الكون كله في ألوف الألوان من الصور والأشكال مليء من الروح المتجلي في كائنات وأحداث مرئية وغير مرئية، محسوسة وغير محسوسة في مختلف مراتب الوجود.

– هل من عجب أن نقول: «إن الإنسان كائن روحي»؟

مم يتكون جسد الإنسان؟ لقد حللوه؛ فوجدوا فيه تآلف التراب والماء مع عناصر كيمياوية أخرى، فقام أحد العلماء يركب هذه العناصر بالمقادير الموجودة في الجسد؛ فصور منها إنسانًا ذا أجهزة عظيمة وعضلية وعصبية، مكتمل الأجهزة الداخلية في الدماغ وفي الصدر وفي الأحشاء، ثم قال لهذا الجسد: «كن إنسانًا، فكر، تحرك، تكلم، اسمع!» فلم يكن الجسد إلا تمثالًا، كان صورة متقنة من صنع المخلوق، ولكن على افتقار إلى ما لا يجود به إلا الخالق العظيم.

وراءنا — نحن أهل الشرق — وراثة، ولا كالوراثات، كل أمة من الأمم يجدُّ جدها، وتأتي بخيرها، ملقية بغنائمها الفكرية والعلمية في حضارة العمران. في كل ناحية من أنحاء الخليقة، وفي كل شأن من الشئون أبحاث ودراسات واستنتاجات هتكت أستار الماضي إلى ما سبق التاريخ، وعالجت ممكنات الحاضر فيما يُرى وما لا يُرى، وهيَّأَت للمستقبل كشف المخبآت وإعلان الممكنات؛ لم تفلت من مجهر العلم ذرة من ذرات التراب، ولا قطرة من قطرات الماء، ولا شعاع من الأشعة الغائرة في سحيق الأفلاك، ولا خلية من خلايا الكيان. للعلوم العقلية والرياضية والطبيعية والميكانيكية والكهربائية والجراحية والنفسية والاجتماعية انتصارات لا تُعد ولا تُحصى، وما اهتدت أمة إلى سر علمي أو صناعي إلا انبرت الأمم الأخرى تبحث طبيعته وتَكْتَنِهُ أغواره، وتستزيد من ممكناته؛ جوق مهيب من الأمم يتشارك في الكشف عن أسرار الطبيعة وتذليل العناصر لخدمة الإنسان، ولنا — نحن معشر الشرقيين — في بعض هذه الجهود ذكر مشكور، على أن أنبياءنا اتصلوا بمصدر الكيان والإبداع، فجاءوا بمعجزة المعجزات يوم أعلنوا وحدة الألوهية ووحدة الروح.

إن المبادئ العلمية ما فتئت يهدم بعضها البعض الآخر جيلًا بعد جيل؛ أما حقيقة الله، وحقيقة الروح على كثرة اللاأدريين والمعطلين، فلم يأتِ أحد بما ينقضها، ويحل محلها ما هو خير منها.

ولَكَم قيل لنا إننا — أهل الشرق — رقدنا على أكاليل الغار؛ فانحططنا من ذروة المجد الأسنى إلى حضيض الخنوع والاستسلام، وجرينا وراء الخزعبلات والأوهام، ضاربين صفحًا عن قيم الحياة الجلى في السعي والبسالة والإقدام، ونحن في الواقع نستحق من تلك التُّهم شيئًا غير يسير، وإن كنا لا نحمل مسئولية ما صرنا إليه إذ كنا في طور الجمود، غير أننا مسئولون عما نحن فيه الآن؛ وأُعلن هنا غير آسفة أن مجموعنا — مع الاستثناء الجميل — فقد كثيرًا من قوة الروح، وإنه إلى الاتصال بالروح أحوج ما يكون.

نعلم أننا مكونون من روح وجسد، ويؤكد الذين ينعتون نفوسهم بالعمليين أن للجسد شئونه الزمنية التي يتحتم علينا الاعتناء بها، وأن للروح شئونها الخيالية التي يجدر بنا الإقلاع عنها؛ الحياة الروحية — على قولهم — تصلح لبحث نفر من أهل الوهم أو أهل المُثُل العُلْيا، شعراء كانوا أم فلاسفة، علماء لاهوت أم صوفيين، أولئك الذين لا يحبون الحياة المحسوسة التي يحياها الجميع، أما الإنسان العادي فليس في نظرهم أن يُعنى بتلك الحياة الروحية إلا متى انتظمت له الضروريات المحسوسة في المعيشة والاقتصاد والاجتماع؛ وها هنا منشأ الخطأ.

الإنسان يتغذى ويتحرك ويفكر ويُحس ويسعى. حياة المجتمع من الغريزة والشعور وحياة الدولة من العقل والمنطق، فعلامَ توجد الروح إذا كانت وظيفتها لاغية؟!

إن زمنياتنا وروحياتنا شيء واحد، ولكن عندما نحسب الزمنيات مستقلة عن الروحيات يكون حسباننا ضعفًا وخيبة وضلالًا، وعندما ندرك أن زمنياتنا ترتبط بروحياتنا ارتباطًا وثيقًا فنحن عندئذٍ أهل القوة، وكل القوة فينا … وما هي الروح؟

سؤال خطير، وأشد خطورة منه الجواب عليه؛ عني وعنكم تعريفات الفلسفة والعلم الافتراضي والطب، مع احترامي للدكتور مالك، إذ لا شيء يضعضع الموضوعات أكثر من تعريفها أحيانًا.

من كل العلوم والفلسفات حسبنا إيماننا القديم بالله، ومن آمن بالله أدرك أنه يحوي في كيانه نطفة من الروح الأزلية السرمدية التي لا يعتورها تشويه ولا يداهمها فناء.

نُجيل الطرف والفكر في العالم المحيط بنا عن قُرب وعن بُعد؛ فنجد الروح في كل مكان وفي كل كائن، ليس من شيء يخلو من الروح، وإن تفاوتت كمية الروح في الكائنات.

الروح في امتداد المسافة، في رحبات الأفلاك، في العوالم والشموس المنثورة في الفضاء، في النظام الشامل الذي يُسيِّر كل كوكب وكل سديم ضمن منطقة فلكية لا يتعداها، الروح في حركة الأرض، في شروق الشمس وغروبها، في ألوان الأسحار وألوان الآصال، في الجبل الصامت، في الصخر الأصم، في الشجرة المزهرة، في أغرودة الشحرور، في تدفق النهر، في ترامي البحار، في تقلب الفصول، في تسلسل التاريخ، في دورة الدهور؛ الكون كله في ألوف الألوف من الصور والأشكال مليء من الروح المتجلي في كائنات وأحداث مرئية وغير مرئية، محسوسة وغير محسوسة، في مختلف مراتب الوجود الملموس والمعقول والروحي.

الوطن قوة روحية، ولو لم يكن كذلك ما كونت البقاع الرحيبة وطنًا، ولا اتفقت قلوب الملايين على حب واحد وغرض واحد.

الدولة قوة روحية؛ لأن مجموع وظائفها المتعددة يتلخص في صيانة الحرية والكرامة وتمكين أهل البلاد من التدرج شيئًا فشيئًا في معارج الارتقاء، ولا يصدر الارتقاء إلا عن الاتصال بالروح.

الأسرة قوة روحية، وعندما تنقلب الأسرة زمنية ينتابها التفكك، وتتناهبها الأطماع والأهواء، ويخيم عليها الشقاء.

المدرسة قوة روحية، وما التهذيب والتثقيف والعلوم والمعارف إلا مفتاح تضعه المدرسة في يد الطالب ليفتح به الباب المؤدي إلى مصادره الروحية.

وما هو الدين إن لم يكن قوة روحية؟ وما غاية الإنسان من الصلاة سوى الارتفاع إلى مصادره العليا ليكون عندها أقرب إلى الاتصال بالله؟

بَيْدَ أن الروح أبدع ما تتجلى في الفرد الواحد، والروح في جوهرها حرة طاهرة قوية كاملة، السماء عندها صافية، ولكن الدخان واللهاث المتصاعد من حياة زمنية تتجاهل وجود الروح، تولد بيننا وبينها كثيف الغيوم، وتحجب عنا شمسها المنيرة.

فهل من تبدُّد لتلك الغيوم؟ وما هو الحائل دون الاتصال بالروح فينا؟ أستميحكم الجواب على هذا السؤال بتشبيه إن لم يكن وافيًا من جميع الوجوه، فهو على كلٍّ يقرب الموضوع إلينا قدر المستطاع.

هاكم آلة راديو، ونحن نستمع إلى إذاعة شائقة، ولكن أصواتًا دخيلة طارئة وطفيليات تُحدث جلبة وتشويشًا وصخبًا يطغى على الإذاعة الجوهرية.

عندئذٍ ندرك أن خللًا طرأ على بعض الأدوات أو الأسلاك في الآلة، فيهتدي العامل الماهر إلى موضع ذلك الخلل فيصلحه؛ فإذا بالإذاعة تنتشر صافية رائقة في انسجام وجلال، ماذا حدث لتتم الأعجوبة؟ حدث أن سلك الاتصال بالمصدر كان معطلًا أو ملتويًا، فأصبح الآن مباشرًا محكمًا، كانت أدوات الراديو تشتغل كلٌّ منها لحسابها وعلى هواها حتى بات الراديو خليقًا بالاسم الذي اختير له حديثًا: «الطمطمان» أو «الطرطران»، فأصبحت الأدوات بعد إحكام السلك خاضعة للنظام القاضي بتعاونها جميعًا على إرسال الإذاعة في أسلوب خاص واتساق خاص.

قد يدهشكم أن أذكر الروح إلى جانب مركز الإذاعة، في حين نعلم جميعًا أن الراديو محض أداة ميكانيكية، غير أن الراديو لم تخلقه العلوم الميكانيكية وحدها، بل الروح هو الذي خلقه وسخر له العناصر والميكانيكا، ليس من مكتشف أو مخترع إلا وقد اتصل في عزلته بالقوة الروحية في كيانه، ليس من عمل عظيم، ليس من بطولة، ليس من عبقرية، ليس من مغامرة تروع العالم، ليس من إقدام باهر أسفر عن النجاح إلا وقد نجم عن اتصال الفرد بمصدر الوحي والقوة في كيانه.

أجل، في المجتمعات مغالطات كثيرة، وفي العوالم فوادح جسيمة تفرض نفسها أحيانًا حتى على الذين لا يشتركون في تنفيذها. أجل، الضلال فاشٍ مع المراوغة الثعلبية والجشع والأنانية وحب اللهو والعربدة والتمويه. أجل، القوة المادية العنيفة تُلقي الذعر في العالم، والأزمات المالية والاقتصادية ترهق الجماعات والأفراد، والعباد من جراء التناقض بين القلب والعقل لفي حيرة ووجل واضطراب، ففي مثل هذه الحال خصوصًا على كلٍّ منا أن يرجع إلى مصدر القوة فيه، فيصلح الأسلاك المعطلة ليتصل بروحه اتصالًا مباشرًا، ولو عُنِيَ كلٌّ منا بإحكام ذلك الاتصال لكانت الإنسانية على غير ما هي فيه اليوم.

فيا أهل الشرق الناهض رجالًا ونساءً، شيوخًا وشبابًا، إنكم لا تستطيعون تعديل نظام الكون، غير أنكم تستطيعون أن تكونوا أقوياء أحرارًا ضمن ذلك النظام. إن من الحوادث والوقائع ما لا نملك تبديله دفعة واحدة، ومع ذلك فكلٌّ منا يشعر بقدرة صحيحة في داخله تمكِّنه من تكييف بعض الظروف وجذبها إلى ناحيته لا بالرياء والنفاق والمذلة، بل بإباء واستقامة وبسالة ليُتم في الحياة رسالته؛ ومما يستوقف الانتباه أن الصعوبات التي تصدمنا، والمحن التي تحل بنا، والآلام التي ترعى في نفوسنا، والأوجاع التي تجتاح أيامنا وليالينا —كل ذلك مما يدفع بنا إلى ولوج داخل الكيان لنتصل بالروح مصدر القوة والمناعة فينا.

فتيان «العروة الوثقى»، فتيان سائر الجمعيات والمؤسسات، فتيان هذا المعهد العظيم، فتيان الشرق العربي من أقصاه إلى أقصاه، ألا تشعرون بالشمس تشرق في داخلكم، بالنور يشيع في قلوبكم، بالحمية تهزكم وتطربكم، إذ أنَا أوصل إليكم دعوة الروح وأناديكم إلى الاتصال بقوة الروح فيكم؟ ليست الشخصية الكبيرة هي التي تستسلم لعوامل الضعف والكسل والتراخي، بل كل مقاومة وكل غم وكل حرمان يوقظ تلك الشخصية ويردها إلى داخل نفسها تتصل بمصدر الروح فيها.

أنتم أبناء اليوم، تعدون وراثة الغد ووسط المستقبل، فإذا ابتغيتم تبديل ما يسخطكم من عوامل الوراثة والوسط، فليُصلح كلٌّ منكم نفسه بالاتصال بمصدره الروحي؛ من ذا الذي يفهم مجموعًا بدون أفراد؟ إن كل معالجة للضعف تتناول الفرد أولًا وآخرًا.

فإذا أنتم أردتم حياة مجدية ومدرسة مفيدة، وأسرة عامرة، وحكومة نزيهة ووطنًا عظيمًا، فاجعلوا الفرد منكم بالروح وبقوة الروح غنيًّا قويًّا نزيهًا نبيلًا رشيدًا عظيمًا.

كل ممكنات الدولة والأمة والمجتمع والوطن تقوم في روح الفرد، وخير مُصلح للفرد هو الفرد نفسه؛ الفرد كتلة مغناطيسية تجذب وتلهم وتؤثر وتجتاح، ثقافة فرد واحد تثقف أفرادًا عديدين، نور صغير واحد يضيء بقعة واسعة، قوة فرد واحد تبعث القوة في ألف فرد، بطولة فرد واحد تخلق ألف بطل. هذا وداعي إليكم، وكل عام وأنتم على اتصال بأرواحكم، مصدر القوة والبسالة والعظمة فيكم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.