أيها السادة والسيدات

يتسرب صوتي إليكم بعد أنغام الموسيقى مباشرة ساعة تأخذون بأحاديث السمر وما إليها من فكاهة وتسلية، طلبًا للراحة من جلبة النهار وعناء الأعمال، ولا أشك مع ذلك في ترحيبكم بهذا الحديث مصغين إليه في اجتماعاتكم وخلواتكم بعطف وقبول؛ إذ ليس من ذكرى تتفتح لها النفس أكثر من ذكرى تلك التي خلقت في صحراء الحياة واحة كوَّنتها من وطنيتها وحميتها وحبها لقومها، وليس من اسم يستحق أن يتصل طرفاه بشجي الأنغام أكثر من اسم تلك التي جازت أُفُق العمر نغمًا سريعًا شجيًّا بعيدًا لوقع عميق الأثر.

عندما زارتنا للمرة الأخيرة قُبَيْل وفاتها، كانت تصحبها صديقة لها ولنا أخذت تعزف على العود، فأنشدت الباحثة هذه الأبيات من الموشَّح الأندلسي المعروف:

حسبت عند وفاتها أنها اختارت هذه الأبيات لاستشعارها بدنو الرحيل، أما الآن فأكاد أرى في كل منها حديث عتب وتذكير. لقد احتفى رجالات مصر بتأبين باحثة البادية في اجتماع خاص بهم، كان الأول من نوعه في تاريخ مصر الحديثة، وقامت النساء من ناحيتهن بمثل ذلك في اجتماع كان أيضًا الأول من نوعه أيام الحركة الوطنية، ورئيسة ذلك الاجتماع السيدة هدى شعراوي رأت يومئذٍ أن تهدي صورة الفقيدة إلى الجامعة المصرية مقترِحة أن تضعها في قاعة تُطلِق عليها اسم (باحثة البادية)، على أنْ تقدِّم هدى هانم للجامعة مبلغًا من المال كل عام للقيام بنفقات تلك القاعة، ولست أدري ماذا تم في أمر هذا الاقتراح على وجه التحقيق، ولكني أدري أن هذه الأعوام انقضت، فلم نحتفِ بالذكرى إلا هذه المرة ومرة أخرى قبل أعوام في اجتماع أحياه «الاتحاد النسائي»؛ أفلا يحق للباحثة — والحالة هذه — أن تهمهم في أرواحنا بتلك الأبيات، معاتبة مذكِّرة؟

لا يقوم إحياء الذكرى بالحفلات التي ترغي فيها الخطب وتزبد القصائد، والذين يستحقون هذه الحفلات المتكررة من الموتى كثيرون، فلو تفرغنا لمثل تلك الحفلات لقضينا العمر كله في الادِّكار دون سعي ولا عمل، والحياة ملحة تسوقنا إلى الأمام ولا تسمح بالتفاتٍ إلى الوراء لنعيش في الماضي، بل هي توحي إلينا وجوب استخراج النفيس المفيد من الماضي لنسير به في الحاضر إلى المستقبل، وقد زدنا في أهميته ونفاسته، إنما نذكر الراحلين بمراجعة ما تركوه لنا والاستفادة منه، بالاعتراف بفضلهم حيث غرسوا غرسة أو نثروا بذورًا، لنظل على اتصال روحي بهم، ولو محصنا ما يُكتَب اليوم في موضوع تعليم المرأة وتهذيبها وتنشئتها تنشئة يصلح بها المجتمع، لوجدنا أن الباحثة نظرت في تلك الموضوعات وأخرجتها بآراء لا يتهمها أحد فيها بالاندفاع والتهور.

قليلًا ما كتبت إذا اعتبرنا الفصول المعدودة في مجموعة كتابها «النسائيات»، بَيْدَ أن كل ما عالجته جوهري تناول حياة المرأة فتاةً وزوجًا وأمًّا وسيدة بيت، وقَلَّ أنْ وَقَعَ نظرنا على مقال يبحث الموضوعات الاجتماعية من الناحية النسائية، إلا وأنبأتنا مجموعة «النسائيات» بأن الباحثة عالجته قبل ربع قرن، والفتيات اللاتي فُتِحت لهن أبواب التعليم الثانوي والعالي، يعرفن من «النسائيات» أن الباحثة طالبت لهن بذلك منذ ربع قرن، فهي في خطبتها الأولى التي ألقتها على السيدات بنادي الأمة، وفي الاقتراحات التي قدَّمتها إلى المؤتمر الإسلامي بهليوبولس، طلبت فيما طلبت تعليم البنات التعليم الابتدائي والثانوي، مع جعل التعليم الأولي إجباريًّا في جميع الطبقات، وإطلاق الحرية في تعليم غير ذلك من العلوم الراقية لمن تريد، وتكثير المجانية في مدارس البنات الموجودة أو إنشاء غيرها، وتعليم البنات أصول الدين والتدبير المنزلي علمًا وعملًا، وقوانين الصحة وتربية الأطفال والإسعافات الوقتية في الطب، وتوسيع نطاق مدرسة الممرضات أو إيجاد مدرسة للطب خاصة بالنساء، وعلى كل حال، تخصيص عدد من البنات لتعلم صناعة الطب بأكملها، حتى يقمن بكفاية النساء في مصر. ولست منبئة بشيء طريف إنْ أنا قلت: إن الكثير من تلك المطالب قد تحقَّق، وإن بين الفتيات المتخصصات للطب نجد صغرى شقيقاتها، بينا تتفرغ شقيقتها الأخرى للتعليم وتنشئة جيل جديد من البنات المصريات.

وفي «النسائيات» شتى الأبحاث في المشاكل العائلية والاجتماعية في الحجاب والسفور، والخطبة والزواج والمهر والصداق والطلاق والانفصال (بعد الشر عن المستمعين والمستمعات!) وفي داء تعدُّد الزوجات، وما يتبعه من تفكُّك أواصر الأسرة ونزول الشقاق بين أعضائها. تلك أمور لا يتيسر البت فيها دون الإصغاء إلى صوت المرأة العاقلة، ورأي الباحثة في ذلك رأي معتدل متزن، والمصرية الوطنية منها ليست دونها مصلحة اجتماعية؛ فهي القائلة بتكثير المستشفيات الخيرية والصيدليات للمرضى من الرجال والنساء والأطفال، بحيث يكون واحدًا منها على الأقل في كل مركز من مراكز المديريات، وفي كل قسم من أقسام المدن، وهي القائلة بتعليم المصرية كل ما يلزم من الصناعات الضرورية لجنسها، كالخدمة والتفصيل والخياطة والتطريز وتربية الأطفال والتعليم، حتى لا تحتاج الوطنيات إلى غيرهن من الأجنبيات، وهي القائلة بإيجاد الصناعات الوطنية وبتحسين الموجود منها وترويجه؛ للمحافظة على مصلحة الوطن والاستغناء عن الغريب من الناس والأشياء بقدر الإمكان، وهي المتغنية بالسمرة المصرية وبعذوبة معناها، وهي المستحِثَّة بنات جنسها إلى زيارة الآثار المصرية واستيعاب روحها. كل ذلك مما ذكرت ومما لم أذكر، قالته بنبرات حماسية، ببراعة في اختيار اللفظ وسبك الفكرة، بإيجاز في الجزالة، باختزال في البلاغة، بجمل ناصعة لا تُنسَى، بإنشاء هو صورة صادقة من روحها المتَّقِدة.

وثمة ما هو أهم في وصف الإنشاء، ذلك أن بباحثة البادية كاتبة أخذت تكوِّن الشخصية الأدبية الجديدة، لا للمرأة المصرية فحسب، بل لكل امرأة شرقية تكتب بالعربية، فالشخصية النسائية في آدابنا القديمة محدودة، لمست موضوعات معينة في المدح والفخر والحماسة والمعارضة والهجو والرثاء، وأحيانًا في الغزل والنسيب، مع كلمات في النثر بليغة جميلة ولكنها قليلة لا تصوِّر شخصية مستكملة من شتى النواحي، إذ لم يكن ذلك ما تتطلبه حاجات الزمن، وأين ذلك من مشاكلنا في هذا العصر؟ أين ذلك من قلقنا واضطرابنا بين ما يتنازعنا من تقاليد الماضي وعوامله، ومن مؤثرات الحاضر ومقتضياته؟ أين ذلك مما يعصف بنا من المفاجآت في هذه الحياة الجديدة التي لم تتخيلها أمهاتنا وأمهات أمهاتنا؟

بالأمس القريب والبعيد كانت المرأة تقلِّد الرجل في ما تنشئ، ونفسها لا يختلف عن نفسه إلا أحيانًا في الرثاء وفي بعض المعاني المفروضة عليها باعتبارها امرأة؛ لذلك لا نجد في الماضي الشخصية النسائية التي نستوحيها، ولذلك تحتَّم خلق المزاج النسوي والبيان النسوي والنفس النسوي في الأدب العربي الجديد، وهو أمر من الصعوبة بحيث لا يتصوره الرجل رغم كونه هو أيضًا يخلق أدبًا جديدًا يضيفه إلى الآداب القديمة، صعوبة تصدمنا عندما نكتب بلغة أجنبية، حيث نجد السبيل عامرة بمن طرقْنَها ويطرقْنَها من مئات الأديبات والكاتبات.

والشخصية النسائية الأدبية التي حصحصت في بعض شعر عائشة تيمور، انجلت طائفة من خطوطها في كتابات باحثة البادية، فاختلفت عندها اللهجة، ونزعت شخصية المرأة إلى الاستقلال عن شخصية الرجل أستاذ المرأة في الآداب، وصرنا نتعرف الصوت النسائي في حرارته وفي كآبته، في أريحيته وفي عذوبته، في نقده وتهكمه وتوجعه، في دعوته إلى الإصلاح والتقدم بمزيج مشوق من الانفعال والرزانة، وهذا الحادث الطريف لا يستطيع أن يتخطاه مؤرخ محقق؛ لأنه يرسم وجهًا جديدًا، ويرسل نفثات جديدة، ويشع إشعاعًا من نفسية نسائية لم تكن قبلُ موجودة في الحياة العامة.

هذا ما جاءت به الباحثة بفطرتها دون بحث أو تعمُّد، إنها فتحت سبيلًا ما ولجته بعدها كاتبةٌ بالعربية تبحث عن سبيلها المتفقة وشخصيتها إلا وقرأت عنده اسم باحثة البادية بأحرف من نور، بل بأحرف من نور ولهيب.

أما ثروة الباحثة الأدبية الخاصة وأسرار عواطفها، فمما يؤسَف له حقًّا أنْ ليس بين أيدينا جميع آثارها نتلمسها فيها؛ كثير من نثرها لم يُنشَر، وكل شعرها مبعثَر، فما أشبه آثارها بآثار إسماعيل صبري وحافظ إبراهيم! بل ما أشبهها بآثار والدها حفني بك ناصف الكبير المقام، الذي يباهي كثيرون من رجالات مصر بأنهم تلاميذه، كما يباهي نفر من كبار الشعراء والأدباء بأنهم أصدقاؤه المعجبون به. ولا أعرف من شعرها إلا ردها على قصيدة شوقي لها، وأبياتًا متناثرة لا أتعرف فيها صميم طبيعتها، بَيْدَ أني أورد في هذا المعنى فقرة من رسالة ردَّتْ بها على رسالتي إليها بعد اطلاعي على مجموعة «النسائيات»، وقد نشرت رسالتها يومئذٍ في جريدة «المحروسة»، ومن هذه الفقرة تتبينون جمال إنشائها وزفرة من توجُّعها؛ قالت تصف الماء وتشبِّهه بنفسها:

يصبونه فينصب، ويريقونه فيختفي في الأرض، ويضعونه في كل آنية معوجة وملونة فيأخذ كل شكل ويصطبغ بما يراد به من الألوان، تبخِّره الطبيعة زارية هازئة، فتارة ترفعه إلى السحاب، وطورًا تقذف به إلى الأرض، وآونة تعاكسه بصقيعها فيتحول بردًا، وآونة تحمي عليه براكينها فيخرج ملتهبًا، وحينا تخبث رائحته بكبريتها وزرنيخها، فيلعنه الناس إذا أحسوا منه غير ما يريدون وهو بريء. ثم أليس هو رمز الطاعة والامتثال، يضعون فيه سكرًا فيحلو، ويذيبون به الحنظل فيمر؟ وهم مع ذلك لا يقيمون له وزنًا، ولا يعترفون له بجميل، وهو بلا ثمن في أكثر بقاع الأرض، وأرخص الأشياء في أقلها، إنه مثلي، يا مي، يذهب ضياعًا!

كلا! لم تذهبي ضياعًا، يا روح العزيزة، أنتِ التي رفعت مكانة المرأة موقِّعة بسوطها ألحان الشجن! لم تذهبي ضياعًا أنتِ التي غرستِ بيدك غرسة الخير وغذَّيتها بأزكى دماء قلبك! حلال للإنسان أن يطمع في جني ما زرعت يداه، ولكننا جميعًا أدوات بيد الحياة، والموهوب من الناس خُلِق للتضحية كلها.

شخصيتك التي كانت محصورة فيك اتسعت وتوزعت على آلك وقومك رجالًا ونساء، فهي عند الآباء والأمهات رغبةٌ في تثقيف البنات وجعلهن صالحات لخدمة الأسرة والمجتمع، وهي عند الطالبات اجتهادٌ وشوقٌ إلى التحصيل والنجاح، وهي عند كل امرأة ذكية يقظة في سعي ودأب وعمل. امتزجت شخصيتك بشخصية مصر الرحيبة مرهفة فيها الشمم وحب النهوض، وامتزجت شخصيتك بشخصية الشرق الذي يحن إلى ذكراك، ينافس مصر في إكبارك والمفاخرة بك، فأرهفت فيها الشمم وحب النهوض!

سلامًا، يا مَن ضمَّك الثرى في مثل هذا المساء، لقد حملتِ مشعل النور في حياتكِ، وها هو ذا المشعل بعد مماتك يشعُّ بذكراك أطهر تألقًا وأروع سناء!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.