أراد وزير المالية أن يلفت موظفيه إلى أن على رأسهم وزيرًا مسئولًا لا ينبغي أن تُقضى من دونه الأمور؛ فقلب وزارته رأسًا على عقب، واضطر بعض الموظفين إلى أن يُغيِّروا غُرَفَهم، واضطر بعض الأعمال إلى أن تنتقل من أيدٍ إلى أيدٍ أخرى، وأرسل موظفًا إلى أسوان بعد أن كان يفكر في إلغاء نقله؛ لأنه اقتنع فيما يُقال أنه مظلوم. واضطر وكيل المالية إلى غضب ما يزال محتفظًا به رغم ما يبذل من سعي متصل طويل، وأراد وزير المالية أن يُبيِّن لغير الموظفين أن للمالية وزيرًا يملك الأمر والنهي ويملك تنفيذ الأمر إذا أمر، وتنفيذ النهي إذا نهى؛ فلم يكد يتقدم إليه عضو من أعضاء حزب الشعب يطلب إليه تأجيل القسط من ثمن صفقة لم تتم، ولم تسلك طريقًا يرضاها القانون حتى أمضى، وردَّ الطلب إلى هذا العضو وعليه إمضاء الوزير ليثق العضو بأن للمالية وزيرًا.

ثم لم يكد يعلم وزير المالية ما كان يجهل من أمر هذه الصفقة حتى استردَّ الطلب وألغى القرار، وعلم هذا العضو من أعضاء حزب الشعب أن للمالية وزيرًا إن استطاع أن يوافق، فهو يستطيع أن يَعْدل عن الموافقة، إن استطاع أن يُقْدِم فهو يستطيع أن يُحْجِم.

ومن الظلم أن ننكر على وزير المالية أنه خليق بالثناء؛ لأنه عرف الخطأ فرجع عنه، ورأى الصواب فقصد إليه، ولكننا نحب أن يكون وزير المالية خليقًا بالثناء الخالص المطلق، فليس يكفي أن ترجع عن خطأ واحد لتكون وزيرًا منصفًا، وإنما يجب أن ترجع عن كل ما يتبين أنه خطأ، وإذن فيجب أن يُلْغَى نقل ذلك الموظف الذي نُفِي إلى أسوان، ويجب أن يحتمل الوزير تبعة قصة القطن إن كان فيها تبعة على غير صدقي باشا، ولا سيما وقد اعترف صدقي باشا في بيانه الذي أذاعه اليوم بأن وزارة المالية لم تزد على أن استمرت في تنفيذ ما بدأ من التدخل قبل أن يستقيل، وأنها كانت مضطرة إلى ذلك اضطرارًا. ويجب أن تعود الأمور في وزارة المالية إلى ما كانت عليه قبل تلك الغضبة المضرية البلقاء.

والوزير ليس هو الذي يوافق ويخالف فحسب، وإنما الوزير هو الذي إن رأى الصواب مضى إليه، وإن رأى الخطأ رجع عنه، وإن رأى أمرًا مبهمًا كشفه وجلاه، وأمر بالتحقيق فيه.

وعند وزير المالية أمور مبهمة جدًّا، من الحق عليه ليكون وزيرًا وليصدق الناس أنه وزير أن يوضحها ويجليها، وهذه الأمور تُعْرَض عليه في الصحف كل يوم ويسأله عنها النواب كل يوم، وينتظر الناس رأيه فيها كل يوم، ويظهر أن مصلحة الأملاك الأميرية غامضة كل الغموض، مبهمة كل الإبهام، محتاجة إلى أن يسلط عليها الوزير شعاعًا من بصيرته النافذة، وشهابًا من عقله المضيء؛ ليكشف عن غامضها، ويجلو وجهها الجميل المشرق للناس.

فالناس يلحون على الوزير في أن يُبيِّن لهم قصة مدير الأملاك نفسه، وما استبدل بمعاشه من هذه الأرض التي زاد ثمنها على الخمسة والثلاثين وبلغ الخمسة والأربعين، ثم أُعِيدَ تقديرها فهبط إلى الثمانية وإلى الخمسة، ثم اشتراها المدير بعد هذا الهبوط لا قبله ولا في أثنائه، فقد كان يستطيع أن يتداركها بين العشرين والثلاثين أو بين العشرة والعشرين، ولكنه أبى إلا أن يدعها تصل إلى الحضيض، ثم يمد إليها يده فيما يُقال لينقذها من هذا السقوط.

والناس يلحون على الوزير أن يدرس تقدير الأرض في مصلحة الأملاك ورفعها بعد هبوط، وخفضها بعد ارتفاع؛ فقد يظهر أنه لا يخلو من عبث، ومن عبث معيب، والناس يقولون إن عضو حزب الشعب ذاك كان قد أراد منذ زمن بعيد أن يشتري قطعة الأرض تلك، وأن يشتريها بالممارسة، وأن خمسة وأربعين فدانًا منها كان ينبغي أن تُباع بالمزاد، إلا أن يرى وزير المالية بيعها بالممارسة لأسبابٍ يبيِّنها، وقد رأى وزير المالية صدقي باشا فيما يُقال أن تُباع هذه الأرض بالممارسة، ولكنه لم يبيِّن سببًا. والناس يقولون إن ثمنًا كان قد حُدِّد لهذه الأرض، وهو ثلاثة آلاف ونصف ألف، وإن المشتري أقام زمنًا طويلًا لا يدفع الثمن ولا جزءًا من الثمن، والناس يقولون إن مدير الأملاك كتب إلى وزارة المالية يطلب منها إلغاء هذا البيع؛ لأن نكول المشتري عن دفع الثمن دليل على أنه قد عدل عن الشراء، والناس يقولون إن وزارة المالية ألغت البيع، وما كادت تلغيه حتى أُعِيدَ تقدير الأرض، وإذا ثمنها يهبط ألفًا ونصف ألف، وإذا هي لا تساوي إلا ألفين.

والغريب أن نفس ذلك العضو من حزب الشعب عادت فنازعته إلى هذه الأرض، وبعد أن فَقَدَتْ من ثمنها ألفًا ونصف ألف، والغريب أن مدير الأملاك الذي طلب إلى وزارة المالية إلغاء البيع، عاد فكتب إليها يطلب أن تبيع هذه الأرض من ذلك العضو الذي نفر منها، ثم عاد إليها بألفين من الجنيهات على أن يدفع من هذا الثمن ستمائة من الجنيهات معجلًا، ويدفع الباقي على خمسة أعوام بفائدة خمسة في المائة.

ثم عاد المدير نفسه فكتب إلى الوزارة نفسها يعرض عليها عن العضو نفسه أن يشتري الأرض نفسها بالثمن نفسه — ألفَيْ جنيه — وألا يعجل من هذا الثمن إلا ثلاثمائة جنيه، وإلا تُدْفَع بقية الثمن في خمس سنين بل في عشرة أعوام، وأن تُلْغَى الفائدة إلغاءً.

قالوا: وكان وزير المالية غائبًا فلم يقبل عرض المدير، قالوا: ثم عاد وزير المالية فجدَّد العرض، وقَبِل، واستقالتِ الوزارةُ بعد ذلك بأيام.

وكانت علة الشراء فيما يقولون أن هذه القطعة الحائرة من الأرض تقع في ملك العضو الشعبي، فلما تمَّتِ الصفقة على هذا النحو طلب المشتري أن تُكتَب هذه القطعة باسم زوجه، وطلبت زوجه أن تُكتَب هذه القطعة باسم ابنها، ودبَّ الريب إلى وزارة المالية فأخذت تدرس الموضوع، وفي أثناء هذا الدرس وافق الوزير على التأجيل، ثم عرف الوزير بعض القصة فألغى موافقته أول من أمس.

أليس يرى الوزير أن من الحق عليه ليكون وزيرًا بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة أن يضع مصلحة الأملاك موضع التحقيق؟! فقد يظهر أن ما يقع في مصلحة الأملاك لا يليق ببلد يكون وزير المالية فيه حسن صبري بك.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.