أثارت حوادث اليمن الأخيرة أمام ذاكرتي صورة طريفة. تلك صورة الوفد اليمني الذي ذهب إلى أمريكا سنة ١٩٤٧ يطلب قَبول اليمن عضوًا في الأمم المتحدة بوصفها دولة محبة للسلام. فالقراء يعلمون لا ريب — كما أعلم — أن الأمم المتحدة لا تقبل في عضويتها إلا الأمم المحبة للسلام، وأن أعضاءها مفروض فيهم — حكمًا على الأقل — أنهم محبون للسلام حريصون عليه.

كان سيف الإسلام عبد الله — الذي ذكرت الصحف أنه قام بحركة الانقلاب الأخيرة في اليمن — رئيسًا للوفد الذي أشرت إليه. وكان هذا الوفد قد اختار الدكتور حسن البغدادي، الذي كان وزيرًا للتجارة في مصر منذ أشهر، مستشارًا لوفد اليمن متكلمًا باسمه. وكنا نلتقي مع أبناء اليمن أعضاء الوفد في الحفلات الكثيرة التي تقام أثناء انعقاد الجمعية العامة. وكان هؤلاء اليمنيون يحتفظون بزيهم القومي: العباءة المزركشة، والحزام العريض، والخنجر الموضوع في الحزام. ولم يكن الدكتور حسن بغدادي يلبس هذا اللباس اليمني إلا في المناسبات الرسمية. أما في الحفلات فكان يلبس لباسه العادي، فيما خلا الطربوش بطبيعة الحال.

وقبلت الجمعية العامة للأمم المتحدة اليمن بين أعضائها بعد أن قرر مجلس الأمن توفُّر شروط العضوية فيها. ووضعت اللافتة الخاصة بها في المكان المقرر حسب ترتيب اسمها بالحروف الأبجدية. وآن لأعضاء الوفد أن يأخذوا مجالسهم في هذا المكان، فقابلت الجمعية العامة كلها دخول الوفد اليمني إلى قاعة الاجتماع بالتصفيق جريًا على التقاليد المتبعة لاستقبال كل عضو جديد.

ولم يمنع هذا التصفيق وهذه الحفاوة أن يهمس بعض الأعضاء القدامى إلى بعض يقولون، وقد رأوا الخناجر في الأحزمة اليمنية: أليس واجبًا نزع سلاح اليمن في هذه المناسبة. همس الأعضاء بهذه العبارة فيما بينهم مبتسمين؛ لأنهم رأوا هذه الخناجر أقل خطرًا من القنابل الذرية، بل أقل خطرًا من المدافع، بل من البنادق الحديثة.

ذكرت هذا الهمس حين نقلت الأنباء ما حدث في اليمن أخيرًا، ورجوت الله لأبناء هذا القطر العربي الإسلامي الشقيق أن يهديَهم صراطه المستقيم فترفرف عليهم الطمأنينة، ويُظِلُّ السلام ربوعهم ليكونوا اليوم وغدًا كما كانوا بالأمس دولة محبة للسلام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.