هذه كلمة شائعة في غرب أوروبا وفي شمال أمريكا، ويكثر استعمالها في فرنسا خاصة، وعسى أن تكون هي التي ابتكرتها.

ففي الفرنسيين بقية من ذكاء، وفي لغتهم فضل من مرونة، وهم من أجل ذلك أبرع الناس في ابتكار الألفاظ، يسبق إلى ذهن كاتب من كُتَّابهم أو عالم من علمائهم أو رجل من رجال السياسة فيهم، فما أسرع ما يلتمس اللفظ الذي يؤدِّي به هذا المعنى، فإن لم يجده في اللغة التي تنطق بها الألسنة وتجري بها الأقلام ولا في المعاجم، ابتكر له من عند نفسه لفظًا يؤدِّي به ما يريد، وقَبِل الناس منه لفظه هذا في غير مشقة ولا مقاومة.

ولا أعرف أمة معاصرة تناظر الفرنسيين في تطويع لغتها لما تريد، إلا الأمة العربية التي ابتكرت ألوفًا من الألفاظ حين كانت حضارتها مزدهرة، وحين عرضت لها معانٍ كثيرة لم يكن للعرب بها عهدٌ من قبلُ. وما زال المثقفون الممتازون من العرب يبتكرون الألفاظ حين يحتاجون إليها، ولا يجدونها في أحاديث الناس ولا في بطون الكتب.

ومعنى هذه الكلمة التي ابتكرها الفرنسيون — في أكبر الظن — وأخذتها عنهم الأمم الغربية في أوروبا وأمريكا، وهو كل ما يدعو إليه ويجد في تحقيقه رئيس الجمهورية المصرية، بشرط أن يسبغ الفرنسيون وأضرابهم على هذا الذي يدعو إليه رئيس الجمهورية لونًا يرونه في أعينهم وقلوبهم قاتمًا ويراه الشرقيون مشرقًا زاهيًا.

دلائل اللفظ اليسير

فمقاومة الاستعمار في مصر، ودعوة الأمم المغلوبة إلى مقاومته، والثبات أمام الأمم القوية الظالمة، ورفض ما تحاوله من التدخُّل السافر أو المنقب، واسترداد الحق من الغاصب له مهما يكن قويًّا غنيًّا، ورفض الانقياد لما يريده الأقوياء ويجمعون به بين حين وحين من ترهيب بالقوة والبأس والمقاطعة الاقتصادية، أو إغراء بالمال وما يشبه المال من كل ما تستجيب له النفوس الضعيفة والقلوب التي برِئت من الإيمان بالوطن والثقة بالنفس والاعتداد بالكرامة والاستمساك بحق الإنسان في الحياة الحرة المبرَّأة من كل خضوع أو خنوع.

كل هذا يدل عليه الفرنسيون وأضرابهم بهذا اللفظ اليسير القريب الواضح، وهو «ناصريزم». واللفظ كما ترى قد أُخِذَ من اسم رئيس الجمهورية، وأضيفت إليه هذه الحروف الأخيرة التي تُصطنع للدلالة على المذاهب والنظر والعقائد في العلوم والديانات والفلسفة. وكل هذا الذي يدعو إليه ويجدُّ في تحقيقه رئيس الجمهورية المصرية بغيضٌ بالطبع إلى الغرب الأوروبي والأمريكي؛ لأنه مقاومة لما في طبيعة الغرب للطموح دائمًا إلى الاستطالة والاستعلاء وبسط السلطان والاستئثار بالخير. وما دامت هذه الدعوة إلى التحرُّر بغيضة، فكل استجابة لها بغيضة أيضًا، وكل انتشار لها خطر يجب على الغرب أن يقاومه ويجِدَّ في محوه من الأرض ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

كلمة أخرى

ولكن هناك كلمة أخرى لم يجدها الغرب بعدُ؛ لأنه لم يشعر إلى الآن بأنه مريض وبأن مرضه هذا جديد لم يُعرف من قبلُ ولم يدرسه الأطباء النفسيون، ولم يدرسه أصحاب التحليل النفسي الفردي أو الاجتماعي، وهذا اللفظ هو «الناصريت».

والذين يعرفون اللغات الأوروبية، يعرفون بالطبع أن هذه الحروف التي أُضيفت الآن إلى اسم رئيس الجمهورية، تدل عند الأطباء على أسماء الأدواء والعلل التي تصيب بعض أعضاء الجسم.

ونفوس الغربيين وساستهم خاصة مصابة بداء في هذه الأيام يأتيهم من رئيس الجمهورية المصرية، وهو بالطبع لم يُصِبْ أعضاءهم الظاهرة، وإنما أصاب أعضاءهم وملَكاتهم الباطنة؛ ففي قلوبهم مرضٌ هو بُغْضُ جمال عبد الناصر، وفي عقولهم مرضٌ هو اتهام جمال عبد الناصر بكل شَرٍّ يأتيهم من الأمم التي خضعت لسلطانهم حينًا ثم أخذت تثور به وتتمرد عليه في هذه الأيام.

فرئيس الجمهورية المصرية هو مصدر ما أصاب الإمبراطورية الفرنسية وما لا يزال يصيبهم إلى الآن، وهو مصدر ما أصاب الإنجليز في بعض مستعمراتهم البعيدة وما لا يزال يصيبهم في قبرص وفي عمان وفي البحرين وفي مواضع أخرى من الأرض كان الاستعمار البريطاني فيه مستقرًّا ثم أصبح قلقًا مضطربًا. وكل ما يحدث في العالم العربي الشرقي والغربي إنما يدور حول رئيس الجمهورية المصرية وما يصدر عنه أو يوجَّه إليه. فإذا انحرف الأردن عن الغرب، فتخلَّص من المعاهدة البريطانية، وحرر جيشه من قيادة الإنجليز؛ فمصدر هذا رئيس الجمهورية المصرية. وإذا تشددت تونس أو مراكش في الانتصار للجزائر، أو غضبت تونس أو مراكش لاختطاف الزعماء الجزائريين؛ فمصدر هذا رئيس الجمهورية المصرية. وإذا استمسك لبنان بما بينه وبين فرنسا وأمريكا من صلة؛ فهذا موجه إلى رئيس الجمهورية المصرية، يُراد به غيظه والكيد له والتأليب عليه. وإذا مال الأردن إلى أمريكا وتأثَّر بإغرائها وقَبِل مالها وأفسد من أجل ذلك حياته الخاصة، فشرد بعض المواطنين وحبس بعضهم الآخر، وأقال حكم الشعب الأردني؛ فهذا موجَّه إلى رئيس الجمهورية المصرية، يُراد به إساءته وإثارته وإشعاره بأنه ليس مسيطرًا على الأمم العربية كلها. وإذا حاول العراق في هذه الأيام تيسير الأمر بينه وبين مصر، فلم يُفسِد الإذاعة المصرية ولم يقاومها؛ فهذا كيدٌ من رئيس الجمهورية المصرية للبريطانيين والأمريكيين.

الكارثة الكبرى

ولا يحسب القارئ أني أغلو أو أتكثر، وإنما هي حقائق التفكير الغربي في فرنسا وبريطانيا وأمريكا، كما تُصوِّره الصحف والمجلات وبعض الكتب التي تصدر في هذه البلاد.

والكارثة الكبرى عند الغربيين — وعليهم أيضًا — هي أن هذه الدعوة التي يدعو بها رئيس الجمهورية المصرية قد تجاوزت العالم العربي شرقه وغربه، واستجابت لها أمم أخرى في مؤتمر باندونج، وأصبحت لها كتلة تدعو بها في هيئة الأمم المتحدة، وهي كتلة الأمم الآسيوية الأفريقية.

ومعنى هذا كله أن رئيس الجمهورية المصرية قد أصبح علة تُنَغِّصُ على ساسة الغرب حياتهم أيقاظًا وأحلامهم نيامًا، وأشد أمم الغرب تأثُّرًا بهذه العلة هي الأمة الفرنسية التي أصاب ساستها وكثيرًا من كُتَّابها وأدبائها شيءٌ يشبه الحُمَّى. ولهذه الحُمى الناصرية في فرنسا أوقات تشتد فيها حتى تتجاوز الأربعين وأوقات أخرى تخِف فيها، ولكن حرارتها لا تصل إلى الطور الطبيعي في يوم من الأيام؛ فأعياد الثورة المصرية قد رفعت درجة الحرارة الناصرية في فرنسا إلى أقصاها، حتى أخرجت بعض الكُتَّاب الفرنسيين من أعضاء المجمع اللغوي عن أطوارهم، وانتهت بهم إلى شيء من الهذيان، كان أروع مظاهره في مقال نشرته جريدة الفيجارو للكاتب الفرنسي المعروف فرنسوا بونسيه، وهو رجل عُرِفَ بحدة الذكاء ونفوذ البصيرة وسعة الثقافة وعمقها.

الحمى الهاذية

كان سفيرًا لفرنسا في برلين أيام هتلر، وحين كان يهيئ للحرب العالمية الأخيرة. وما أعرف أحدًا برع في تصوير هتلر أثناء هدوئه وأثناء غضبه وأثناء ثورته كما برع فيه هذا الكاتب. وما أعرف أحدًا نصح لحكومته أحسن النصح وأخلصه كما فعل هذا الكاتب حين كان هتلر يتهيَّأ للحرب. ولكن هذا الكاتب اشترى — فيما يظهر — طائفة لا بأس بها من أسهم الشركة القديمة للقناة، وكانت هذه الأسهم — فيما يظهر أيضًا — تعود عليه في كل عام بمال كثير، فصدمه تأميم القناة في العام الماضي صدمة أذهلته، ولم يبرأ من ذهوله بعدُ.

وقد كتب في الأسبوع الماضي مقالًا نُشر في الفيجارو، وأشهد أنه مقال رائع حقًّا يصور الحمى الهاذية أروع الصورة وأبغضها إلى النفوس. ولست أدري أَقَرَأَ المصريون هذا المقال أم لم يقرأه، ولكني أؤكد أني لو كنت رئيسًا للتحرير في إحدى الصحف المصرية لترجمت هذا المقال؛ ليعرف المصريون كيف ترتفع حمى الناصرية في فرنسا حتى تبلغ بأصحابها أقصى حدود الخطرفة والهذيان.

بلاء التحرر

وهذه الحمى التي تأتي الفرنسيين من رئيس الجمهورية المصرية، لم تكد تهدأ حتى أخذت تصعد في هذه الأيام؛ ذلك أن هيئة الأمم المتحدة ستجتمع في الشهر المقبل، وأن الكتلة الآسيوية الأفريقية ستثير فيها مشكلة الجزائر، وأن أمريكا لا تُخفي ضيقها بعجز الفرنسيين عن حل هذه المشكلة. ومصدر هذا كله بالطبع رئيس الجمهورية المصرية؛ فهو المسئول الوحيد عند الفرنسيين — وعند غيرهم من أمم الغرب أيضًا — عن هذا البلاء العظيم الذي يُسمَّى التحرر، ويريد أن يرد إلى الأمم المغلوبة حقها الكامل في أن تحيا كما تشاء هي لا كما يشاء الأقوياء الأغنياء.

وهذه الكتلة الآسيوية الأفريقية قوية — فيما يظهر — وفيها كثير من المكر وكثير من الدهاء، فليس غريبًا أن يضع الفرنسيون أيديهم على صدورهم إشفاقًا من أن تنتصر هذه الكتلة في هيئة الأمم المتحدة؛ فتظفر بحكم الجزائر أو بحكمٍ على فرنسا، وهذه هي الكارثة التي لا يرى الفرنسيون كارثة أعظم منها خطرًا.

الداء ذو وجهين

وكذلك أصبح اسم رئيس الجمهورية يدل على مذهب بغيض في الغرب، ويدل في الوقت نفسه على علة مُفسِدة لتفكير الغرب وحكمه على كثير من الأشياء. والغربيون لا يشكُّون في أن رئيس الجمهورية المصرية يحاول أن ينشئ إمبراطورية عظيمة تجمع الأمة العربية كلها تحت لواء واحد. والفرنسيون لا يشكُّون في أن تأييد مصر للجزائر لا يُراد به وجه الله ولا وجه الجزائر؛ وإنما يُراد به وجه الإمبراطورية المصرية، ويُراد به أن تستأثر مصر بالجزائر من دون فرنسا. وما أعرف أن الهذيان يصل بالناس إلى مثل هذا الحد، ولكن هذا الذي نراه الآن في الغرب والذي لا يحققه المصريون؛ لأنهم لا يقرءون الصحف الأجنبية، ولأن صحفهم العربية لا تصوره لهم كما ينبغي، بل لعلها لا تعرفه؛ لأنها مشغولة عنه بأحداث العالم العربي.

أقول: إن هذا الداء الذي أصاب التفكير الغربي، والذي نراه في الصحف والمجلات والكتب شيءٌ ذو وجهين؛ أحدهما يَسُرُّ ويغر، والآخر يحزن ويسوء؛ فقد يسرُّ المصريين — وقد يَغرُّهم أيضًا — أن يعلموا أن الغرب مشغول بهم مبغض لهم مشفق منهم. ولكن حياة الأمم لا تقوم على السرور والغرور، وإنما تقوم على تقدير الأشياء كما ينبغي أن تُقَدَّرَ، وعلى العلم بحقائقها والانتفاع بما ينفع منها والاحتياط لما يكون منها ضارًّا أو معرضًا للخطر. وليس يضر مصر ولا يسوءُها أن تبغضها هذه الحكومة أو تلك من حكومات الغرب؛ فإن الحكومات تذهب وتجيء. وإنما الشر كل الشر والخطر كل الخطر هو أن يشيع بغض مصر والتنكُّر لها والاحتياط منها في أعماق الشعوب الغربية من كان منها مخاصمًا لنا ومن كان منها متحفظًا معنا.

يجب مقاومة السخف

فليس لمصر مصلحة مطلقًا في أن تفهمها الشعوب على غير حقيقتها وتظن بها الظنون. والمصريون قد يضحكون حين يُذكر لهم إنشاء هذه الإمبراطورية العربية الضخمة؛ يضحكون من هذا لأنه سُخف في نفسه، ولأن مصر التي بذلت ما بذلت من الجهد لتحقيق استقلال السودان ليست هي التي تحلم بإنشاء الإمبراطوريات في هذا الوقت الذي تنهار فيه إمبراطوريات عظمى. ولكن الواقع هو أن كثيرين جدًّا من أهل الغرب مؤمنون بهذه السخافة؛ فقد أفسدت السياسة تفكيرهم، فلم يُفَرِّقُوا بين الممكن وغير الممكن، وليس لنا بُدٌّ من أن نقاوم هذا السخف الشائع بنفس القوة وبنفس الحزم اللذين نقاوم بهما الاستعمار. وكم أحب أن تهتم لهذا الأمر وزارة الخارجية من ناحية، وإدارة الاستعلامات من ناحية ثانية، والصحافة والإذاعة من ناحية ثالثة. ولا بد من أن نصل إلى إشعار الشعوب الغربية بأن ساستها يُضلِّلونها ويكذبون عليها، وبأن مصر لا تطمع في شيء قريب من حدودها أو بعيد عنها، ولا تريد إلا أن تعيش عزيزة كريمة على نفسها وعلى الناس، وأن تعيش الأمم من حولها عيشة قوامها العزة والكرامة؛ فمصر لم تؤثِر نفسها بخير قط، وهي إذ طالبت بأن ترد الحقوق إلى أهلها في الجزائر وغيرها، فإنما تحب لإخوانها من الناس ما تحب لنفسها، مستجيبة بذلك لما فُطرت عليه من الإيثار ولما يدعو إليه القرآن والإنجيل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.