خصام ثقيل سقيم حقًّا هذا الذي تمتلئ به بعض الصحف المتصلة بالوزارة، والذي يكثر الأخذ والرد فيه بين فريقين من رجال هذا العهد السعيد، قد عرف الشعب المصري كيف يقدِّرهما، وكيف يطمئن إلى ما يصدر عنهما من قول أو عمل.

فأما أحد هذين الفريقين، فقوم ملثَّمون لا يُظهِرون وجوههم، ولا يُعلِنون أسماءهم، ولا يجرءون على احتمال التبعات، ولكنهم مع ذلك يوحون، ويوحون ويسرفون في إرسال الوحي، ويسمون أنفسهم بالمصادر العليمة حينًا، والدوائر المطلعة حينًا، وهم من غير شك من رجال الدولة، سواء أكانوا من الوزراء أم من كبار الموظَّفين.

وأما الفريق الآخَر فصدقي باشا، وهذان الموظفان اللذان أُحِيْلا على المعاش في آخِر جلسة لمجلس الوزراء قبل العيد. أولئك يذيعون التهم ويثيرون الريب، ويملئون الجو شكًّا واضطرابًا وسوء ظن، وهؤلاء يذودون عن أنفسهم، ويردون عنها ما يثار حولها من المخزيات، ثم يشيرون ويلمحون، وينذرون فيزيدون الجو فسادًا إلى فساد، واضطرابًا إلى اضطراب، والمصريون يقرءون وَحْي أولئك وردَّ هؤلاء، ويسألون أين يكون الحق؛ لأنهم يثقون أن الحق كله لا يمكن أن يكون فيما يُوحي به أولئك، أو فيما يردُّ به هؤلاء؛ ولأنهم يثقون أيضًا بأن النزاهة ونقاء اليد واللسان والضمير والإخلاص في خدمة الدولة، كل أولئك مضطرب متردد حائر بين ما يوحي به الموحون، وما يرد به المدافعون، هم يسألون أين يكون الحق من هذا الكلام الطويل الكثير المختلط المهلهل الذي يهبط به الوحي من المصادر العليمة، أو تحمله أسلاك التليفون عن صدقي باشا من الإسكندرية حينًا، ومن داره في القاهرة حينًا آخَر، أو تحمله أسلاك التليفون عن وكيل المالية، ذاك الذي يتحدَّث بأنه لم يزد على أن صدع بالأمر، وأنفذ ما أراد منه صدقي باشا أن ينفذه، أو تحملها بيانات موجزة حينًا ومطولة حينًا آخَر، يرسلها هذان الموظفان السابقان إلى صحف الصباح وإلى صحف المساء.

والناس يقرءون كل هذا الكلام؛ فلا يفهمون ظاهره ولا يدركون باطنه، ولا يكشفون أسراره، ولا يحققون ما يرمي إليه، وإنما يستيقنون أن هناك حقائق مؤلمة يتفطَّر لها قلب المصري، وتستحي لها نفس المصري، ويحمرُّ لها وجه المصري خجلًا، وهي أن الحكم في هذا العهد السعيد لم يظفر بما كان يجب أن يظفر به من النزاهة والأمانة والصفاء والنقاء، وإنما كان مشوهًا يسعى فيه الفساد حتى يجعل شرَّه أكثر من خيره، وحتى يبعد به كل البُعْد عن أن يكون ملائمًا للأخلاق والاستقامة، ولما يطلب هذا الشعب البائس من تحقيق الآمال، والاحتفاظ بالكرامة، وإقناع الأجانب بأنه شعب حر كريم خليق أن يستمتع بالعزة والاستقلال.

هذه هي الحقائق المرة المؤلمة المخزية التي يستخلصها المصريون من هذا الكلام الكثير الطويل، الذي يوحي به بعض الموظفين، والذي يرد به خصوم هؤلاء الموظفين، وأنت توافقني على أن الله لم يخلق الحكومات لتكون مصدر تنغيص لحياة الشعب، وأنت توافقني على أن الله لم يخلق الحكومات لتُشعِر الشعب — بما تعمل وما تقول — أن أموره سيئة إلى أقصى حدود السوء، مضطربة فاسدة إلى أقصى حدود الاضطراب والفساد. إن هؤلاء السادة الذين يختصمون، سواء منهم مَن ظهر ومَن استتر، يذكروننا بموقف ميترنيك مع ابن نابوليون حين قدَّم له المرآة ليبين له أنه بعيد كل البُعْد عن أن يشبه أباه العظيم، وأنه قريب كل القرب من أن يُشبِه أمه وأسرة أمه؛ وإذن فلا ينبغي له أن يطمع في مُلْك، ولا أن يطمع في فكاك من الأسر، ولا أن يطمع في أي عمل عظيم. هؤلاء السادة الذين يختصمون، سواء منهم مَن ظهر ومَن استتر، قد اتخذوا من أعمالهم وأقوالهم مرآة سيئة رديئة فاسدة الجوهر مختلطة؛ فهم يعرضونها كل يوم على الشعب، ويريدون أن يُظهِروا للشعب أنه بعيد كل البعد عن أن يشبه الشعوب الحرة المستقلة؛ فلا ينبغي له أن يطمع في حرية ولا في استقلال، بل هم يظهرون هذه المرآة المنكرة في كل يوم للأجانب ليروا فيها صورة رديئة مشوَّهة، لا تصلح لحرية ولا لاستقلال، ثم ليحكم الأجانب بعد ذلك على هذا الشعب البائس بهؤلاء السادة الذين يظهرون ويستترون؛ لأنه لا يصلح لحرية ولا لاستقلال.

إن هذه القصة التي يمثِّلها ميترنيك مع ابن نابليون في رواية أدمون روستان، مؤلمة تمزِّق القلوب وتملؤها لوعةً وحسرةً، وإن هذه القصة التي يُمثِّلها سادتنا هؤلاء مع الشعب المصري ومع الأجانب في هذه الأيام، مؤلمة تمزق القلوب وتملؤها لوعةً وحسرةً، ولكن ميترنيك كان يخدم وطنه النمسا، فأما هؤلاء السادة فقد نحبُّ أن نعلم أي وطن يخدمون، هم يخدمون أشخاصهم، هم يُدافِعون عن أنفسهم، هم يُسِيئون إلى أمتهم ليستمتعوا بالمنصب، أو ليستمتعوا بحُسْن السمعة، وما أيسر أشخاصهم! وما أهونها بالقياس إلى هذه الضحايا التي تفرضها على الشعب فرضًا!

ما الذي تريده هذه المصادر العليمة من كل هذه السيئات التي تذيعها، أتريد أن تظهر أنها قد أقبلت لتطهِّر جو الحكم مما كان فيه من الفساد؟! ولترده نقيًّا صافيًا كما كان قبل أن تفسد الأمور، وقبل أن يثب صدقي باشا إلى الحكم، فإن تطهير الجو لا يكون بإذاعة الإشاعات وإثارة الشكوك، وإنما يكون بإظهار الحق كله واضحًا جليًّا مهما يكن بَشِعًا منكرًا، وإنما يكون بإحالة المفسدين على المحاكم التي تعرف كيف تفرض عليهم العقاب، فأما هذا الوحي المتردد الخزيان، هذا الوحي الذي يفسد ظنَّ الناس بكل شيء وبكل إنسان، فإنه أشبه بالكيد الذي لا يصلح شيئًا، وإنما يفسد كل شيء.

ماذا تريد هذه المصادر العليمة بهذا الحوار الذي تملأ به الصحف في كل يوم؟ أتريد أن تثبت أن حكم صدقي باشا كان فسادًا في فساد؟ فالناس يعلمون ذلك حق العلم، والناس لا يشكُّون في ذلك ولا يمارون، والناس يلحون في أن يُسأل صدقي باشا عن كل ما عمل، والناس يتمنون على هذه الوزارة القائمة وعلى البرلمان أن يقدِّمَا صدقي باشا للمحاكمة أو للسؤال أمام السلطة التي تملك محاكمته أو سؤاله.

إن الحكومات لم تُنشَأ لتكون هيئة اتهام تتخذ الصحف وحدها أداةً للطعن والتجريح، وإنما أُنشِئت لتقر العدل في نصابه، ولتقف المسيئين أمام السلطات التي تملك أخذهم بما جَنَوا من سيئات، ما هذا المكتب الغريب الخفي المستتر الذي أُنشِئ أو الذي نبت ليذيع في الصحف من حين إلى حين آثامًا وسيئات تفسد الظن، ثم لا يلقى أصحابها عليها عقابًا، وهؤلاء السادة الآخَرون الذين يدافعون عن أنفسهم بكلام طويل ملتوٍ لا وضوح فيه ولا جلاء، ولكنه مملوء بالتلميح والنذير؟ ما لهم لا يقولون ولا يفصحون، ما لهم يلتزمون هذا الموقف الذي لا يخلو من ريبة، إن كانوا أقوياء حقًّا فَلْيُظهِروا قوتهم، وإنما تظهر قوتهم بإظهار الحق كما هو، وإن كانوا ضعفاء فَلْيسكتوا وَلْيستقروا وَلْينسَوا هذه القصة لعلهم يظفرون بأن ينساهم الناس.

أما بعدُ، فإن الذين تعنيهم أمور الحكم والسياسة في هذا البلد خليقون أن يقرءوا، أو خليقون أن يفكِّروا، وخليقون أن يقدروا أن إذاعة الفساد في الجو بين حين وحين على هذا النحو لا يمكن أن تنتهي إلا إلى إفساد رأي الناس في الحياة العامة، وإلى تشكيك الناس في العدل والنظام، وأثار هذا خطرة منكرة تستحق أن يُفكَّر فيها وأن يُعْنَى باتقائها، وإنما يكون اتقاؤها بتطهير الجو حقًّا، والجو لا يطهر بالإشاعات، وإنما يطهر بالحق الذي لا شك فيه، والجو لا يطهر بالريب وإنما يطهر بالصراحة والوضوح، وقد أظهر الذين يُشرِفون على الحكم في هذا العهد أنهم لا يحتملون الصراحة والوضوح، ولا يجرءون على مواجهة الحق كما ينبغي أن يُواجَه؛ فما أجدرهم أن يستريحوا! وما أجدرهم أن يَدَعوا هذه الأعباء الثقال لقوم آخَرين هم أقدر على حملها، وهم أجرأ على النهوض بها، وهم يستطيعون أن يعملوا، ويستطيعون أن يقولوا، وأن يحتملوا تبعات ما يقولون وما يعملون، وهم يكرمون أنفسهم ويكرمون أمتهم عن مثل هذا الخصام السخيف الذي نشهده الآن بين قوم يظهرون ويستترون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.