مجرد إرسال هذا العنوان في صيغة الاستفهام قد ينبه حساسية كل شاعر وضع نشيدًا في هذا المعنى، فتكون النتيجة سخطًا من جانب هؤلاء السادة على هذه الكلمة وعلى صاحبتها جميعًا، ورهيب سخط الناس أو سخط جماعة منهم لو هم تجمَّعوا كتلة واحدة فانفجر غيظهم كالقنبلة دفعة واحدة، فما بالك لو كان غيظًا متطايرًا من هنا وهناك وهنالك، من هذه المدينة وتلك وهاتيك، وكان الناقمون هم هم جماعة الشعراء الذين لهم في تقديري مكانة خاصة؟

إني لأتمثل هنا رسمًا في كتاب نسيت اسمه صنَّفه الكاتب الروحاني پول بروتزر (نجل العالم الروحاني الكونت بروتزر الذي كان فيما مضى العضو الروسي في صندوق الدين) ليظهر أن الغضب حالة وضعية محسوسة في الإنسان، فإذا ما ثار ثائره انطلق الغضب من رأسه ومن جوانبه كأسِنَّة حراب بلون اللهيب والدم، حتى إذا ما اشتد غضبه انقلبت الحراب ضاربة إلى الاسوداد، أتمثل هذه الحراب مُصوَّبة لي من كل ناحية فيأخذني الفزع والوجوم وأعمد إلى الهرب، فأتوجه للشعراء الذين لم يحاولوا كتابة نشيد قومي لأقول لهم إنهم أشرار كسالى، وهكذا على رأي الشاعر، أكون مستجيرة من الرمضاء بالنار.

لست أبتُّ بأن الذين لم يكتبوا قد كانوا يأتون بخير مما لدينا، إنما أعني أن على كلٍّ من هؤلاء الأساتذة أن يجرب قريحته في إخراج صيحة هي صيحة كل مصري في هذه الأعوام: الصيحة الوطنية.

ولقد أنتجت قرائح شعرائنا أناشيد جمة منذ اليقظة المصرية الميمونة، ومن تلك الأناشيد ما هو على جانب يُذكَر من الجمال غير أنها «صيحات» متعددة؛ لأن كل شاعر جاء بصيحة من عنده صادفت هوى في نفس هذا الفريق أو ذاك من الناس، ولكن الصيحة «الواحدة» التي ليس هناك سواها، الصيحة الواحدة التي هي صيحة الجميع لم نُوفَّق إليها بعد.

وهذا النشيد — النشيد القومي — هو بطبيعة الحال غير السلام الملكي الجليل، إن السلام الملكي تحيط به عواطف خاصة فيوقظ الحماسة في رزانة، والجذل في حصافة، بل هو فوق الحماسة والجذل لأنه والراية والعرش يتوحدون في معنى واحد خالد تعلو له الجباه وتتهيَّب عنده النفوس، أما النشيد القومي فهو — كما قلت — صيحةُ القوم، بينا السلام الملكي هو هيبة القوم.

ومن أجمل الأناشيد التي أوحتها الأعوام المتأخرة نشيد «أنا انتهيت»، وهي إحدى الكلمات الأخيرة التي فاه بها سعد زغلول باشا إلى حرمه المصون قبل وفاته، لم أسمع هذا النشيد إلا مرَّة واحدة منذ عام ونصف تقريبًا في ختام الاحتفال بتوزيع الشهادات على طالبات مدرسة «جامعة المحبة» القبطية، لا أعرف من هو ناظم هذا النشيد ولا من هو مُلحِّنه، وأعترف بأني لم أفهم جميع الألفاظ التي ضاع كثير منها في اللحن، شأنها في كل أغنية وكل نشيد، بيد أن الأثر الباقي من ذلك النشيد بعيدُ المدى في نفسي.

أَلأنَّ كلمة «أنا انتهيت» التي تتكرر مؤثرةٌ والصورة التي تستحضرها موفورةُ الشجن؟

أَلأنَّ فتيات المدرسة الصغيرات كُنَّ ينشدنها بأصواتهن البريئة والظلام مُخيِّم؟

أم هي الحماسة التي كان يقابل بها الجميع كلَّ مقطع من مقاطع النشيد، ذلك الجمع الذي تسري في كيانه ذكرى سعد كالكهرباء في الفرح والترح على السواء؟

لست أدري، ولكنني أود أن أسمع «أنا انتهيت» مرة أخرى، وحبَّذَا لو اهتديت إلى ألفاظه وموسيقاه.

أما وقد وصلت من كلمتي عند هذا الحد فهذا يدلني ويدل القُرَّاء الكرام على أن الشعراء الناقمين لم يجهزوا عليَّ إلى الآن، لعلهم في هذا شأنهم شأن الحاكم حيال المحكوم عليه يدعه يفضي بكل ما عنده قبل مغادرة الحياة! فلأقولن إذن كيف أتخيل النشيد المنتظر وكيف أودُّه أن يكون:

أولًا: أن يكون قصيرًا، عشرة أسطر، عشرة أسطر لا غير، اثنان منها للازمة أو القرار، ودَوْرَان اثنان يتركب كلٌّ منهما من أربعة أبيات فقط. ثانيًا: أن يكون خاليًا من النواح والعويل والتهديد والوعيد وألَّا تُشقَّ عنده الجيوب ولا تُعصَر المناديل عصرًا، ألا رفقًا بدموعنا وزفراتنا، أيها الشعراء. ثالثًا: أن يكون خاليًا من «المباهاة» المألوفة. رابعًا: أن يكون ذا بلاغة قوية مقتضبة تشير إلى الماضي العظيم وإلى عظماء الموتى، وتشير بلا غُلوٍّ ولا استعارات إلى يقظة الحاضر المُبشِّرة بكل خير، وتشير إلى المستقبل الفسيح المتماوج بالأماني تماوج المروج المصرية بالزرع الخصيب. خامسًا: أن يكون لحنُهُ مطابقًا معناه، وأن يكون نغم القرار أو اللازمة غير نغم الدور. سادسًا: (وهذا أهم الشروط) أن تتخلَّله من البداية إلى النهاية رعدةٌ … الرعدة الوطنية الشعرية الموسيقية التي تجعل جميع النفوس مهتزة كقيثارة واحدة.

أصارح بأن سَنَّ الشروط سهل في حين تنفيذها على ما يرام أقل سهولة، ولكن أليس الشعراء شعراء لأنهم يأتوننا بما لا نحصل عليه لولا مواهبهم؟

ومثل هذا النشيد لا تجلبه جائزة أو مسابقة، إنه آية تنزل على صاحبها فتنقلها يده وهو في حالة الإلهام.

كان فرجيليو الشاعر اللاتيني يسير ذات مساء على شط البحر مع جماعة من تلاميذه وأصحابه عندما سمع …

ولكن هذه حكاية أخرى، كما يقول الأيرلندي وسأرويها لمن يصغي يوم نفوز بالنشيد المطلوب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.