لو قيل للمصريين إنَّ حكومتهم ستقتر عليهم في أسباب المواصلات المُختلفة، فتريحهم بالقوة الصريحة، أو بالحيلة المُلتوية — من الطَّائرات، أو من السفن، أو من القطر، أو من السيارات، أو من الترام، أو من البرق، أو التليفون، أو البريد — لو قيل للمصريين إنَّ حكومتهم ستقتر عليهم في هذه الأسباب الكثيرة المُختلفة التي يتخذونها وسائل ليلتقوا ويفترقوا، وليتصلوا وينفصلوا؛ لضاقوا بذلك أشدَّ الضِّيق، ولسخطوا على حكومتهم أشدَّ السخط، ولما استقر لهم قرار حتى يردوا حكومتهم إلى العقل والرشد والصواب؛ ذلك لأنَّ المصريين كغيرهم من النَّاس يُؤمنون بالحضارة الحديثة، ويُؤمنون بالنَّاحية المادية من هذه الحضارة الحديثة خاصة أشدَّ الإيمان وأقواه، ويُريدون أن يأخذوا من أسباب هذه الحضارة الحديثة المادية ما يستطيعون أن يأخذوا به في غير تردد ولا تلكؤ، ولا إبطاء ولا تقصير، واسمع إلى المصريين الذين يختلفون إلى أوربا وأمريكا في الطائرات كيف يحمدون ما تكفل لهم من السرعة والراحة، وتحقيق المنافع البعيدة في الآماد القصيرة، وكيف يوازنون بين سرعة الطائرات، وبطء السفن والقطارات. ومن الممكن لو فرغ النَّاس للقول والتفكير، وهذا الترف الأدبي الذي لا يكاد يغني عن أصحابه شيئًا؛ أن تنشأ ألوان جديدة من الأدب الحديث، تُوازن بين أسباب المواصلات في الإسراع والإبطاء، وفي الرَّاحة والعناء، وفي العَجل والمهل، كما تخيل الشعب في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن تلك المناظرة الطريفة بين القطار والبرق في ذلك الكُتَيِّب الظريف الذي كنَّا نقرأه أطفالًا، ونستمتع فيه بالمحاورة بين السلك والوابور!

ولكنَّنا في هذه الأيام معجلون عن كل شيء، لا نكاد نستبقي أدبنا القديم، فكيف باستحداث آداب جديدة، حول وسائل المواصلات أو غيرها؟ والمهم هو أنَّنا نحرص أشدَّ الحرص على أن نستبقي وسائل المواصلات هذه كلها، ونسرع إلى ما يمكن أن يستحدث منها، لا يخطر لنا أن نتردد في ذلك، أو أن نحتاط، فأمَّا وسائل المواصلات العقلية بين الأفراد والجماعات، وبين الأمم والشعوب، وبين أقطار الأرض على تباعدها، وبين ألوان الحضارة على تباينها؛ فإننا لا نحفل بها، ولا نقف عندها، ولا نكاد نلتفت إليها، ولا نفكر في الاحتفاظ بما عندنا منها، فضلًا عن أن نُفكِّر في أن نُضيف إليها وسائل جديدة لم يسبق لنا الانتفاع بها، وفضلًا عن أن نلوم حكومتنا أن قصرت في استبقاء ما عندنا من هذه الوسائل!

وهذه الوسائل بالطبع هي اللغات الأجنبية؛ فالطائرات والقطارات والسيارات والسفن تنقل أجسامنا، وتتيح لعقولنا أن تفكر، وتتزيد من المعرفة، واللغات تنقل عقولنا، وتتيح لها أن تتصل بما تنتجه عقول الأمم الأخرى، وتنقل قلوبنا، وتتيح لها أن تتصل بما يثور في قلوب الأمم الأخرى من العواطف والشعور.

ولكننا خلقنا هكذا: نُعنَى بأجسامنا قبل أن نُعنَى بعقولنا، وأكثر مما نعنى بعقولنا، ونهتم لمنافعنا المادية قبل أن نهتم لمنافعنا المعنوية، وأكثر مما نهتم لمنافعنا المعنوية، وآية ذلك أننا نتحضر في المادة قبل أن نتحضر في العقل، وإنَّك تجد كثيرًا من المصريين — بل تجد المصريين كلهم — ينتفعون بوسائل الحضارة المادية، دون أن يسألوا أنفسهم عن هذه الوسائل كيف نشأت، وكيف أُتيحت لهم، يركبون القطار، والطائرة، والسفينة، والسيارة، ولا يعنيهم إلا أن يركبوها! وليس في ذلك شيء من الغرابة، فليس كل إنسان مُكلفًا أن يفهم كل شيء، وليس ينبغي لكل إنسان أن يفهم كل شيء، وإنَّما الغريب ألا يفكر أولو الأمر في أنَّ الطبيعي أن يكون منَّا قوم يتقسمون فيما بينهم العلم بدقائق الحضارة وحقائقها، وفهم هذه الوسائل التي يُتاح لنا الانتفاع بها على كثرتها واختلافها وتنوعها.

وأنا أبسط هذا الحديث الطويل بمناسبة عناية وزارة المعارف بتعليم اللغات الأجنبية في مصر، فقد كان يُظنُّ أنَّ طبيعة الحياة المصرية، وطبيعة الصِّلات التي أنشأتها الحياة الحديثة بيننا وبين أمم الأرض وشعوبها، وطبيعة الرقي الذي دفعنا إليه وظفرنا منه بحظٍّ لا بأس به؛ كل ذلك سيلقي في روع وزارة المعارف أنَّ التَّوسع في تعليم اللغات الأجنبية المُختلفة قد أصبح ضرورة من ضرورات حياتنا الحديثة، وسيلقي في روعها أيضًا أن استئناف النَّظر في برامج التعليم ومناهجه فُرصة يجب أن تنتهز؛ لنجعل التَّوسع في تعليم اللغات حقيقة واقعة، ولكني أنظر فأرى وزارة المعارف لا تلتفت إلى هذا التطور الخطير في حياتنا العقلية إلا لتقلل من عنايتنا بدرس اللغات الأجنبية!

كنت أظن أنَّ حياتنا الحديثة ستحمل وزارة المعارف على أن تتيح لبعض الصبية والشباب من أجيالنا الناشئة تعلُّم بعض اللغات الأجنبية الكبرى، ليكون منَّا الذين يُحسنون الاتصال بالثقافات العالمية على اختلافها مباشرة لا بالوساطة، فيكون بين شبابنا من يترجم عن الألمانية والإيطالية والإسبانية، ولولا أن أحفظ بعض الصدور لذكرت اللغة الروسية أيضًا، ففي الثقافة الروسية أدب وعلم وفن، وليست الثقافة الروسية شيوعية كلها! ولكنَّ وزارة المعارف مع الحزن الشديد لم تُفكِّر في شيء من ذلك، وإنَّما استبقت اللغة الإنجليزية كما هي أو زادتها قوة — ولست أجد بذلك بأسًا — وأضعفت اللغة الفرنسية وردتها إلى شيء من الضيق يجعل دراسة الشباب لها إضاعة للوقت لا تنفع ولا تفيد، ولعلها تضر وتبغض إلى التلاميذ الدرس والتحصيل!

***

وليس المهم أن تُعنى الوزارة أو لا تُعنى بهذه اللغة أو تلك، وإنَّما المهم أن تلتفت الوزارة إلى أنَّ اللغات الأجنبية هي وسائل المواصلات العقلية، وإلى أنَّ المواصلات العقلية هي أساس المواصلات المادية، وإلى أنَّ حياتنا الحديثة تفرض علينا أن نُشارك في الثقافة الإنسانية العالمية مُشاركة فعلية مباشرة، كما تفرض علينا أن نفهم أصدقاءنا وخصومنا، وكما تفرض علينا أن ننفع وننتفع، وكما تفرض علينا أن نعتمد على أنفسنا في النفع والانتفاع، وألا نكون عيالًا على غيرنا.

***

وكل ذلك يفرض علينا أن نُتيح للشباب المصريين درس اللغات الأجنبية على كثرتها واختلافها؛ فليس من ذلك بدٌّ إذا أردنا أن نكون أمة راشدة حقًّا، وقد جعلنا العقل المصري حكرًا تقتسمه الثقافة الفرنسية والإنجليزية منذ بدأت نهضتنا الحديثة، وقد آن لنا أن نُحرِّر العقل المصري والقلب المصري من هذا الاحتكار، وسبيل ذلك أن تعدل وزارة المعارف أولًا عما عمدت إليه في إصلاحها الأخير من إهمال اللغة الإضافية، سواء أكانت فرنسية أم إنجليزية، وأن تستأنف النظر في تعليم اللغات فتبيح للشبان والصبية وأسرهم أن يختاروا لغتين أجنبيتين من اللغات العالمية الكبرى، لا يتقيدون بهاتين اللغتين اللتين ألفناهما إلى الآن!

***

وإذا لم تتح لوزارة المعارف أن تُجاري هذا التطور الحديث، فإنَّ البرلمان لم ينشأ عبثًا، وإنَّما أُنشئ ليرد الحكومة إلى القصد إنْ جارت عنه، وليبصرها بمواضع النفع. وإصلاح التعليم معروض على البرلمان أو سيعرض عليه، فلتؤد وزارة المعارف واجبها، وليؤد البرلمان واجبه، وليذكر المثقفون أنَّ للثقافة عليهم حقوقًا ينبغي أن تُراعى.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.