياء التي يُمكن الإغضاء عنها، أو التهاون في أمرها، وإنما هو من الأشياء ذات الخطر حقًّا. أما إذا جرت الأمور كما ينبغي أن تجري في البلاد التي لم يفسد مزاجها الظلم؛ فليس من شك في أن صدقي باشا سيسأل قبل أن يمضي وقت طويل. وأمَّا إذا لم يسأل صدقي باشا؛ فقد يكون من العسير أن نعتقد أن في مصر ديمقراطية وأنَّ النظام القائم قد نجح في الامتحان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.