ولكن قومًا لا يريدون أنْ يتَّعِظُوا وإن خلت من قبلهم المثلات، ولا يريدون أنْ يعتبروا وإن قامت بين أيديهم العبر ناطقة صادقة لا تدع سبيلًا إلى الشك، ولا طريقًا إلى الريب، يرون الحق واضحًا بيِّنًا، فيغلقون عقولهم وقلوبهم من دونهم، ويرون النور ساطعًا ناصعًا فيغلقون عيونهم حتى لا يروا، ويضطرب الجو من حولهم بصوت الحق عاليًا يبلغ السماء، فيسدُّون أسماعهم حتى لا ينتهي إليها أصله ولا صداه؛ ذلك أنهم لا يريدون حقًّا، ولا شيئا يشبه الحق، وإنما يريدون نفعًا عاجلًا، وعيشًا زائلًا، ونعيمًا ينتهزونه انتهازًا، وفرصًا يختلسونها اختلاسًا، لا يعنيهم أنْ يفكروا فيما كان، ولا يعنيهم أنْ يسألوا عما سيكون، وإنما يعنيهم أنْ يسرقوا حياتهم ولذاتهم مما هو كائن؛ فإذا ظفروا بما يبتغون، فعلى من كان قبلهم وعلى من سيكون بعدهم العفاء …

أولئك قوم ألغوا عقولهم وقلوبهم — كما كان يقول سعد، رحمه الله — إلغاءً، أولئك قوم خُلِقُوا ليكونوا من الناس، فاكتفوا بأن يكونوا من الأحياء؛ يرون شعبًا كاملًا قد اتَّفَقَ رأيه وصحَّ عزمه، واجتمعت كلمته على أنه يجب أنْ يكون سيدًا في أرضه، حرًّا في وطنه، مسيطرًا على أمره، فيأبون أنْ يصدقوا هذا الشعب، بل يأبون أنْ يصدقوا أنَّ هذا الشعب يرى ما يرى ويُعْلِن ما يعلن ويريد ما يريد، يخلقون لأنفسهم عالمًا كاذبًا مصطنعًا يعيشون فيه، ويعمرون هذا العالم بالأحلام والأوهام، ويغمرون هذا العالم بالآمال والأماني، ثم يضطربون في هذه الأكاذيب اضطرابًا لا يجدون فيه مشقة ولا جهدًا؛ لأنهم فقدوا هذا الشعور الذي يعرفون به المشقة أو الجهد، وأصبحوا أدوات لذة ونعيم ليس غير.

أولئك قوم يمرُّون بالحياة، أو تمر بهم الحياة؛ فلا يؤثِّرون فيها ولا يتأثَّرون بها، وإنما هم أحلام ثقيلة بغيضة، يحس الناس ثقلها وبغضها ويضيق الناس بها أشد الضيق، لحظات من ليل أو لحظات من نهار، حتى إذا أفاقوا ونظروا من حولهم لم يروا شيئًا ولم يسمعوا شيئًا، وإنما يتحدث بعضهم إلى بعض بما رأى وأحس فيما يرى النائم، وما يحسُّ من هذا الحلم الثقيل البغيض.

أولئك قوم إنْ كانوا خليقين بشيء فهم خليقون بالرحمة والرثاء وبالإشفاق والعطف؛ لأنهم بائسون إلى أقصى غايات البؤس، أشقياء إلى أبعد آماد الشقاء. وأي بؤس يعدل إلغاء العقل؟ وأي شقاء يعدل فقدان الشعور؟ لا يغرنَّك ما تراهم فيه من حَوْل وطَوْل ومن جاه وسلطان، ومن نعيم وترفٍ؛ فقيمة حياة الناس ليست تقاس بما يصيبون من لذة، ولا بما يملكون من قوة، وإنما تقاس بما يتركون من أَثَر، وبما يُقِيمون من مَأْثَرَة، وبما يَبْنُون في نفوس معاصريهم وقلوبهم من هذه المعابد الشاهقة الخالدة التي تتوارثها الأجيال عن الأجيال.

لقد كانوا يرون حب الشعب كله لسعد، واجتماع الشعب كله حول سعد، واتِّباع الشعب كله لسعد، فيأبون أن يصدقوا ما يرون أو يعترفوا به، ويمضون في حرب سعد ومذهبه، وفي التنكيل بسعد وأصحابه، ينفقون في ذلك أوقاتهم وجهودهم، ويبلون في ذلك مقدرتهم وقوتهم، ويصلون في ذلك الهزيمة إثر الهزيمة، فلا ينفعهم ذلك؛ لأنهم لا يريدون أن ينتفعوا، ولا يَعِظُهم ذلك؛ لأنهم لا يريدون أن يتَّعِظوا، ولا يزيدهم ذلك إلا إلحاحًا في المكر والكيد، وإصرارًا على اللجاج والعناد.

ثم مات سعد فخدعتهم الأماني، وغرتهم الأحلام الكِذَاب، وظنُّوا أنهم سيقدرون على الشعب بعد أن فقد زعيمه، فضاعفوا الحرب، وغَلَوْا في الكيد، وأسرفوا في المكر، ومضوا يجدُّون ويكدُّون، ونظروا فإذا هم لم يبلغوا شيئًا ولم ينتهوا إلى شيء؛ لأن شخص سعد قد مات، ولكن روحه قد انبثَّ في المصريين جميعًا، فأحيا القلوب، وقوَّى العزائم، وأبى لهذا الشعب أنْ يرضى إلا أن يكون عزيزًا حرًّا ومستقلًّا صادق الاستقلال.

قليل منهم من آمن بالحق عند ظهوره، وأذعن للبرهان عند نصوعه، وألقى السلاح، وثَابَ إلى الرشد، ومضى فيما مضى فيه الناس، وأصلح ما أفسد من أمره، وجدَّ في إصلاحه، ولكن كثرتهم مضت فيما كانت فيه، لاهية ساهية، ومغامرة مخاطرة، قد اتخذت من هذا المكر بالشعب والكيد له صناعة، تلتمس منها العيش، وتستعين بها على كسب الحياة.

أولئك يرون المصريين في كل يوم يذكرون سعدًا ومذهب سعد، ويحبون سعدًا ومذهب سعد، ويوالون سعدًا ومذهب سعد؛ فلا يتعظون ولا يعتبرون، وإنما يتقرَّبُون بمحاربة الحق إلى الذين يستطيعون أن يعينوهم على ما يبتغون من هذه الحياة التي لا تغني عن أصحابها شيئًا.

أولئك يرون المصريين في كل عام يُحْيُون ذكرى سعد، خيرًا مما أحيوها في العام الذي سبقه، قد ازدادت قلوبهم لسعد حبًّا، وازدادت عقولهم لسعد إكبارًا، وازداد اتباعهم لسعد قوة، فلا يعظهم ذلك، ولا يقنعهم، ولا يصدهم عما هم فيه من عناد؛ لأنهم لا يريدون موعظة، ولا يبتغون اقتناعًا، ولا يريدون رجوعًا إلى الحق، وإنما يحرصون على الحياة، واختلاس ما يمكن أنْ يُخْتَلَس فيها من نعيم.

أولئك رأوا أمسِ أنْ لم يبقَ في مصر مصري إلا ذَكَرَ سعدًا، وأحبه، وأحيا ذكره، وحرص على تحقيق مذهبه، وسيرون اليوم وسيرون غدًا، وسيرون في كل يوم، مِثْلَ ما رأوا أمسِ، ومثل ما رأوا قبل أمس، ولكنهم سيمضون فيما مضوا فيه من جحود وإنكار؛ لأن حياتهم لا تستقيم إلا على الجحود والإنكار.

أولئك يحسبون أنهم مَهَرَة، ويخيلون إلى أنفسهم أنَّ استمتاعهم بما يستمتعون به من القوة المتصلة دليل على القدرة والبراعة، ولكنهم ينسون — وما أكثر ما ينسون — أنَّ هذه القوة لا تأتيهم من أنفسهم، وإنما تأتيهم من مصادر أخرى، لا يعنيها أنْ يكون المصريون أصحاب حق أو أصحاب باطل، وإنما يعنيها أنْ يخضع المصريون لسلطان الاستعمار ليس غير.

أولئك يحسبون أنهم يخدعون الاستعمار، حين يخيلون إليه أنهم قادرون على إخضاع مصر، ولكنهم يجهلون — وما أكثر ما يجهلون — أنَّ الاستعمار أبرع من أنْ يخدع، وأمهر من أن يضلل، وأنه يعلم حق العلم أنَّ الذين يخدعونه، ويستعينون به على الحياة، لا يخدعون إلا أنفسهم، وأنه هو الذي يخدعهم، ويستعين بهم على إذلال شعب لا ينبغي أنْ يذل، وعلى إخضاع شعب لا ينبغي له الخضوع.

ما أجمل هذه الحرب الآمنة الوادعة، التي تجلت مظاهرها أمس رائعة في جميع أقطار مصر، حين احتفل المصريون بإحياء الذكرى لزعيمهم العظيم؛ فأقاموا للمرة الأولى أو الثانية أو الثالثة بعد الألف أو الألفين أو الآلاف أوضحَ الأدلة وأنصعها وأبقاها، على أنَّ الذين يحاربون سعدًا، ومذهب سعد في الحرية والاستقلال، وإجماع المصريين على الإيمان بسعد ومذهبه، لا يحاربون ولا يجاهدون ولا يؤيدون رأيًا من الآراء، ولا يسعون إلى تحقيق مذهب من المذاهب، وإنما هم يلتمسون العيش ولا يلتمسون شيئًا أكثر من العيش.

ما أجمل هذه الحرب الرائعة التي أظهرت أمس — كما أظهرت قبل أمس، وكما ستُظهر في كل يوم — أنَّ شعبًا من الشعوب، يستطيع أن يكون قويًّا منيعًا، عزيزًا أبيًّا، وأن يقاوم أقوى أمم الأرض، بغير سلاح إلا الإيمان بالحق والحرص عليه، وحب الزعيم والوفاء له، والالتفاف حول خلفائه، فليتعظْ من شاء أن يتعظ، وليعتبر من شاء أنْ يعتبر، وليجحد من لا يستطيع أنْ يعيش إلا في ظلمة الجحود.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.