أصبحت الحياة الفكرية والفنية في القاهرة من الاتساع والإيناع بحيث يجوز أن يَسهُل وصف كل مظهر جديد منها بعبارة «تابع لما سبق» واختتامه بكلمة «يُتلَى».

والفصل الذي نجتازه من أنشط الفصول، فقد انعقدت فيه المؤتمرات الدولية وافتُتِحَت المعارض الآلية والزراعية والصناعية والفنية، ووفود السياح تَتْرَى، وبينها — فضلًا عن رجال السياسة والمكانة والشهرة والثروة — نخبة من أقطاب العلم والأدب والفن والمسرح، والمُنتَظر أن لا تنقضي أعوام حتى تضحَى القاهرة مُلتقًى عالميًّا عظيمًا ليس فقط لسراة المسافرين وناشدي المعلومات الأثرية ومتلمِّسي غرائب الأخبار في بلد قديم وطالبي المنافذ الصالحة لترويج تجارتهم وتصريف مصنوعاتهم، بل لروَّاد الأوساط الفكرية الفنية بما يقدم لها العالم.

على شاطئ النيل — لمختار

جمع من وقود كغناها بلهيبها الخاص المتوهج في نور القرن العشرين آتيًا من قلب العصور السحيقة، عاودني هذا الخاطر إذ أمَّمت معرض الخيال، فالمكان المفرد لذلك المعرض صغير، والعارضون فيه ثمانية ليس غير، والمعروضات غير عديدة لا يُشتَّت بينها الفكر ولا تتعذر فيها الإحاطة، بل هناك شخصيات إن اختلفت كلٌّ منها عن الأخرى في ما تميل إليه وتتخيره وتتداوله من الألوان والخطوط والأوصاف والأغراض، فكلٌّ منها قيمة في ذاتها، خالفة في عزلتها، وقفت على خصائصها الطبيعية فتفرغت لأداء بيانها بحرية وتنوع، وهي تتعاون جميعًا على تكوين نواة طافحة بغضاضة الحياة بشيرة بالنمو والترعرع في غد قريب، وكلٌّ منها تقدم من موهبتها الشخصية وخبراتها ووراثتها العالمية وذكرياتها وقدًا وذكوة للَّهيب الذي أشعلته العبقرية في أرض مصر قبل أن صارت الأعوام أحقابًا.

عند كلٍّ من هؤلاء العارضين تجد مزيجًا من التأثر بالروح المصري واستخدام العوامل الخارجية بدرجات ومقادير متفاوتة، غير أن الروح المصري أظهر ما يكون في تماثيل «مختار» ولوحات «سعيد».

«مختار» هو مَثَّال الفلاحة المصرية الذي يخلق لها الوقفات الشريفة والأوضاع الأنيقة والملامح المهيبة بكياسة في بساطة الإشارة ورشاقة في بضاضة الأعضاء، ثم ينفخها بوديعة من سر الهياكل المكنون فتنُمُّ سيماؤها عن تقدير لما أودعته وحرص في صيانته، وهو بعدُ لا يفوته شيء من معاني اللطافة النسائية، فبعث في تمثال «الفتاة التي تستريح» المصنوع من حجر البركان الأسود آيةً من الحلاوة والنعومة والدلال البريء، وبين معروضاته الأخرى تمثال لفتاة تهمُّ أن تستقي ماء النيل، وهذا مع تمثال «حاملة الماء» رمزان حافلان بالمعاني وإن هما لم يقدما إلا ما يقع تحت الحس، وحبذا تكبير كلٍّ من هذين التمثالين لا سيما «حاملة الماء» التي في روعة إشارتها واستواء قامتها تذكر بأختها موقظة أبي الهول في «نهضة مصر»، غير أن «حاملة الماء» تؤدي معنى أصدق إحكامًا وأشمل خلودًا في مصريتها البسيطة البديعة وفي ما يوحيه وجهها من أنها تحمل في جرَّتها ليس ماء الجسوم فحسب، بل رواء الحياة وكوثر الأسرار، وكم هي تبدو جميلة ولو قامت أثرًا عظيمًا في أحد ميادين العاصمة.

أما شخصية «سعيد» فيما أوتيت من القوة والتضلع والجاذبية تطفو على كل ما تنتج، ولو أنت درست لوحتين اثنتين من هذا الفن الجدي الرصين لاستطعت أن تهتدي إلى سائر معروضاته قبل أن تتبين التوقيع، هو فني المواقف العابسة، وله حذق تامٌّ في تنظيم مشاهده وكلها مهم خطير الرؤى، وهو كذلك مصري كل المصرية في إدراك عادات قومه وفي الإفصاح عنها، ففي لوحتيه «المقابر» «دفن الميت» حديث يروي عن الماضي الغابر دون أن ينتحل مجد الفراعنة وعظمة الحضارة، بل ليقتصر على عامة الشعب الذي هو مصدر الجمال وينبوع الإلهام وأطياف النساء بديعة الانسجام في وقفتها وانحنائها ووضوح تكوينها تحت الحبرة السوداء، و(نفسية) النواح والفراق شائعة في تلك اللوحات وفي تحليق الأطيار القائمة فوق المقابر حتى أحلام الزنجيات جدية في فن سعيد يصعب تعريفها وعيونهن ملأى بالألغاز التي ليس لك أن تحلها.

والتوافق تام بين موضوعات فنه وبين ألوانها، فهو شغوف باللون البني ينوِّعه بحذق، فمرة يجلوه حتى لتكاد تتبين فيه سحبًا ذهبية، وتارة يقتمه حتى الدجنة، وهو في كل ذلك لا يكذب الطبيعة والواقع، كل فنه حافل بتدرح الألوان البُنِّيَّة مجملة مصقولة ويحاذيها دائمًا زرقة كهربائية غامقة هي مجلى الفرح والرجاء، لا يخلو من الكآبة (ذلك النوع من الكآبة) المستحثة إلى الإقدام لا إلى التراخي كالجو الذي لا بد أن تكون ألفته لنفس سعيد في الأحلام في نفس الفني، ومما لا يجوز إغفاله أن ريشة سعيد في معروضاته هذه السنة أَثْبَتُ في يده منها في الأعوام الماضية، وفنه يتبع خصائصه وينمو في جلال واستقلال.

وإذا شئت اختلافًا عنه فعليك بلوحات «بربانس» فهي لطيفة رضية بهيجة في غير ضجيج، يسجل في الأطر جدران المنازل ولمعان النوافذ ومشاهد المقطم والمحمودية والقبور والطواحين والأحياء القديمة فيعكس عليها لمحات الجمال الغابر في تتابع الساعات وتقلب الأنوار والألوان، فهو يحب تلك المناظر البسيطة البليغة بتاريخها الصامت وميزاتها (البلدية) في الهندسة والشكل، وكلها سيكتسحها لا محالة تيار التطور يومًا بعد يوم، يميل إلى الباهت من الألوان ميل سعيد إلى القاتم وكأنما هو يستخدمها من مادة أرق من المادة المألوفة وأصفى، فإذا به يباغتك بمس من ريشته وبخط واحد نحيف مستمد من ألوان قاتمة يحدث تغييرًا في ألوانه الرائقة الشفافة وانقلابًا في أغراض المشهد، و«بوجلان» لا يبعد عنه كثيرًا، ولكنه عاشق الألوان الزاهية المشرقة، فأخضره لا يزلج إلى الزرقة ولا أحمره يجيء ورديًّا، يأخذك أحيانًا ببساطة إذ يعرض أمامك مشهدًا تامًّا في ما لا يزيد عن خطوط ستة يسبغ على ما يتخلل مقاطعها ثلاثة ألوان أو أربعة تعلن نفسها عن بعد وتناديك إليها، في فن بوجلان بهجة الشباب، وهو ألصق العارضين بالطراز الفني الحديث، وهو بعد لا يروقه الالتباس بل يمعن في الإيضاح سواء في المشاهد الطبيعية، وفي رأس (التلميذ) الذي أفرغ في حدقتيه شيئًا من الحيرة حيال الحياة رغم أن هندامه ضرب من (البيجاما) على آخر زي ومن أجدِّ الأقمشة، وقد يتلاقى مرة «بوجلان» و«بريفال» من حيث التلوين فتكاد تتردد بينهما لا سيما عندما تبدو آثار بوجلان في أدنى حالاتها بيانًا وإشراقًا، ولكنهما لا يتجاذبان حتى يتباعدا ليجري كلٌّ منهما وراء شخصيته الخاصة، وفن «بريفال» غني منوع يمضي من الظرف إلى الحزن، ومن مشاهد الطبيعة إلى تناسق الأجساد، ومن نسج النقوش الخيالية إلى استيحاء الأسطورة والتاريخ إلى استجواب زوايا المساجد واستطلاع حوادث الحي، في خياله اتساع لشتى المجالي والمدركات المتفاوتة المتباينة يترجمها عنا جميعًا بسهولة وأستاذية.

وهذا أيضًا من عشاق المرأة الخالدة بصرف النظر عن مكانتها وجنسيتها يزاول تكوين أعضائها مستلقية على هواها فلا تدري أنائمة هي أم سابحة، وتعجب بلون الجسد في شفوفه العنبري وفي سمرته المشوبة على السواء، وقد عالج حكاية سالومي في لوحتين اثنتين كلٌّ منهما تنافس الأخرى في الجمال.

أما «شاروبيم» فعدد لوحاته قليل ولكنَّ كلًّا منها تصوِّر جانبًا من شخصيته وذوقه وروحه المصري وشعوره الصميم بحياة العامة، من ذا الذي لم يعجب «بدكان الحلواني» «ورأس الشيخ»؟! فكلاهما يفصح عن الواقع الراهن وينبئ بخيال يقظ في الملاحظة والأداء، وبقدر ما تبرز شخصيته في هاتين اللوحتين تراها تلطف في لوحته الشائقة «المساء في الروضة»، وفي معالجته لجنس الحيوان «أخينا الأصغر» الذي يحبه ويفهم نفسيته المغلقة وخصائصه الحَرِيَّة بالاهتمام، وهكذا نصل إلى «بيازي» الذي تعددت معروضاته في غرفة أُفرِدت لها، وهو كذلك منوع الفن غَنِيُّهُ، بارع في صناعة التلوين والإنارة، ذو ولع بحمرة «اللهيب» فيدخله في كثير من لوحاته متأججًا مشتعلًا متخففًا يلوح لوحًا، ومن أجمل معروضاته «رأس الزنجي» ذو القوة والجلاء في البيان وفي التعبير في الشفاه والعينين، «بيازي» فني العيون يحسن تصوير المشاعر والانفعالات في الأحداق، وسواء في صوره الإسبانية أو في المشاهد غير المصرية وفي جماعة الخيل وجمهرة المنازل والكاتب العمومي والمصلوب ومواكب الفرح، في جميع آثاره تقع منه على شخصية شرقية جزلة وفن كثير الفروع مشبع البيان، أما الصور الفوتوغرافية فنسخ واهية لآثار «لاشاك» بك، فإذا شئت أن تعرف هذا الفن الجميل فعليك ببناية بنك مصر التي أنشأت الأفاريز المذهبة الفاخرة تضحك في أعاليها فتنشر من حسنها على تلك النقطة من الشارع، وعليك بقصر «عدلي باشا» القائم في فخامته على شاطئ النيل في قصر الدوبارة.

إنما بالفن والثقافة تعرف الأمم نفسها إذ تهتدي إلى مواهبها ونزعاتها وتجرِّب مقدرتها في استغلال هذه النزعات واستثمار تلك المواهب وتخرج من كل ذلك صورة لا تخجل بها أمام الشعوب وأمام التاريخ، فتكون لها حجة عند غيرها ومرآة تنظر فيها إلى نفسها؛ فتتمكن من إصلاح مواقع النقص وتعديل الآراء وصقل الذاتية، ولا ينجم كل ذلك إلا عن الفن المحكم الرزين ذي الخيال العالي والغايات الشريفة وعن الثقافة الفكرية والنفسية العالية.

ويمكن القول بأن الفن المصري الحديث ليوضع الآن حجر الزاوية منه، ومما يحمل على الاغتباط والرجاء أن هذا الفن الفتي لا «يقلد» الفن المصري القديم ولا «ينسخ» الفن العربي الإسلامي، إذ إن نسخ الأقدمين ضربٌ من الجمود وعجز عن الإبداع، ولا تُثبِتُ الأجيال كفاءتها للحياة إلا إذا عرفت أن تستأنف الإبداع من حيث وقف سيرُه برحيل أهله!

نسجل لفنيِّي اليوم هذا الفضل في نزعة التجديد وفي سيرهم إلى استقلالٍ فنيٍّ يهتدون إليه بالممارسة والخبرة سيما أن مواد هذا الفن الغضِّ كثيرة بين أيديهم مفعمة بالحياة التي لم تُستغَل بعد، ويزيد في التفاؤل ما نراه من تعاون المصريين والأجانب على تكوين هذا الفن الواحد، لأن هذا التعاون وجد في مطلع كل ابتكار عند جميع الشعوب، وهو دليل على أن ليس للفن من وطن وأن خُدَّامه وكُهَّانه أبناء جميع البلدان.

وللأرض المصرية فاعلية عجيبة في نعومتها وسهولتها، تمر بها الشعوب وتتلاطم العوامل فتنتفع بما يلائم منها، ثم تُمصِّرها وتحولها إليها فتصير بعض أجزائها!

ذلك شأنها في الفن وفي غير الفن، كذلك كانت في الماضي، وكذلك هي اليوم ولن يُغيِّر الغد من طبيعتها الأبدية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.