كلمة أحدثها النائب العام في أول الربيع، أو في آخر الشتاء، فظفرت بحظٍّ قلما تظفر به الكلمات في هذه الأيام، جرت بها الأقلام وانطلقت بها الألسنة، وأثارت في قلوب بعض الناس خوفًا، وأثارت على شفاه بعضهم الآخر ابتسامًا.

والكلمة غريبة في حقيقة الأمر قد لا يكون عليها اعتراض من الناحية اللغوية، وقد لا يضيق بها سيبويه أو الخليل كما يضيقان ببعض ما يدفع إليه النائب العام من الكلمات. ولكن غرابتها تأتي من أنها تُثِير ميلًا إلى التأويل وإلى التأويل الذي يدور دَوَرَانًا متصلًا، لا ينقطع حتى يتعب المؤوِّلِين، فالحزم مصدر والبدار مصدر آخر، وإضافة أحد هذين المصدرين إلى صاحبه يحدث حيرة لذيذة في الفهم والتقدير، ويخلع أحد المصدرين على صاحبه في غير تحديد ولا تحقيق. فحزم البدار قد يفهم منه البدار الحازم وقد يفهم منه الحزم المبادر، فالمضاف صفة للمضاف إليه، أو المضاف إليه صفة للمضاف، أو كلاهما صفة لصاحبه، وأنت تستطيع أن تدور بين هاتين الصفتين خالعًا إحداهما على الأخرى، كما أنك تستطيع إذا أتعبك الدوَرَان أن تستريح فتخلع الصفتين على رجل واحد هو صاحب العزة النائب العام الذي أحدث هذه الكلمة إحداثًا.

فحزم البدار أو بدار الحزم أو الحزم المبادر أو البدار الحازم أو النائب العام الذي يجمع بين الحزم والبدار معًا؛ فيكون حازمًا مبادرًا، ويكون مبادرًا حازمًا، ويكون حازمًا إذا بادر، ويكون مبادرًا إذا حزم. كل هذا يملأ القلوب روعة وروعًا في وقت واحد، وهو خليق أن يصدر من المجمع اللغوي أو هو خليق على كل حال — نقول هذا في غير مزح ولا دعابة — أن يرقى بالنائب أمام صاحب العزة لبيب عطية بك إلى المجمع اللغوي، وإن كانت الطرائق الندد وتعدية الفعل الذي لا يتعدى قد تردانه عن هذا المجمع ردًّا، فمهما يكن من شيء فإن حزم البدار أو بدار الحزم لم يكن في يوم من الأيام لازمًا واجبًا محتومًا كما هو في هذه الأيام، وهو لازم واجب محتوم بالقياس إلى النائب العام نفسه، وليس في هذا شيء من الغرابة، فالنائب العام قد ابتكر حزم البدار وبدار الحزم؛ فهو خليق أن يمضي بهما إلى أقصى الغايات وأبعد الآماد، وليس حزم البدار ولا بدار الحزم أن تجد حازمًا مبادرًا أو مبادرًا حازمًا حين تريد أن تأخذ الناس بما يجب أن تأخذهم به مما يقتضيه الحق والعدل والقانون فحسب، وإنما حزم البدار وبدار الحزم أن تأخذ نفسك بذلك قبل كل شيء وقبل كل إنسان. والنائب العام يعلم أن قد أضيفت إليه أمور منها أنه اشترك في عمل سياسي، وكانت نتيجة اشتراكه أن أقحم القضاء في السياسة أو أقحمت السياسة في القضاء، أو اتخذ القضاء وسيلة لحل أزمة سياسية بين الوزارة والإنجليز، وقد سكت النائب العام على هذا حين أضيف إليه وإن نفاه نفيًا خفيفًا، ولم ينكره صراحة إلا حين جدَّ الجد وأخذت آثار ذلك تظهر وتشغل بها الدوائر الرسمية، وكان حزم البدار أو بدار الحزم يفرض على النائب العام أن ينفي هذا الأمر من فوره وأن يكون هذا النفي صادقًا قاطعًا، لا سبيل إلى الشك فيه. ولكنه أهمل حزم البدار وأعرض عن بدار الحزم، وترك الصحف تقول والناس يخوضون، فلما نفي بعد أيام أقبلت السياسة اليوم تتحدَّاه نوعًا من التحدي غريبًا وتطالب الأهرام وتستحلفها بالشرف والنزاهة أن تقول إن الذي أنبأها بهذا النبأ لم يكن هو النائب العام. وإذن فالسياسة لا تقبل نفي النائب العام لما أذيع من اشتراكه في السياسة وإقحامه القضاء فيها، أو إقحامها في القضاء، بل هي تريد أن نفهم الناس شيئًا أبعد من هذا يفهمه كل من قرأ سؤال السياسة للأهرام.

ومن هذه الأمور التي أضيفت إلى النائب العام ما رواه الأستاذ الكبير الهلباوي بك؛ فقد تحدَّث الناس به أثناء الصيف، ونشرته السياسة صباح الخميس، وكان حزم البدار أو بدار الحزم يفرض على النائب العام أن ينفيه مساء الخميس وألا يقف عند النفي، بل يتجاوزه إلى التحقيق في هذا الأمر وفي الأمر الآخر الذي نشر يوم الثلاثاء، ولكن النائب العام أهمل حزم البدار وأعرض عن بدار الحزم يوم الخميس كله ويوم الجمعة كله، حتى تنحَّى المستشاران عن نظر القضية صباح السبت، وكان النائب العام يستطيع لو آثر حزم البدار أو بدار الحزم أن يرد عن هذين المستشارين الكريمين هذا الحرج، ولكنه لم يفعل. والغريب أن يصطنع حزم البدار وبدار الحزم رجل آخر غير النائب العام هو رئيس تحرير الوادي، فيطلب يوم السبت في حزم مبادر أو بدار حازم أن يستقيل النائب العام أو أن يلغى انتدابه للنيابة العامة، وبعد أن ظهر ما ظهر وكتب صديقنا الزيات ما كتب ذكر النائب العام حزم البدار وبدار الحزم، فنفى في الأهرام صباح أمس ما أضافه الأستاذ الهلباوي بك إليه من الحديث. نفى ولكن الأستاذ الهلباوي بك يصرُّ على صدق ما قال ويؤكده تأكيدًا، أكده لمندوب الوادي صباح أمس، وأكَّده في توسع وتفصيل للسياسة صباح اليوم، ووقف الناس جميعًا من النائب العام والذين أضافوا إليه ما أضافوا، هذا الموقف الغريب الذي يجب أن يرتفع عنه الأمين على الدعوى العامة.

النائب العام ينفي أن يكون قد اشترك في عمل سياسي، والسياسة تتحدَّاه، والنائب العام ينفي أن يكون قد قال في المستشارين ما نسب إليه والهلباوي بك يتحداه، فنظن أن حزم البدار أو بدار الحزم يقضي على النائب العام وعلى وزير الحقانية وعلى رئيس الوزراء أن يبيِّنوا للناس وجه الحق في هاتين القصتين بطريقة قاطعة حاسمة لا تدع للشك إلى نفوسهم سبيلًا.

ونظن أن أول ما يفرضه حزم البدار أو بدار الحزم على النائب العام إنما هو أن يتنحَّى عن أمانة الدعوى العامة حتى يظهر الحق واضحًا جليًّا، وإذا كان حزم البدار قد أهمل حتى شكا من إهماله الناس، فقد يكون من الحق ومن المعقول أن يرفق النائب العام ووزير الحقانية ورئيس الوزراء بحزم البدار وأن يردوا إليه شيئًا من الاعتبار.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.