سيدي الرئيس:

أنقل إليكم تهنئة قلبية وتحية أخوية من مَجمع اللغة العربية، ومن الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، وقد شرفاني بأن أتولى هذا عنهما في هذه المناسبة.

أحمل التهنئة محيِّيًا في شخصكم الكريم أعضاء الجمعية العاملين في تحقيق أغراضها وَفق ما استنَّه مؤسسوها، وأذكر بالخير أولئك المؤسسين، مترحِّمًا على من اختاره الله منهم لجواره. أذكر بالخير المؤسسين من أبناء الوطن، وأذكر بالخير المؤسسين من النزلاء الذين اتخذوا منه وطنًا ثانيًا. نذكر أولئك وهؤلاء وقد أثبتت الأيام سَعة أُفقهم وسداد رأيهم، نذكرهم وقد أصبحت جمعية الاقتصاد والتشريع بفضل عملهم وعمل خلَفهم عنصرًا فعَّالًا في حياة الأمة، فلا يستطيع باحث أن يُعد بحثًا نظريًّا، ولا يستطيع خبير فني أن يُحضِّر مشروعًا تحضيرًا فنيًّا، لا يستطيع هذا أو ذاك أن يستغني عمَّا ضمته مصر المعاصرة من الأبحاث والدراسات والمشروعات والأرقام والنصوص والوثائق.

وأستأذنكم — سادتي — في العود لحظة لمولد الجمعية، أو — على وجه أدق — للأزمة المشهورة التي سبقت ذلك المولد بسنتين. لقد دلَّت تلك الأزمة قادةَ هذه الأمة على ما ساد التفكير إذ ذاك من ارتباك، وما ساد تصرُّف الأفراد والجماعات إذ ذاك من سوء. وهداهم درس الأزمة إلى العلاج السليم، علاج قد يبدو بطيئًا وقد يبدو بعيدًا عن مواجهة الداء، ولكنه كان في النهاية العلاجَ السليم. رأى القادة أن لا صلاح إلا بالعمل على خلق الرأي العام المستنير، فعن طريقه وحده يتحقق التفكير المستقيم والتوازن الصحيح بين النظريين والتطبيقيين. وكان أن أنشَئوا جمعية الاقتصاد والتشريع والإحصاء لبناء هذا الرأي العام المستنير؛ فعمل الجمعية يتوسط بين حجب العلم على ما عرف الأقدمون وبذله على ما يستحسن المحدثون، وهي تجمع بين النظريين والتطبيقيين، وعمل الفريقين يثمر التشريع، فالتشريع يتوج مساعي العاملين.

وإني لا أعرف أمة في التاريخ الحديث شكَّل التشريع حياتها كما شكَّل حياة مصر منذ إنشاء جمعيتكم. وإني أرجو — يا سيدي الرئيس — أن تسمَح لي بأن أشير إلى ما كان لكم شخصيًّا من أثر في بناء التشريع المصري: أصولًا ومناهجَ وطرائقَ وفنًّا، على هذا النحو التاريخي الرائع.

سيدي الرئيس:

لقد نشأت أثناء نصف القرن الذي انقضى جامعات ومعاهد، وُجدت أثناءه أدوات للبحث والتخطيط، ولكن لا تزال الحاجة قائمة إلى جمعية الاقتصاد والتشريع وأخواتها من الجمعيات العلمية الحرة؛ إذ لن نستغني أبدًا عن وجود أداة خلق الرأي العام المستنير، ولن نستغني أيضًا عن وجود ما يتوسط الطرفين: طرف حجب العلم وطرف بذله، ولا بد أن يتم ذلك العمل في جو من التعاون الحر.

وإذا كان لنا أن نقول إن جمعية الاقتصاد والتشريع قد استحقت تقدير الوطن بما قدَّمت؛ فإن لنا أن ندعو لها في عيدها السعيد اليوم بالعمل الصالح المستمر وبالتوفيق المتصل بإذن الله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.