هل استيقنت الوزارة وأنصارها أن الشعب المصري غافل لا يميز بين الخير والشر، ولا يفرق بين النفع والضر، ولا يعنيه من الأمور إلا صورها وأشكالها، ولا يعنيه من الناس إلا أسماؤهم وألقابهم؟ فهو كان ضيقًا أشد الضيق بحكم صدقي باشا، فأصبح واسع الصدر، مطمئن النفس، راضي القلب، بحكم عبد الفتاح يحيى باشا؛ لأن الرجلين يختلفان في الاسم، ويختلفان في الطبيعة، ويختلفان في المزاج، وإن كان هذا الاختلاف العظيم لا يؤثر في سياستهما، ولا يغير من سيرتهما، وإنما هي سياسة واحدة تصدر عن سلطان واحد، كانت أداته صدقي باشا أمس؛ فأصبحت أداته عبد الفتاح يحيى باشا اليوم.

هل استيقنت الوزارة القائمة بأن هذا الشعب المصري غافل ساذج، لا مشقة في أن يعبث بعقله العابثون، ولا عسر في أن يُغرِّر به المُغررون. يكفي أن تُغَير له الأشخاص والأسماء فإذا هو راضٍ بعد سخط، واثقٌ بعد شك، مبتهج مسرور بعد حزن؟

هل استيقنت الوزارة القائمة هذا كله، فهي مطمئنة إلى سياستها، راضية عن سيرتها، واثقة بأن الأيام ستُمْلِي لها وستمدُّ لها من أسباب الحياة والسلطان مثل ما مدَّت لوزارة الدكتاتور العظيم؟

هذا شيء ظاهر لا ينبغي أن نشك فيه، فلو أن هذه الوزارة تنظر إلى الشعب المصري نظرة الجد، ولو أن هذه الوزارة تقدر أن هذا الشعب يعقل ويفهم، ويُفرِّق بين ما يُراد به من الخير وما يُراد به من الشر؛ لما وثبت إلى الحكم حين دُعِيَتْ إليه حتى تستيقن من أنها ستُغيِّر أسلوب الحكم، ومن أنها سترفع الظلم وتضع العدل بين الناس، ومن أنها ستأتي لهذا الشعب بشيء جديد!

نعم، ولو أن هذه الوزارة لا تزدري الشعب ولا تستخف به لأقدمت على الحكم إن لم يكن لها بد من الإقدام عليه؛ فلم تَقُمْ في مناصبه إلا ريثما تُقْدِمُ على الإصلاح من جميع نواحي الإصلاح، وإذا هي لا تدع فرعًا من فروع الحكومة إلا غَيَّرَتْ فيه وبدَّلت؛ لأن صدقي باشا قد جعل فروع الحكومة كلها محتاجة إلى التغيير والتبديل، ولكن وزارتنا القائمة لم تفكر في الشعب، وما ينبغي لها أن تفكر فيه؛ لأن أيسر التفكير في الشعب خليق أن يقنعها بأنها وزارة غير مرغوب فيها، وبأنها ليست هي التي تستطيع أن ترضي هذا الشعب، أو تحقق من آماله ومنافعه قليلًا أو كثيرًا.

لم تفكر وزارتنا في الشعب، ولعلها لم تسأل نفسها: لِمَ دُعِيت إلى الحكم؟ ولعلها لم تسأل نفسها: لِمَ قبلت الحكم؟ ولعلها لا تسأل نفسها الآن: لِمَ تُقيم في الحكم؟ فإن أمهر الناس وأذكاهم وأقدرهم على الفهم والتأويل عاجز — وسيظل عاجزًا — عن أن يُبيِّن لنا الأسباب التي دعَتْ إلى أن تذهب وزارة وتأتي وزارة، ما دامت أساليب الحكم وسير الحاكمين هي هي لم تتغير، بل لم يفكر في تغييرها أحد.

لقد أقبل الرجل الطيب حين دُعِيَ، وتقبل الحكم حين أُسْنِدَ إليه الحكم، ولم يضع برنامجًا، ولا بيَّن خطة، وإنما قال: إنه لا يستطيع أن يأتي بالمعجزات، ثم تقدم إلى البرلمان بخطبة تُشبه خطب صدقي باشا، حذوك النعل بالنعل، ثم مضى ينفذ خطة صدقي باشا، ويحارب بها صدقي باشا. وهذا هو كل ما يميزه من صدقي باشا، فقد كان الدكتاتور يحارب الشعب، فأصبح الرجل الطيب يحارب الشعب، وفلولًا من خصوم الشعب، وإلا فقد نحب أن نعرف أين يكون الخلاف بين الرجلين.

سياسة العبث بالمصالح العامة قائمة كأحسن ما يمكن أن تقوم، كانت وزارة صدقي باشا تسرف في استبدال المعاشات، محاباةً لكبار الموظفين بهذا الاستبدال، مُعرضةً عن الحق، مُعرضةً عن العدل، مُزدريةً للنزاهة في تدبير المال؛ فهذه وزارة الرجل الطيب تقرُّ ما أقرت وزارة صدقي باشا، وتؤثر كبار الموظفين بمثل ما كانت تؤثرهم به وزارة صدقي باشا. وليس الفضل للوزارة في أن صاحب المعالي كبير الأمناء نزل عن صفقته، ولكن الحق الذي لا شك فيه هو أن هذه الصفقة قد تمت في عهد هذه الوزارة، وأكبر الظن أنها قد ابتدأت في هذا العهد أيضًا؛ وإذن ففيم تنكر الوزارة على خصمها ما تأتيه هي؟ وإذا لم يكن بد من أن يُسأل رؤساء الوزارات عن محاباة كبار الموظفين على حساب الدولة، فما بال الرجل الطيب لا يُسأل كما يُسأل الدكتاتور الطاغية؟

وكيف يستطيع العقل أن يُسِيغَ هذا النحو من الطيش الذي يدفع الرجل إلى أن يلوم الناس ويُشهِّر بهم لأنهم يأتون بعض الأعمال، ثم هو غارق في نفس هذه الأعمال إلى أذنيه؟!

كان صدقي باشا يُلَامُ لأنه كان يهدر القوانين إهدارًا، ولا يتحرج من أن يجعل أموال الدولة وأرضها إقطاعًا، يَمُنُّ به على مَنْ يشاء مِن الموظفين وغير الموظفين، فهل يستطيع الرجل الطيب أن يفسر لنا قصة مدير الغربية الآن، ومدير أسيوط، وصاحب البداري من قبل، في هذه الأرض التي اشتراها في الزمالك، والتي أقام عليها بناء خالف فيه القانون، وانحرف فيه عن الشروط، فلما أنكر بعض جيرانه ذلك عليه، وهَمَّ بمقاضاته وبمقاضاة الدولة، بذلت الدولة جهدها وأرض الدولة لترضي المدير ولترضي الجار، ولتحسم الخصومة حسمًا مخافةَ أن يقضي عليها وعليه؟!

أوقعت هذه القصة أم لم تقع؟ فإن لم تكن قد وقعت فإنا قد كتبنا فيها وسألنا عنها، وألححنا في السؤال، فما بال الحكومة لم تُكَذِّبْ؟ وما بال الوزارة لم تعمد إلى النفي؟ وإن تكن قد وقعت — وهذا ما ليس إلى الشك فيه سبيل — فكيف تستطيع الوزارة أن تفسرها؟

وكيف تستطيع أن تُؤَوِّلها؟ وكيف تستطيع أن تلائم بينها وبين ما تُظهر الآن من الغضب للعدل والحق، ومن الغيرة على مال الدولة أن يُنتهب، وعلى أرض الدولة أن تقتطع، ومن النفور كل النفور من الإيثار والمحاباة؟

أفتظن الوزارة أن الناس قد بلغوا من السذاجة والغفلة والبله أن يعدوا آثام صدقي باشا آثامًا، فأما سيئاتها هي فحسنات لا غبار عليها، ولا مطعن فيها؛ لا لشيء إلا لأن تلك الآثام أقرتها وزارة كان يرأسها صدقي باشا، وهذه الآثام أقرتها وزارة يرأسها الرجل الطيب ليس غير؟

كان صدقي باشا يُلَامُ لأنه لم يكن يعرف حدًّا يقف عنده في إرضاء أهوائه وشهواته على حساب الدولة، فكان يُدْنِي ويُقْصِي، وكان يرفع ويخفض، وكان يعطي ويمنع، لا يقيم ذلك على رعاية المصلحة العامة، وإنما يقيم ذلك على رعاية هواه وسياسته الخاطئة.

فهل تستطيع الوزارة القائمة أن تبين للناس فِيْمَ أُقصي مدير الأمن العام السابق عن الأمن العام؟ وفيمَ عُلِّق بين العمل والفراغ أشهرًا طوالًا؟ وفيمَ أذن له أن يحتكم في أموال الدولة ليريح الوزراء من نفسه؟ وفيمَ نزل مجلس الوزراء عند حكمه فأعطاه ما أعطاه من فضل المعاش، وجعله مضرب المثل للموظفين الذين يسعدون حين يحبهم الوزراء، ويسعدون حين يبغضهم الوزراء، ويربحون على كل حال؟! أكانت ملائمة للمصلحة؟ أكانت ملائمة للحق والعدل؟ أكانت ملائمة لنزاهة الحكم هذه السيرة التي سارتها الوزارة القائمة مع مدير الأمن العام السابق؟

كلا، كلا، طبيعة الحكم واحدة، وسياسته واحدة، وسيرة الحكام واحدة، وقوام هذا كله شيء واحد هو ازدراء الشعب، والاستخفاف به، والثقة بأنه شعب غافل جاهل ضعيف، لا يستطيع أن ينكر، ولا يستطيع أن يرد الظلم حين ينزل به، وإلا فماذا تغير من سياسة صدقي باشا في معاملة الذين لا يؤيدون الوزارة، ولا يرضون أن يكونوا لها أنصارًا وأذنابًا. هل أطلقت للناس حريتهم؟ هل ردت على الناس حقوقهم؟ هل أبيح لهم أن يجتمعوا؟ هل أبيح لهم أن ينتقلوا؟ هل أبيح لهم أن يخطبوا؟ هل كفت الشرطة عن مراقبتهم في الجهر والسر؟ هل خُلِّي بينهم وبين أنفسهم يفكرون ويقولون ويعملون في حدود القانون كما كفل لهم الدستور؟

كلا، ما زال الأمر الآن كما كان في أيام صدقي باشا مستكملًا كل ما ينبغي من الجد الممض، والهزل المسلي للأحزان. أفلو كانت الوزارة القائمة أشد تقديرًا للشعب من الوزارة الساقطة، وأميل إلى إنصافه وإرضائه وتحقيق منافعه، أكانت تحتفظ بكل هذه الآثام؟ أكانت تُغْضِي على كل هذه السيئات؟ أكانت تقضي في الحكم يومًا أو بعض يوم؟ كلا، ولكنها مُصغِّرة لأمر الشعب، آمنة من غضب الشعب، مستمتعة بذلك التأييد الخفي الذي كان يستمتع به صدقي باشا، ماضية مع الإنجليز في هذه المؤامرة التي كان يمضي فيها معهم صدقي باشا. هذه المؤامرة التي يراد بها خداع المصريين عن حقوقهم، وإن لم يكن إلى خداعهم سبيل، والتي يراد بها خداع الأجانب عن حقيقة الأمر في مصر، وإن لم يكن إلى خداعهم سبيل.

إنا لنذكر أولئك الإنجليز الذين كانوا يجهرون بالثناء على صدقي باشا، والذين كانوا يسعون إليه ليرفعوا إليه هذا الثناء؛ فأين هم الآن، ما لهم لا يجهرون بإنكار تلك السياسة الآثمة إن كانوا ينكرونها حقًّا؟ تبارك الله، وكيف ينكرونها وهم ماضون فيها اليوم كما كانوا يمضون فيها أمس، وهم يعينون الرجل الطيب عليها اليوم كما كانوا يعينون الدكتاتور الطاغية عليها أمس؟ كلا، لا ينكر الإنجليز شيئًا؛ لأنهم لم يغيروا بعدُ موقفهم ولا سيرتهم، فالمؤامرة ما زالت قائمة، والكيد لمصر والمصريين ما زال متصلًا، والحرص على إذلال مصر واستذلالها ما زال مستمرًّا، وازدراء الشعب والاستخفاف به ما زال قوام سياسة الإنجليز.

هنالك شيء جديد أو قل هنالك شكل جديد من أشكال المؤامرة، هنالك هذا الميل إلى إظهار الفضائح، والنزوع إلى نشر المخزيات، والتظاهر بالرغبة في الإصلاح، هنالك هذا الشكل الجديد يرمي به المؤتمرون إلى غرضين، كلاهما شر من الآخر: فأما الغرض الأول، فهو شغل الناس بهذه السيئات المنكرة؛ شغلهم بهذه التفصيلات، وصرفهم عن قضيتهم الكبرى، ومنعهم من التفكير في حقوقهم العليا، تلهيتهم بالصغائر عن الكبائر، تلهيتهم بصدقي باشا عن مصر، تلهيتهم بهذه السيئات القديمة عن سيئات أخرى جديدة، تلهيتهم بهذه المظالم عن أقبح المظالم وأشنعها، وهي مظلمة الشعب كله حين يحرم حقه، ويحكم رغم أنفه، وتدبر أموره على غير ما يريد.

وأما الغرض الثاني فهو أن يُلْقي المؤتمرون بالشعب في روع الشعب أن عهدًا قد انقضى كان كله آثامًا وسيئات، وأن عهدًا جديدًا قد أقبل ومعه العدل والإنصاف. أنت مظلوم؟ تعال؛ فسنرفع عنك الظلم، أنت تشكو؟ تعال فارفع شكاتك إلينا، وابسط أمرك بين يدينا، وكذلك يصرف الناس إلى مصالحهم الخاصة عن مصالحهم العامة، وكذلك يصرف الناس عن الإيثار إلى الأثرة، وكذلك تَنْبُه في نفوس الأفراد هذه العواطف الدنيئة: عواطف حب النفس، وإيثار مصالح الفرد، والرغبة في الراحة، واللذة عن الجهاد والكفاح في سبيل الوطن، وكذلك يخيل إلى الناس أن المندوب السامي الجديد قد أقبل إلى مصر يحمل في حقائبه الرحمة والبر والعدل، وإنصاف الضعفاء من الأقوياء، وكذلك يخيل إلى الناس أن الظلم الذي أنزله بهم صدقي باشا سترفعه عنهم دار المندوب السامي؛ فيجب أن تكون هذه الدار ملجأ القاصدين، وموئل المظلومين، ويجب أن يفزع إليها المصريون، ويلوذوا بها كلما ألمَّ بهم ظلم، أو سلط عليهم جور.

كلا، كلا، يجب أن يعلم المصريون أن هذا الظلم الذي يريد الإنجليز أن يخدعوهم بما يتكلفون من رفع بعضه عنهم إنما صدر — قبل كل شيء وبعد كل شيء — عن الإنجليز، فلولا الإنجليز ما كان صدقي باشا، ولولا الإنجليز ما ظلم صدقي باشا، ولولا الإنجليز ما نهضت الوزارة القائمة بما تنهض به من أعباء الحكم، ولا بقيت في مناصب الحكم. الإنجليز هم الذين سلطوا الظلم على مصر ليذلوها، والإنجليز هم الذين يحاولون أن يرفعوا أيسر الظلم عن مصر الآن ليخدعوها، هم يكيدون لمصر حين يريدون بها الشر، وهم يكيدون لمصر حين يظهرون لها الإنصاف، وقد عرفت مصر كيف تصبر على الظلم المدلهم، وتثبت للخطب الملم.

فعلى مصر الآن أن تُبيِّن للإنجليز وللمندوب السامي الجديد أن صغائر الأمور لا يمكن أن تخدعها عن كبائرها، وأن إنصاف بعض الأفراد لا يمكن أن يخدعها عن ظلم الشعب كله، وأن أبناء مصر حين نهضوا يطلبون الاستقلال لمصر لم يكونوا يفكرون في لذة الفرد واستمتاعه بالنعيم، وإنما كانوا يفكرون، وما زالوا يفكرون، وسيفكرون دائمًا في تحرير الشعب، وجعل مصر الحاضرة خليقة أن ترث ذلك المجد القديم، وتمكين أبناء النيل من أن ينظروا إلى أبناء التايمز نظر الرجال الأحرار إلى الرجال الأحرار، لا يغضون الأبصار، ولا ينكسون الرءوس، ولا يشعرون بما يشعر به المسود المغلوب حين ينظر إلى السائد الغالب.

على مصر أن تظهر هذا للإنجليز وللمندوب السامي الجديد؛ فقد يظهر أن طول إقامته في الصين جعل من العسير عليه أن يعرف طبيعة المصريين، وحقيقة ما يطمحون إليه، فقدر أنهم لا يطمحون إلا إلى الراحة، ولا يطمعون إلا في العيش الهنيء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.