تحدثنا منذ أسبوعين عن الحياة النيابية في مصر وأثرها في هجرة الريف إلى المدن، وقلنا إن النظام النيابي كما هو قائم في مصر اليوم لا يحقق معنى الديمقراطية على الوجه الصحيح؛ لأن الهيئات النيابية المحلية ليست قائمة كما يريد الدستور أن تقوم، ولأن اختصاصها لا يتناول كل ما يريد الدستور أن يتناوله، ومن ثم صارت الحياة النيابية بصورتها الحاضرة في مصر أداة تركيز للحكم، مع أن الفكرة الديمقراطية غرضها توزيع السلطة، لا تركيزها.

ونتناول هذا الموضوع اليوم من ناحية عامة، لنقول إن بقاء النظام النيابي أداة تركيز كما هو شأنه في مصر لا يقف الأمر فيه عند منافاة الفكرة الديمقراطية، بل هو قد أساء إلى النظام النيابي نفسه في كثير من الأحيان، ولو أن الهيئات النيابية المحلية قامت على أساس سليم، وكان لها من السلطة والاختصاص ما يجعل عمل السلطات العليا في الهيئتين التشريعية والتنفيذية مقصورًا على الشئون العامة، بعيدًا عن تناول الشئون المحلية لتفادت مصر كثيرًا مما حل بالنظام النيابي في السنوات الماضية، ولازداد الناس إيمانًا بالديمقراطية وبالحياة البرلمانية، ولسارت الأمور في مصر بعيدة عن أن تتأثر بالاعتبارات الذاتية على نحو ما تأثرت في السنوات التي أعقبت قيام الحياة البرلمانية في مصر.

وهذه الفكرة التي نقولها اليوم قد نادينا بها من سنوات مضت، فمنذ عقد البرلمان في سنة ١٩٢٤ طلبنا تنفيذ أحكام الدستور بإقامة الهيئات النيابية المحلية.

وفي حكومة الائتلاف نادينا بذلك، وكان تأليف لجنة برلمانية لوضع النظم التي تقوم هذه الهيئات على أساسها متفقًا مع ما نادينا به، وكذلك فعلنا من بعد، فلما تولت وزارة محمد محمود باشا الحكم في ٣٠ ديسمبر سنة ١٩٣٧، ثم ألقى رفعته الخطاب الذي افتتح به انتخابات سنة ١٩٣٨، كان مما جاء في هذا الخطاب ما نصه:

وأول ما يجب — ليكون استقلال مصر حقيقة واضحة الأثر للعالم كله، ولتكون سيادتها مظهرًا للحرية والعدل والتقدم في أكمل صورها وأعوَدها بالخير على الوطن وأبنائه — أن يشعر المصريون شعورًا صحيحًا بما يلقيه الاستقلال والسيادة على عاتقهم من الواجبات كشعورهم بما يكفلانه لهم من الحقوق، وأن يجعلوا هذه الحقوق وهذه الواجبات قائمة بأنفسهم جارية فيها مجرى الحياة، ويجب لقيام هذه الحالة بنفس الأمة أن يكون الاستقلال مكفولًا للهيئات القائمة بالأمر فيها، وأن يكون لكل منها من الحرية في العمل ما لا يمس به تدخل سلطة أخرى، مع تعاون السلطات جميعًا تعاونًا صادقًا في توجيهها نحو الغاية القومية العليا، ولهذا يجب أن يكون استقلال القضاء مكفولًا، وأن يكون استقلال الجامعة مكفولًا، وأن يكون استقلال الهيئات النيابية المحلية مكفولًا، وأن يطمئن القائمون بالعمل العام إلى هذا الاستقلال وكفالته، وستكون القوانين الكفيلة لهذا الاستقلال من أول ما تعمل الوزارة لإصدار التشريع به، فهي ستعرض في شأن القضاء قانونًا أساسيًّا يكفل استقلاله ويتضمن الوسيلة لحسن اختيار رجاله، وستجعل استقلال الجامعة وسيلتها إلى أداء رسالتها على الوجه الأكمل، وستعرض القوانين التي تنظم الهيئات المحلية في المديريات والمدن والقرى وتجعل لها من الاستقلال في حدود اختصاصها غاية ما قصد الدستور إليه، وستضع قانونًا يطمئن به الموظفون جميعًا إلى العدل في معاملاتهم لينصرفوا عن التفكير في مصيرهم الخاص إلى العمل العام.

وهذا الرأي الذي أبديناه في ظروف مختلفة إنما هو مبدأ أساسي من مبادئ الأحرار الدستوريين التي ندين بها من يوم وضعها، وقيام الهيئات النيابية المحلية واستقلالها هو أول مبدأ للأحرار الدستوريين يجيء في برنامجهم عقب ما يقرره هذا البرنامج عن استقلال مصر وعلاقتها بإنجلترا، ذلك بأن مبادئ هذا الحزب ديمقراطية صميمة ولا عجب وكان أكثر واضعي الدستور المصري من أعضائه، وكانت نفوسهم مشبعة حين وضعه بتلك المبادئ.

ولو أن الهيئات النيابية المحلية قامت وكُفل لها اختصاصها المعين في الدستور، وكفل لها استقلالها في حدود هذا الاختصاص، لتناول استفتاء الشعب كل صغيرة وكبيرة في شئون الحكم، ذلك بأن الاستفتاء حين انتخاب هذه الهيئات المحلية يتناول شئون القرية بالنسبة لمجلس القرية، وشئون المركز بالنسبة لمجلس المركز، وشئون المديرية بالنسبة لمجلس المديرية، فإذا كان الانتخاب للبرلمان المركزي لم يتناول الاستفتاء إلا الشئون العامة، ذلك بأن الناخب في مديرية قنا أو أسيوط لا يستطيع أن يعرف شئون الغربية أو البحيرة المحلية، وأن المقيم في قرية أن يعرف بصبصبصثببشمال الشرقية لا يعرف الشئون المحلية لقرية أخرى في جنوبها، فإذا تناول الانتخاب العام للبرلمان هذه الشئون المحلية صغيرها وكبيرها، كان مخالفًا لفكرة توزيع السلطة، وكان منافيًا لأساس آخر لا يقل عن هذا الأساس أهمية، ذلك هو الانتخاب عن علم، أو على الأقل عن شعور بأصلح المبادئ لخير الجماعة، بصرف النظر عن الأشخاص الذين يتولون تنفيذ هذه المبادئ.

وما هو حادثٌ في مصر الآن من تركيز الحكم قد حدث في غيرها من الأمم الديمقراطية، حين كانت الحياة النيابية أو الحياة البرلمانية ما تزال ناشئة فيها، ولذلك عانت هذه البلاد ما تعاني مصر اليوم، وعلة ذلك فطرة الأثرة المركبة في الإنسان، والتي تدفعه إلى حب الاستئثار بكل شيء لنفسه، وحرمان أخيه من كل ما يستطيع حرمانه منه، ما لم تلجئه الحاجة إلى الاستعانة به، وقد تنشأ هذه العلة من سوء التقدير لأمور الحكم ما اقتضى أزمانًا طويلة في الأمم المتحضرة لعلاجه، وأول ما نشأ من ذلك اعتبار الحكم حقًّا لا واجبًا، وكما كان المستبدون في العصور الخوالي يتحدثون عن الحق الإلهي للملوك، تحدث المحدثون عن حق الأغلبية أو ممثليها في الحكم، والواقع أن الحكم أيًّا كانت صورته واجب لا حق، ولا أدل على ذلك من أن القائمين به يحاسبون على تصرفاتهم فيه؛ تحاسبهم المعارضة، ويحاسبهم الأفراد، يُحاسبون أمام الرأي العام، وأمام البرلمان، وأمام القضاء، والإنسان لا يحاسب على حق من حقوقه يتصرف فيه، وإنما يحاسب على واجب يُطالَب بأدائه، وكثيرًا ما خلط الناس بين الحق والواجب، فكان لخلطهم ذاك من النتائج ما نهض ببعض الأمم إلى مصاف الرقي؛ لأنها تقدر الواجب وتؤديه، وما قعد بالبعض عن هذا المصاف لأنها تنكر الواجب تزعمه حقًّا.

وقد نشأ عن اعتبار الحكم في مصر حقًّا لا واجبًا أن لم تخل الانتخابات التي حدثت في جميع العهود منذ سنة ١٩٢٣ من الطعن عليها، ولم يقف هذا الطعن في الحدود التي عينها الدستور أو القانون، بل تخطت ذلك إلى الرأي العام، وإلى محاولة إقناعه بأن الضمانات التي تحقق بروز إرادة الشعب على وجهها الصحيح لم تتوافر، ومما هو جدير بالملاحظة أن هذا الطعن لم يلق يومًا في الرأي العام صدى يحركه إلى إعلان التبرم بنتيجة الانتخابات، وسبب ذلك أن الرأي العام يشعر بأن الحكم واجب لا حق، وأن المبدأ القائل بأن «طالب التولية لا يولى» مبدأ سليم، وما دام الطاعنون إنما يريدون الحكم فليسلكوا إليه طريقًا غير استثارة الجماهير، هذا إحساس الرجل الذي لا مصلحة له في الحكم إلا كفالة حريته وحقوقه، والذي لا يفيد من أمر زيد أو عمرو إلا العطف عليه حينًا، والثقة به حينًا آخر، فأما ما يحس الرأي العام أنه واجب عليه فذلك مراقبة القائم بالحكم في أداء واجب الحكم، فإن أحسن الأداء فذلك ما يبغي جمهور الناس، وإن أساء الأداء ارتفعت موجة الاستياء التي تقلق أشد الظالمين عتوًّا واستكبارًا.

ومما يصرف الرأي العام عن التفكير في الطعن على الانتخابات بعد حدوثها أمران: الأول، إذا لم تتعلق هذه الانتخابات بمبادئ يراها الرأي العام جوهرية في حياة الأمة العامة، والثاني، كفالة الدستور والقوانين لتلافي ما يقع في استفتاء الشعب من أخطاء، ولسنا نذكر أن الرأي العام المصري اهتم بالانتخابات ونتائجها بسبب الأمر الأول إلا حين غُيِّر دستور سنة ١٩٢٣ لاعتبار هذا الأمر مبدأ جوهريًّا في حياته، أما فيما خلا ذلك فلم يحرك الشعب ساكنًا؛ لأنه رأى الدستور والقوانين القائمة محل رضًا من الهيئات السياسية القائمة في مصر جميعًا، بدليل أنها لم تغيرها، ومن حقه لذلك أن يراها كفيلة بتلافي ما يقع من أخطاء في طريقة استفتاء الشعب.

***

أدى بنا الاستطراد في الكلام عن النتائج المترتبة على الخطأ الشائع في اعتبار الحكم حقًّا لا واجبًا إلى الكلام عن الانتخابات ونتائجها وتلافي الخطأ فيها، ويجمل بنا أن نعود إلى الكلام في أن الحكم واجب لا حق، فهذا موضوع بعيد الأثر في حياة الأمة، وهو جدير لذلك أن يعالج في كثير من الدقة والأناة، ومعالجته تقتضينا البحث في طبيعة الحق والواجب، وفي طبيعة الحكم، وفي مصدر هذا الخطأ، أمَا والكلام في طبيعة الحق والواجب يطول، فحسبنا أن نتحدث عن الحكم وطبيعته، وأنه واجب لا حق، لكنَّا نؤثر أن نرجئ هذا الحديث إلى الأسبوع المقبل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.