تقولين يا صديقتي إنك تألمت لأجلي، وإني ليَكرُبني ويسعدني معًا أن يكون لكِ مني باعث على الألم؛ لأن النفس لا تسبر قدرتها وتعرف صفوة ما لديها من اللذاذة إلا في الألم.

أُسلِّم بأن ليس لكل أحد من الناس أن يدرك هذا الأمر ويهتدي إلى حقيقته، على أن هذا هو الواقع وإن قلَّ فاهموه، ثم أليس أن الحب كل الحب في أن نتألم في سبيل امرئ أو غاية فنظل على حبِّنا وتعلقنا رغم المعاكسات والغموم؟

أنت روح جميلة؛ لذلك أثق بأنك تفهمين ما أقول ويعزيني أن لا تكون أفكاري غريبة عنك، لأن العامة ترى في تقدير الألم محض الجنون، فإن تحتَّم الجنون بين بني الإنسان فإني أؤثر جنوني الذي يدرك نفسه ويحب ما يفعل على جنون السخفاء المغرورين الذين يدَّعون لأشخاصهم التفرد والعصمة، وما ذلك إلا لأن غشاء ضرب على قلوبهم وعيونهم فهم لا يبصرون ولا يفقهون.

كلا، لست من تلك النفوس الضئيلة الضعيفة الفزيعة المتطفلة التي تلقي بنفسها أبدًا على الآخرين، وتتلقف الفكر الشائع والرأي السائر دفعًا للتفكر والتبصر والجهاد، ألا إنما قيمة الحياة في السعي لبلوغ غاية سامية والعمل في سبيل مثل أعلى، وقد تصيب المرء طعان وجراح تدمي منه النفس والجسد، وقد يلاقي حتفه خلال الكفاح والنضال، ولكنه على الأقل، يذكر شريفًا أنه سعى وناضل وتحرك وحاول، أنه جدَّ في تصريف قواه ومرَّن تينك الصفتين اللتين هما من أنبل ما تُكِنُّ طبيعة الإنسان: الذكاء والإرادة، أما تلك الجماهير التي لا تُحصَى ولا تُرى من الأمور والممكنات سوى الناحية الضئيلة المألوفة، تلك الجماهير التي تتحايل على الراحة والوجاهة والمال لتنال منها المظهر المعروف والدعوى والغرور، تلك الجماهير التي ترضى بكل شيء دون تبصُّر ولا اختيار وتستكن إلى خمول التنعم دون شرف الجهاد، تلك الجماهير التي ما الذكاء عندها والإرادة والعاطفة إلا عبيدًا خانعين للآراء المتناسخة والأفكار المتناقلة منذ سحيق الدهور، تلك الجماهير التي مثلها الأعلى إنما هو أدنى مثل ناله حتى اليوم بنو آدم، تلك الجماهير لا تستطيع أن تفهم النفوس النزَّاعة إلى ما فوق الأمور العادية والأماني الزقاقية، لا تستطيع أن تفهم النفوس التي تطلب من الحياة مثلًا أمثل وتجاهد لتحقيقه أو الدفاع عنه.

أَيُقِرُّني ضميري على ما عزمت على إتمامه وأصررت على الفوز به؟

أَيُدنِينِي مسعاي هذا من مثلي الأعلى الذي يجعل الحياة ذات قيمة في نظري؟

أَتَتَقوَّى إرادتي وتُصقَل مواهبي خلال ما أسعى إليه وأجاهد في سبيله؟

أأنا واثقة من صلاح عملي وشرافة مسعاي؟

إذا كان الجواب على هذه الأسئلة الأربعة إيجابًا إذن فسبيلي هو السوي أيًّا كان رأي الجماهير فيه، ومهما حاول المشاغبون الطعن فيه وتشويه جماله لعجزهم عن الشعور بما يعوزني والإحساس معي والجمهور الذي لا يقدر إلا الراحة الأدبية، ولا يتوق إلا إلى الموافقة والاستسلام، ولا ينشد في يومه إلا اللهو والمرح والتنعم، فذاك جمهور لا يمضي بإدراكه إلى أبعد من سطحيات الأمور، ولا يفهم ولا يستطيع أن يفهم نشوة الجهد وعزة المجاهد.

وإذ تتألم نفس محبة في سبيل نفس محبوبة ففي ذلك جهاد نبيل مرغوب تتقوى فيه المَلَكات، وتسمو الميول، وتنتظم النزعات والرغبات، ويصبح المجاهد عنده بطلًا عبقريًّا على نوع ما، لأنه يرمي إلى ما هو في نظره جميل عظيم ويخلق الوسائل لتحقيقه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.