في لغة المدارس كراسات يسمون الكراسة منها بالكشكول، ويقرأ فيها القارئ صفحة في التاريخ إلى جانب صفحة في الجغرافية بين صفحات متفرقة في اللغة أو الحساب أو الترجمة والإنشاء.

وتقع الكراسة في أيدي مفتشي المدرسة فلا «يخصم» يوم من مرتب المدرس ولا يسقط درجة من شهادة التلميذ، ولا يتهم «الكشكول» بالخروج على برنامج التعليم.

لكن مجموعة «التراث الإنساني» تلقى كل يوم من النقاد «الموضوعيين» ما لم يَلْقَه طبق التورلي ولم تلْقَه كراسة التلميذ.

لأن «الناقد الموضوعي» — ويا للعجب — لا ينظر إلى موضوع التراث الإنساني ولا ينظر في معنى اسمه ولا في موضعه من التأليف والتصنيف!

وما هو تراث الإنسانية كلها بأيسر نظرة إلى معنى الكلمتين؟

تراث الإنسانية هو مؤلفات كل الأمم لا أمة واحدة، وكل العصور لا عصر واحد، وكل الموضوعات لا موضوع واحد من العلم أو الأدب أو التاريخ أو القصة أو من أشتات علوم الرياضة والكيمياء وطبقات الأرض وفروع الطب والهندسة وكل معرفة من معارف بني الإنسان في كل مطلب وكل موطن، وكل زمان.

ولا تجمع مؤلفات التراث الإنساني لتخصص في موضوع كل تأليف، ولا بتسجيل تواريخها المتعاقبة بالترتيب والتبويب.

ولكنها تجمع للذين يأخذون فكرةً عن كل كتاب وخلاصةً وجيزةً عن كل موضوع، ويقرءونها كلما أرادوا القراءة غير ملتزمين فيها منهجًا غير منهج التنويع والإلمام من الكثير الموزع بالقليل المجموع.

فكيف ينشر هذا التراث كله على طريقة غير طريقة المتفرقات في الباب الواحد فضلًا عن عشرات الأبواب، أو مئات الأبواب؟

وكيف يلتفت الناقد «الموضوعي» إلى موضوعاتها، ثم يقضي على الناشر أن يحصرها في موضوع بعد موضوع، ولا ينتقل من مطالعة من مطالعاتها العلمية والأدبية أو الفنية قبل أن يفرغ منها كل الفراغ، ويستقصيها غاية الاستقصاء، ويظل قراء المجموعة من طلاب الموضوعات الأخرى في انتظار الدور صفًّا بعد صف إلى اليوم الموعود؟

وكيف يصبح «التراث الإنساني» قراءة مقصورةً على طلاب صنف واحد من أصناف ذلك التراث الذي يتسع لأشتات من قرائه وأشتات من مؤلفيه وملخصيه؟

ومن الوجهة العملية كيف يتأتى انتظام تأليفه على هذا الترتيب؟

يأيها المختصون بالفلسفة اليونانية وثقافة اليونان على الإجمال خذوا هذه الكتب فلخصوها وترجموا لمؤلفيها وعلقوا على تلخيصها وعلى ترجمتهم في مدى هذه الأسابيع أو هذه الشهور.

حسن!

وماذا يصنع المختصون بالموضوعات الأخرى من ثقافات الرومان والفرس والهنود والألمان والروس والإنجليز والمصريين الأقدمين والمحدثين خلال هذه الأسابيع والشهور؟

أيفرغون من تلخيصهم وتعليقهم ثم ينتظرون؟ وهل من المستطاع أن يفرغ كل كاتب من عمله في دوره المقدر بالترتيب لكل كتاب؟

وهل يصدر الجزء من الأجزاء لقراء التراث اليوناني دون غيرهم من قراء المتفرقات أو قراء التخصيص؟

وكيف يسيغ القارئ الذي لا يريد التخصص في الفلسفة اليونانية أن يقرأ في كل جزء عشرة كتب متوالية في هذا الموضوع؟

يفتينا في ذلك ناقدنا «الموضوعي» السيد عبد الفتاح البارودي فيلاحظ كما لاحظ على هذا الترتيب:

أولًا: ألاحظ أن هذا التراث ينشر بلا منهج واضح … إن الموضوعات نفسها مدروسة، ولكني أفضل أن تنشر حسب الترتيب التاريخي، فتبدأ مثلًا بالأدب الإغريقي، ثم الروماني … وهكذا. أو تنشر حسب تقسيمات المدارس الأدبية، فتبدأ مثلًا بدراسات متوالية للأدب الكلاسيكي، ثم دراسات متوالية للأدب الرومانسي … وهكذا، المهم هو التزام منهج يساعد على التعريف والتنوير.ثانيًا: نحن في حاجة إلى التراث الإنساني كله، ولكنني أفضل البدء بنشره على ضوء احتياجاتنا، كأن تكون الموضوعات المختارة مرتبطة بواقعنا الأدبي والفني، ولو في جزء محدد من كل عدد … فإذا كان مسرحنا يقدم «بيجماليون» لتوفيق الحكيم مثلًا نحاول نشر دراسات عن أسطورة بيجماليون وكيف تناولها الفنانون في مختلف العصور … إلخ إلخ إلخ.

مفهوم هذا؟ ممكن هذا؟

موضوعي هذا يا عباد الله؟

إن السيد «عبد الفتاح» لا يستطيع أن يجيب ولو لم يقسم اليمين.

ولكنه يستطيع أن يفتي فتاواه، وليس له أجر على الله، ولا على أحد من عباد الله!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.