قل ما شئت في خصوم الوزارة القائمة، هؤلاء الذين يلومونها فيُسرفون في لومها، يُصيبون قليلًا، ويُخطئون قليلًا في هذا اللوم، ويتجنَّوْنَ عليها دائمًا، لا يرضون عن شيء تأتيه ولا يطمئنون إلى مذهب تذهب إليه. قُل ما شِئْتَ عن هؤلاء الخصوم، وصِفْهم بما أَحْبَبْتَ مِنَ المَهَارَةِ في الخُصُومة والبراعة في النقد، والقدرة على الإحراج، فلن تستطيع أن تُنكر أنَّ هؤلاء الخصوم محرجون الآن، محرجون إلى أقصى غايات الحرج، لا يجدون مخرجًا من هذا الضيق الذي دفعوا إليه، والذي أحرجهم، وأفحمهم، وأقام الحجة عليهم، وصرف عنهم قلوب الناس، وحرمهم لذة التأثير في القراء.

هو وزير التقاليد؛ فقد أقام وزير التقاليد أدلة لا ينكرها حتى الذين يصطنعون المُكابرة، ويتخذونها لهم حرفة ومهنة، على أنه معنيٌّ بالطلاب، رَفِيقٌ بهم، حريص على مَنَافِعِهِمْ، مبتغٍ لتحقيق مصالحهم كأحسن ما تكون العناية وكأحسن ما يكون الحرص وكأحسن ما يرفق وزير بالطلاب.

وإذا وجد في وزارة كالوزارة القائمة وزير كوزير التقاليد، كان خليقًا أن يرد عنها كلَّ كيد، ويحميها من كل نقد، ويمحو بحسناته ما يُمكِنُ أَنْ يَصْدُر عنها من السيئات، ولعل أظهر شكل من أشكال هذه العناية التي لا تصدر إلا عن الآباء البررة بالقِيَاسِ إلى الأبناء الأوفياء، عناية وزير التقاليد بطلاب الجامعة؛ فهو القيم على أخلاقهم، وهو القيِّم على تعليمهم، وهو القيم على سيرتهم حين يختلفون إلى الدروس في أوقات العمل، وعلى سيرتهم حين يختلفون إلى أنديتهم في أوقات الراحة والفراغ، وكما أنه يدبِّر العلم لهم تدبيرًا، ويُيَسِّر الدرس لهم تيسيرًا، ويهيئ لهم من ذلك ما يبتغون وما لا يبتغون.

فهو يدبِّر لهم الراحة، وينظِّم لهم الفراغ، ويشرف على ما يحبون أن يكون بينهم من حديث، وعلى ما يريدون أن يتخذوا من ألوان اللعب إذا احتاجت نفوسهم وأجسامهم إلى اللعب، هو يتسلَّمهم من أهلهم إذا أقبلوا إلى القَاهِرَة، فإذا تسلمهم لم يفلتوا من يده لا عاملين، ولا عاطلين، لا أيقاظًا ولا نيامًا، فإذا كُنتَ تَظُنُّ بعد هذا أنَّ الوزير مُقَصِّرٌ في العناية بالطلاب، مُتَهَاوِنٌ في وقف جهوده في الليل والنهار على جِدِّهم ولَعِبِهم؛ فأنتَ رَجُلٌ لا تقنع بشيء ولا ترضى عن شيء.

زعموا أن لطلاب الجامعة اتحادًا، وأنَّ الفكرة التي أنشأت هذا الاتحاد كانت فكرة جامعية خالصة يُراد بها إلى تعويد الطلاب المصريين أن يُعْنَوْا بأنفسهم، وأن يعتمدوا على أنفسهم، وأن ينظموا أمورهم الجامعية تنظيمًا يصدر عنهم ويرشدهم فيه أساتذتهم إرشادًا صحيحًا يسيرًا، وأن توجد بينهم وبين أساتذتهم صلات تقوم على الحب، لا على القهر والسلطان، ولتوجد الجامعة في نفوسهم كما ينبغي أن تكون.

وزعموا أن هذا الاتحاد قد وُجِدَ بالفعل، واختلفت عليه الظروف، فشهد حياة كانت فيها الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ مَبْسُوطَةَ الظل، سمحة الوجه هينة لينة، وشهدوا ظروفًا قيدت فيها الديمقراطية تقييدًا، عاش اتحادهم في ظِلِّ حكومة الائتلاف، وعاش في ظل الحكومة التي وقفت الدستور، ثم عاش في ظل حكومة الوفد، ثم عاش حتى في ظل حكومة صدقي باشا.

وكان لهذا الاتحاد نادٍ أَقَامَهُ الطلاب في القاهرة، وهمت إدارة الجامعة أن تصرفهم عنه غير مرة، وأن تنقله إلى مكان قريب من كليات الجامعة في الجيزة فأبى الطلاب، وألحت الجامعة، وألح الطلاب في الإباء، ونفذت كلمة الطلاب؛ لأنَّ الجامعة لم تكن تُريد في تلك الأوقات أن تقف من الطلاب موقف المرشد الناصح، الذي يعتمد على الإقناع لا على القهر والبطش، وظل نادي الطلاب في القاهرة حيثُ أَرَادَ الطُّلاب أن يكون، وظل الطلاب والأساتذة يختلفون إليه. والغريبُ أَنَّ رَئيس الاتحاد هو وكيل الجامعة، ولكنَّ رياسة الوكيل للاتحاد لم تمنحه من السُّلطان ما ليس لغيره من الأعضاء، سواءٌ أكانوا طلابًا أم كانوا أساتذة، ولكن وزير التقاليد أشفق في هذه الأيام على الطُّلاب من أنفسهم، ورحمهم من عواطفهم، وخاف عليهم جو القاهرة؛ فاعتزم أن ينقل ناديهم.

ووزير التقاليد إذا اعتزم لم يحفل بالإقناع، ولم يعتمد على المناقشة الحُرَّة والحوار الذي تتحقق فيه المساواة بين المتحاورين؛ ذلك لأنه وزير ولا ينبغي للوزراء أن يحاوروا، أو يُجَادلُوا، وإنما ينبغي للوزراء أن يأمروا، ويجب على الناس أن ينفذوا ما يأمر به الوزراء.

لم يحاور الوزير إذن، ولم يُجَادِل، وإنما رَأَى، ثُمَّ أَصْدَر الأمر، والوزير معصوم إذا رأى لم يخطئ، وإذا أمر لم يتجاوز الصواب، فالذين يحاورون الوزير أو يجادلونه أو يترددون في تنفيذ أمره، بين اثنين؛ فهم إما جهال لم يعرفوا أنَّ الوزارة تكسب لصاحبها العصمة، وإما مُعَانِدُون لا يؤمنون للعصمة بأنها فوق المُنَاقَشَةِ والجِدَال.

وكانَ طُلَّابُ الجَامِعَةِ مُعاندين، فهم أبوا في هذه المرة كما أبوا في تلك أن ينقلوا ناديهم من القاهرة، وهم أخذوا يحاورون ويجادلون في رأي الوزير وأمره؛ إِمَّا لأنهم يجهلون عصمة الوزير، وإِمَّا لِأَنَّهُم يتمرَّدون على حقوق هذه العصمة.

وكان وكيل الجامعة فيما يظهر كالطلاب، فَهَمَّ أن يُحاور وَهَمَّ أن يناقش، ولم يتردد في أن يؤكد للطلاب أن لن يمس اتحادهم شيء إلا بعد مُوافقتهم، وأن لن يمس ناديهم شيء إلا بعد مُوافقتهم أيضًا، ولكنك تَعْلَم أنَّ هُنَاكَ فروقًا بين الطُّلاب والأساتذة هي التي تجعل أولئك طلابًا وهؤلاء أساتذة؛ فإذا كان الطلاب يجهلون أنَّ الوزير معصوم أو يُعاندون في حقوق هذه العصمة، فإنَّ الأساتذة يعلمون أنه معصوم، ولا يُمَانِعُون في الإذعان لهذه العصمة؛ لذلك حاور الطلاب ولم يحاور الأساتذة، ولذلك امتنع الطلاب وأذعن الأساتذة. والظريف أنَّ وكيل الجامعة كان طالبًا مع الطلاب، فحاور وامتنع، وكان أستاذًا مع الأساتذة فأذعن وأطاع، وأظرف من هذا أنَّ وزارة المَعَارِف نَفسها لم تُرِدْ أن تتخذ لنفسها موقفًا من هذه القصة بين الوزير والطلاب؛ فتخففت منها، وألقت ثقلها على الجامعيين؛ لأنَّ الجامعة مُسْتَقِلَّة، فإذا لم يكن بُدٌّ مِنْ أَنْ تغلَّ، فلتصنع لنفسها الأغلال، ولتضعها بنفسها في الأيدي والأرجل والأعناق.

وقد قيل إن الذين طلب إليهم أن يُهيئوا ما أراد الوزيرُ مِنْ إِعَادة تنظيم الاتحاد، وَنقْلِ النَّادي وما يتصل بذلك اعتذروا وامتنعوا، فعهد الوزير بذلك إلى الجامعة، وأسرعت كلية الحقوق إلى ما أراد الوزير، فأعدت مَشْرُوعًا للنظام الجديد، وأرسلته إلى الوزير منذ أسابيع، وقالت الصحف إن الوزير فرغ لدرسه أمس.

والوزير رجل ديمقراطي لا يدرس مثل هذه الأشياء وحده، ولا يستبدُّ بها من دون الجامعيين، وإنما يدرسها معهم، ويشاركهم في إعدادها وتهيئتها، ولهذا جمع إليه العمداء أو بعض العمداء، ودرس معهم أمس مشروع الاتحاد الجديد.

وقُل ما شئت فَلَنْ تَسْتَطِيعَ أَنْ تُنْكِرَ دِيمقراطية الوزير لا بالقياس إلى الأساتذة الذين يشركهم معه في الدروس والبحث، بل بالقياس إلى الطلاب أيضًا؛ فهو كما قُلنا لا يفكر إلا في راحتهم وتيسير أمورهم، والعناية بهم، وهو بنوع خاص لا يُريد كما قال وكيل الجامعة للطلاب أنْ يَتَّخِذَ قراره من دون أن يستشيرهم، ويحفل بآرائهم في مُقْتَرَح ليس غير، وهو يهيئ المشروع ليعرضه على الجمعية العمومية للاتحاد.

فأين رأيت وزيرًا يقف من الطلاب موقف المُقترح، وأين رأيت وزيرًا يهيئ مَشْرُوعًا ويقره، ثم يعرضه على الطلاب ليروا رأيهم فيه، وقد يقبلونه جملة وقد يرفضونه جملة، وقد يقبلون منه شيئًا، ويرفضون منه أشياء، ولا تسألني بعد ذلك عن موقف الوزير إن امتنع الطلبة عليه؛ فهو وزير، ومعنى ذلك أنه لا يحفل بامتناع الطلبة، وأنَّه قد يتفضَّل عليهم بالاستشارة، فإن وافقوه فذلك وإن خالفوه أخذهم بتنفيذ أمره أخذًا، ومن يدري فقد يكون وكيل الجامعة تسرَّع في وعد الطلاب باستشارتهم في تغيير نظام الاتحاد، وقد يكون الوزير مصممًا على أن يغير هذا النظام وخلاص كما تعود أن يفعل، وكما تعود أن يقول، والواضح الجلي من هذا كله هو أنَّ الفِكْرَةَ الجَامِعِيَّة التي أنشئ من أجلها الاتحاد قد ذهبت مع الرِّيح، وقامت مقامها فكرة أخرى هي تنظيم الطلاب تنظيمًا عسكريًّا بأمر الوزير لا بأمرهم هم ولا بأمر الجامعة.

وقد تسأل عن مكان هذا من الديمقراطية وعن تأثير هذا في حرية الطلاب، وتكوين شخصياتهم وتعويدهم ما ينبغي لهم من الرُّجولة، واحتمال العقبات والنهوض بأعباء الحياة وأثقالها، ومن حقك أن تسأل هذا السؤال، ولكن من حقك أن تفهم معنى الديمقراطية والحرية واحتمال التبعات، وتكوين الشخصيات وتعويد الطلاب أن يكونوا رِجَالًا، فَكُلُّ هذه مَعَانٍ يختلف الناسُ في فهمها، وأصح معانيها وأَدْنَاهَا إلى الصواب أنها ما يريده الوزير ليس غير؛ فإذا قال الوزير إن هذه ديمقراطية فهو مصيب؛ لأنه معصوم.

وإذا قال الوزير إن في تنظيم الطلاب تنظيمًا عسكريًّا وأخذهم بما يريدون وما لا يريدون ووضعهم حيث يريدون وحيث لا يريدون، تكوينًا لشخصياتهم، وتعويدًا لهم أن يكونوا رجالًا وأخذًا لهم بما يُؤخذ به الرجال من الاعتماد على أنفسهم واحتمال التبعات لما يقولون وما يعملون؛ فالقول ما قالت حزام؛ لأنَّ حزام هذه مَعْصُومَةٌ، لا يُمْكِنُ أَنْ تُخْطِئ ولا ينبغي لها إلا أن تُصيب.

وكذلك سينظر طلاب الجامعة غدًا؛ فإذا اتحادهم قد قلب رأسًا على عقب، وإذا ناديهم قد نُقل من القاهرة إلى الجيزة، وإذا أمورهم كلها يقضى فيها وهم غائبون؛ فإنْ أَذْعَنُوا فذاك وإن لم يذعنوا فالفصل من غير تأديب، ولا محاكمة، وإن فرض القانون أن لا يفصل الطلاب إلا بعد التأديب والمُحاكمة، ولن تقوم على الوزير حجة؛ لأنَّ أساتذة الجامعة قبلوا رأيه وأعدوا له القانون وأعانوه على تهيئته وسيعينونه على تنفيذه.

أرأيت عناية تُشبه هذه العناية بحياة الطلاب ومنافعهم في أوقات العمل، وفي أوقات الفراغ؟ ألست توافقني على أنه يكفي أن يوجد في الوزارة القائمة وزير كوزير التقاليد لتمحو حسناته كل ما يمكن أن يصدر عنها من السيئات، وليغفر الله لها ما تقدم من ذنبها وما تأخر؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.