أريد أن أعود إلى ذلك الحديث الذي تحدثت به إلى القراء أول أمس عمَّا يظهر في حياتنا العامة من ضيق النفوس وحَرَجِ الصدور والتبرُّم بأهون الأشياء وأيسر الأمور؛ فقد وقع هذا الحديث في نفوس جماعة من الأصدقاء والخصوم موقعًا دعاهم إلى التعليق عليه، والاشتراك فيه، وكان ما كتبوه دليلًا واضحًا حقًّا على أني لم أخطئ حين ذكرت هذه الظاهرة الطارئة في حياتنا العامة، وحين ذهبت ألتَمِس لهم العلل والأسباب، وأدعو إلى مقاومتها والتخفُّف منها، فقد ظهر ضيق هؤلاء الأصدقاء والخصوم بما يكرهون إلى حَدِّ ما كنت أقدر أنهم ينتهون إليه؛ فمنهم من شكا وأَلَحَّ في الشكوى من الصحف الهازلة، وأكد أن استعداء القانون عليها أمر لا بد منه لصلاح الأخلاق، بل ذهب إلى أبعد من هذا، فذهب إلى أن الذين تهاجمهم هذه الصحف، لا بد لهم من أن يلتمسوا للدفاع عن أنفسهم وسائل أخرى إذا لم تَكُفَّ وسائل القانون لتحقيق هذا الدفاع.

ومعنى ذلك أنهم يحمَدون ما يجِدون من ضيق النفوس وحرج الصدور، أو يلتمسون لأنفسهم ولغيرهم المعاذير من اضطرارهم إليه، بل من اضطرارهم إلى الشر الخالص والانتقام للنفس، إذا لم يوفق القانون إلى حمايتهم من هزل الهازلين، وما أعرف دليلًا أظهر ولا حُجة أنصع على ضيق النفس وحرج الصدر من موقف هذا الذي تدعوه إلى الأناة والحلم، وتذكره بضبط العواطف، وقهر ثورة النفس فلا يزداد إلا حِدَّةً وغلوًّا في الحدة، يدفعه لا إلى النكير بل إلى النذير! ومنهم من اتَّخذ الحديث في هذا الموضوع وسيلة إلى إرضاء طائفة من العواطف والشهوات من الخير ألَّا تُرضى! فأخذ يحمل أغلاط بعض الناس على بعض، ويضيف إساءة المسيئين إلى من لم يسيئوا، ويقيم على ذلك الحُجج، ويلتمس إليه الوسائل، كأنما يريد أن يتخذ هذه الصحف الهازلة وسيلةً إلى مهاجمة الصحف الجادة، وأن يتخذ هؤلاء الكتاب الهازلين طريقًا إلى مهاجمة الأحزاب السياسية التي يقول هؤلاء الكُتَّاب إنهم ينتمون إليها ويدعون لها!

وكذلك لم يتحرَّج صديقي هيكل من أن يذكر الصحف التي تنشر صورًا بالزنكوغراف لرئيس الوفد وسكرتيره، وتدعو في بعض صحفها للوفد، ثم تسلك طرقًا أخرى في موضوعات أخرى غير السياسة، ولم يتحرج هيكل من أن يشير إلى أن الوفد يشجع هذه الصحف، وتشجيعها إثم، وإلى أن الوفد يحتمي بهذه الصحف، والاحتماء بها لا يليق!

وكنت أحب لهيكل أن يكون أوسع نفسًا، وأرحب صدرًا، وأرجح حلمًا، من أن يتورط في هذا كله، أو يذكره تصريحًا أو تلميحًا أو إشارة، فليس في هذا كله خير، وليس في هذا كله حق، وليس في هذا كله فهم صحيح لحقائق الأشياء في الحياة الديمقراطية.

وهيكل يعلم حق العلم أن الذين يحبون الحياة الديمقراطية ويحرصون عليها مخلصين، لا ينبغي أن يستمتعوا بخيرها ويضيقوا بشرها إلى هذا الحد، وإنما ينبغي أن يقبلوها كما هي، وأن يَجِدُّوا ما استطاعوا في إصلاح شرورها وعيوبها، لا بالعنف ولا بالشدة، ولا بضيق النفوس، وحرج الصدور، ولكن بالأناة والحلم، وبضبط النفس وقهر الهوى، وبالدعوة إلى الخير بالحجة والموعظة الحسنة، لا بالاستعداء ولا بالنذير.

والوفد كغيره من الأحزاب الديمقراطية، له صحفه الرسمية التي تصف آراءه، وتصور مذاهبه، وتدعو بلسانه، فهو مسئول عن هذه الصحف، ولكن هناك أشياعًا للوفد كثيرين، يتصلون به، وينتصرون له، ويدعون إليه بالكلام حينًا وبالكتابة في الصحف حينًا آخر، وهؤلاء لا يستشيرون الوفد، ولا يصدرون فيما يكتبون عن وحي من الوفد، ولا يوجههم الوفد في الطرق التي يسلكونها، ومن حق الوفد لنفسه أن يشجعهم حين يدعون إلى مذهبه، وينتصرون لمبدئه، وليس من حَقِّ أحد أن ينكر ذلك على الوفد أو يلومه فيه، وليس حق أحد أن يسأل الوفد عمَّا يتورط فيه هؤلاء الناس من خطأ، أو عمَّا يذهب إليه هؤلاء الناس من غلو وإغراق، وليس الوفد في ذلك بدعًا من الأحزاب السياسية، وليست مصر في ذلك بدعًا من البلاد الديمقراطية، فلكل حزب سياسي قوي أنصارُه وأتباعُه الذين ينصرونه ويغلون في نصره، والذين لا يتحرجون أحيانًا من أن يستغلوا اتصالهم به وانتماءهم إليه. وفي كل بلد يحيا حياة ديمقراطية صحف هازلة تغلو في الهزل، وتسرف في تتبُّع العيوب، وتنتمي مع ذلك إلى الأحزاب السياسية، فلا تُسأل عنها الأحزاب، ولا تؤخذ بجرائرها.

ولعل هيكلًا يذكر أن قد كانت في مصر صحف هازلة تتصل بحزب الأحرار الدستوريين، وتنتصر له، وتدعو إليه، وتلقى منه رضًى وتشجيعًا! ولعل هيكلًا يذكر أن هذه الصحف كانت في ذلك الوقت تهاجم خصوم الأحرار الدستوريين مهاجمات كثيرة الشر، شديدة النُّكر، فيها اعتداء على الأعراض، وفيها انتهاك للحرمات، وفيها اقتراف للآثام! ولعل هيكلًا يذكر أن حزب الأحرار الدستوريين لم يبرأ من هذه الصحف حينئذٍ، ولم يردها عن غيها، ولم يزجرها عن آثامها! ولعل هيكلًا يذكر أن هذه الصحف نفسها تحولت مع الظروف عن حزب الأحرار الدستوريين فأَصْلَتْه ما كانت تُصلِي خصومه من نار!

فماذا كان يقول هيكل لو أن خصوم الأحرار الدستوريين يومئذٍ أخذوهم بإثم هذه الصحف، وحمَّلوهم تبعات ما كانت تنشر، وما كانت تذيع؟ وماذا كان يقول هيكل لو أن هذه الصحف لم تتحوَّل عن الأحرار الدستوريين بل ظلت موالية لهم، داعية إليهم، وظلت مع ذلك مقترفة لما كانت تقترف من إثم، مُغرِقَة فيما كانت تغرق فيه من عدوان؟ ماذا كان يقول هيكل لو أن الذين تشتمهم هذه الصحف وتسبهم، زعموا للأحرار الدستوريين أنهم مسئولون عن شتمها وسَبِّهَا؛ لأنها تدعو لهم في صفحة أو صفحتين، وتنشر صورهم، ثم تمضي بعد ذلك فيما لا يرضاه الأدب، ولا تقبله الأخلاق؟ ماذا كان يقول هيكل؟ كان يقول إنه غير مسئول إلا عمَّا يكتب، وأن حزبه غير مسئول إلا عما تنشر صحيفته الجادَّة الرسمية. وكذلك ينبغي أن تقول الأحزاب كلها، فهي لا تُسأل إلا عمَّا تقوله حقًّا، وتوحي به حقًّا، فأما الذي تقوله الصحف التي تنتمي إليها، وتدعي لها، فهذه الصحف وحدها مسئولة عنه، مأخوذة به.

وما الطريق إلى سؤال هذه الصحف عمَّا تكتب وأخذها بما تذيع؟ هناك طريقان: طريقة الالتجاء إلى السلطان، والاستعداء للقضاء، وهي طريقة لا غبار عليها من ناحية الفقه والقانون، ولعلها لا غبار عليها من ناحية الأخلاق الخالصة، ولكنها تدل على ما سجلناه من ضيق النفوس، وحرج الصدور، والخروج عن الأطوار، وهذه خِصال إن قُبلت من عامة الناس؛ فهي تستغرب من الذين يحيون الحياة السياسية، ويحتملون أثقال الجهاد السياسي. وليس من الحق في شيء أن الجهاد السياسي إنما هو المناقشة البريئة الخالصة للحق، الخالصة لقواعد الأدب والأخلاق فحسب، وإنما الجهاد السياسي هو هذا، وهو أشياء أخرى غير هذا، فيها التعرُّض للأذى، وفيها احتمال الظلم المنكر، والجور الصارخ، والاعتداء على الكرامات، والانتهاك للحرمات، والصبر على هذا كله والإغضاء من هذا كله، والانصراف عن هذا كله، إلى ما يليق بالرجل الكريم، ولو أن الذين يشتغلون بالسياسة ويحتملون أثقال الجهاد فيها، فرغوا لمحاسبة الناس بأنفسهم، أو بطريق القضاء على ما يكتبون عنهم ويقولون فيهم؛ لأنفقوا في ذلك خلاصة جهدهم، وصفوة حياتهم، ولشغلوا به عن الجهاد المنتج الصحيح.

وإن من الغريب حقًّا أن يظن صديقي هيكل أن صدري يضيق لو قالت في الصحف الهازلة بعض ما تقول في غيري من الناس في هذه الأيام. عفا الله عنك أيها الصديق! فما كنت أظن أن النسيان يمس ذاكرتك إلى هذا الحد! ما أعلم أيها الصديق أن أحدًا من المعاصرين عبثت به الصحف الهازلة والجادة، ونالت منه، بمقدار ما عبثت به ونالت مني. وإنك لتذكر — إن لم تكن قد نسيت — أن صحف الجد والهزل قضت أشهرًا وأعوامًا لا حديث لها إلا أنا، تقول فيَّ ما تشاء في غير حسابٍ للنفس، ولا مراقبة للقلم، ولا استحياءٍ من الضمير. وهي لا تذكُرني وحدي، وإنما تذكُر معي من لا ينبغي أن يذكر؟ ولعلك تذكر — إن لم تكن قد نسيت — أنني أعرضتُ عمَّا قالت، وما زلت عنه مُعرِضًا، لم أبد لها صفحة، ولم أهتك لها سترًا، ولم أستعدِ عليها القضاء، ولم أشكُها إلى السلطان، وإن في قليل جدًّا مما قالت لما يكفي لاستعداء القضاء، والالتجاء إلى السلطان.

هذه إحدى الطريقتين. وهناك طريق أخرى لأخذ الصحف الهازلة بإسرافها في الهزل، وهي لقاء الهزل بالهزل، والعبث بالعبث، والعدوان بالعدوان، وهي طريقة قد تنكرها الأخلاق الخالصة، ولكنها مركبة في طبائع الناس، يلجَئون إليها دائمًا ويسلكونها دائمًا، ويلجأ إليها أصحاب السياسة بنوع خاص. ولا يَقُلْ صديقي هيكل إن الأحرار الدستوريين لا يحبون هذه الطريقة ولا يميلون إليها، فقد يكون هذا حقًّا إذا خلا الأحرار الدستوريون إلى ضمائرهم ومُثُلِهِم العليا في الأخلاق، ولكنهم حين يخوضون غمار الحياة السياسية يسيرون فيها سيرة غيرهم من الأحزاب، وقد كانت لهم صحفهم الهازلة، وكانت تظفر منهم بالرضى والتشجيع، وكانت تظفر منهم بالنصر والتأييد، فإذا لم تسمح لهم الظروف الآن بطائفة من هذه الصحف؛ فليس ذلك ذنب خصومهم، وليس ذلك مصدر اللوم لهؤلاء الخصوم.

وبعد، فما كنت أريد أن أذكر فساد الأخلاق حين كتبت ما كتبت أول أمس، فلست أعتقدُ أن أخلاقنا السياسية من حيث نحن معارضون في هذه الأيام شر من أخلاقنا السياسية فيما مضى، فقديمًا كان في سياستنا الجد والهزل، وقديمًا كان في سياستنا الإسراف والاعتدال، لم تزدَدْ أخلاقنا السياسية فسادًا، ولعل ما تنشره الصحف الهازلة اليوم أن يكون خيرًا مما كانت تنشره أمس، ولعله يكون أدنى إلى شيء من الاحتياط ونقاء اللفظ مما كان يُنشر قبل الحرب، ومما كان يرسل إلى محمد عبده وقاسم أمين؛ لأن أخلاقنا قد ارتقت من غير شك، ولأن آدابنا قد تطورت إلى الخير ولو قليلًا من غير شك، إنما الذي أردت أن ألاحظه وأسجله هو ضيق بعضنا ببعض، وامتلاء صدورنا بالحرج لأيسر الأشياء وأحقر الأمور.

وينكر صديقي هيكل أن تكون الأزمة السياسية والاقتصادية هي التي ملأت صدور الوزراء والنواب والشيوخ حرجًا بالنقد، حتى حين يصدر من بعضهم لبعض؛ لأن الوزراء وأنصارهم من النواب والشيوخ لا يشقون بهذه الأزمة، ولأن الصحافيين حتى من المعارضين لا يشقون بها كما يشقى بها الفلاح، وكنت أُحب لصديقي هيكل أن يكون أحسن تقديرًا لهذه الأشياء مما ظهر في مقاله أمس، فليس يألم من الأزمة السياسية والاقتصادية ويضيق بها من يَصلى شرها وحده، بل يألَم لها أيضًا من يدافع عنها، ويحاول حمايتها، ويحاول فرضها على الناس، ويحاول أن يصورها في صورة الخير، وأستطيع أن أؤكِّد لهيكل أن الوزراء والنواب والشيوخ يشقون بدفاعهم عن موقفنا السياسي والاقتصادي، أكثر مما نشقى نحن باحتمال هذا الموقف وما يستتبعه من الآلام! وأن هؤلاء الوزراء والنواب والشيوخ خليقون بالرثاء والإشفاق؛ لأنهم يقفون موقفًا كله حرج، ويدافعون عن موقف لا سبيل إلى الدفاع عنه، ويحمَدون موقفًا هم يعلمون فيما بينهم وبين أنفسهم أنه لا يُحمَد، فهم خليقون أن ينفقوا في موقفهم هذا ما يملكون من جهد، وهم خليقون أن يضعف حظهم من المقاومة لما يوجه إليهم من نقد ليصدقني هيكل. إن الموقف السياسي والاقتصادي الشاذ الذي اضطرتنا إليه الوزارة القائمة — والذي طال أمره وثقل عبئه على أنصاره وخصومه معًا — هو مصدر ما يملأ صدور الناس من حرج لكل شيء، وتبرُّم بكل شيء، إن كمال الرجولة يقضي علينا بأن نقاوم هذا الحرج، ونبرأ من هذا الضيق، ونأخذ أنفسنا بالصبر والثبات، ونروضها على احتمال الأذى والمكروه، ونصرفها عن كل ما يدل على ضعف المقاومة، أو خور الطبيعة، أو انحلال العزيمة، أو الخروج عن الطور.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.